مستشفى الزهراء، عليها السلام، المتنقّل وجهاد الإسناد الطبي
كتبه: علي جواد
حرر في: 2015/07/21
القراءات: 981

عندما يلبّي الجميع نداء المرجعية الدينية بالجهاد ضد الارهاب التكفيري، دفاعاً عن المقدسات والارض والعرض، نجد كل انسان يسعى جاهداً لأن يُسهم من حيث اختصاصه وقدراته، في هذه الحملة المقدسة، فاذا كان الشباب والرجال يتسابقون للتطوع الى جبهات القتال، فان هناك شرائح عديدة في المجتمع، تتسابق ايضاً للمشاركة في دعم وإسناد المقاتلين، ومن هؤلاء شريحة الأطباء والممرضين، علماً أن لهؤلاء الدور المؤثر والكبير في حملة الدعم اساساً، فالاسناد الطبي، يُعد من أهم عمليات الاسناد في الحروب.

ومن دواعي الفخر والاعتزاز لمدينة كربلاء المقدسة، أنها تشارك بفريق عمل طبّي متخصص لدعم وإسناد القوات المسلحة من الجيش والشرطة والحشد الشعبي في منطقة «النخيب»، على بعد مسافة (250) كيلومترا عن مدينة كربلاء المقدسة. وقد تطوّع لهذا العمل الجهادي عدد من الأطباء والممرضين الذين وطّنوا انفسهم على الخدمة للوطن والانسانية، وتخلّوا عن كل اسباب الراحة والاستقرار، ليقطعوا مسافة بعيدة وسط الصحراء يومياً ليحافظوا على دماء وأرواح الابطال المقاتلين، بما أوتوا من قوة.

التقينا الدكتور غزوان رياض عبد الحمزة، اخصائي الامراض الباطنية، في عيادته بكربلاء المقدسة. وسألناه عن الاجواء السائدة في قاطع النخيب وطبيعة الخدمات التي يقدمونها للمقاتلين. فتحدث بداية عن «مستشفى الزهراء، عليها السلام، المتنقل» التابع لمديرية صحة كربلاء، وقد أهدته كوريا الجنوبية الى العراق بهدف المساعدة في الحالات الطارئة، مثل الزيارات المليونية والكوارث الطبيعية مثل الفيضانات وغيرها. هذا المستشفى عبارة عن (13) عجلة بين شاحنة ومنشأة، وكل منها يضم جناحاً خاصاً في الطب، مثلاً؛ إحداها خاص بالإفاقة وفيها خمسة أسرة، ونظام الإفاقة هذا، يعادل أحسن نظام في العراق كله. وشاحنة للعمليات الكبرى وأخرى للصغرى. وهنالك قسم خاص للتوليد وللعمليات القيصرية والعمليات العادية. اضافة الى الاشعة والباطنية والاطفال وقسم فحص الوظائف، الى جانب الدعم اللوجستي مثل وجود سيارتي اسعاف. وايضاً بهو للاطباء، وأقسام أخرى. وبالرغم من أن هذه المستشفى المتنقلة والمجهزة بأفضل وأرقى التجهيزات الطبية، وصلت العراق تحت عنوان «المساعدات الانسانية»، بيد أن دائرة صحة كربلاء المقدسة، بادرت وتطوعت بها للمشاركة في إسناد القوات المسلحة، ليس فقط في النخيب القريبة من كربلاء، وإنما في محافظة صلاح الدين ايضاً. فقد شاركت في اغاثة اهالي هذه المحافظة في الفيضانات التي حصلت قبل سنوات، وقبل اندلاع الحرب الاخيرة. وفي الحرب الراهنة ضد «داعش» جاءت المبادرة التطوعية من دائرة صحة كربلاء، وبتوجيه من مديرها الدكتور صباح الموسوي، الامر الذي أثار إعجاب القيادات العسكرية، فأهدوها الشكر والثناء الجميل. وقبل المشاركة في إسناد العمليات العسكرية في النخيب، كانت هذه المستشفى في ناحية «جرف النصر» خلال عملية تحريرها من عصابات «داعش» الاجرامية، لتقديم خدمات الطبابة والتضميد لمقاتلي الحشد الشعبي والقوات المسلحة.

أما عن الجهود المبذولة حالياً فيوضح الدكتور غزوان، بأنه في الوقت الحاضر «ننشر خمس عجلات في طريق النخيب. وهناك نقدم خدمات العمليات الكبرى والصغرى، وكان لدينا مطعم حولناه الى صيدلية جراحية. الى جانب قسم الإفاقة والمختبر، كما هنالك اربع سيارات اسعاف. وسيارتين للاسعاف الفوري. مهمتنا تحديداً؛ استقبال الحالات الطارئة مثل الاصابات من الحشد الشعبي، ومعالجته، وإن احتاج للعملية نجري له العملية في نفس المكان، وإن كان يحتمل الوصول مستشفى الحسين، عليه السلام، بكربلاء سالماً، نبعثه الى هناك.

أما عن الأقسام الاخرى في هذا المستشفى، فأوضح الدكتور غزوان لنا: «الحاجة الشديدة لإسناد الحشد الشعبي، دفعنا لأن نقسم المستشفى الى قسمين: أحدهما يبقى في النخيب، والآخر ذهب الى ناحية «العوجة» بمحافظة صلاح الدين». وتابع قوله: «إن الاسناد الطبي في النخيب يستقبل، ليس فقط القوات المسلحة، وإنما النازحين من المدنيين الذي باتوا ضحية العمليات الارهابية والاجرامية لعناصر «داعش»، ويسعون للنجاة بانفسهم.

 

 جهاد الطبابة حتى الشهادة

سجل العديد من الاطباء والممرضين من كربلاء المقدسة مواقف بطولية مشرفة خلال عمليات إسناد المقاتلين في اكثر من قاطع، وهو يحملون ارواحهم على أكفهم للمشاركة في الجهاد ضد الارهاب التكفيري، وهم يرون الشهادة بأعينهم خلال وجودهم في مناطق الحرب والمواجهة المحتدمة.

الدكتور غزوان يتحدث عن «محمد عسكوري» أحد الأبطال من الممرضين المتطوعين، الذي كان يعمل في مستشفى الاطفال في كربلاء المقدسة، فطلب نقل خدماته الى مستشفى السفير التابع للعتبة الحسينية، ومن هناك يلتحق بلواء علي الأكبر، عليه السلام، وهذا ما تحقق له، وفي شهر رمضان من العام الماضي، وتحديداً في بدايات الحرب ضد «داعش» سقط شهيداً في مدينة سامراء وهو يقدم العلاج للمقاتلين في أوج المعارك المحتدمة آنذاك. وفي سامراء المقدسة نفسها، هناك سائق سيارة أسعاف اقتحم خطوط القتال لانقاذ الجرحى من مقاتلي الحشد الشعبي والجيش، فدفع روحه ثمناً للمشاركة في صد العدوان الغادر من العصابات الارهابية، وهناك حمل مستشفى في سامراء اسم الشهيد، ليكون «مستشفى محمد الماجد».

 

 الحشد الشعبي والقتال بعد العلاج

يشير الدكتور غزوان الى أنه كان يسمع بمن يطلب العودة الى القتال بعد ان يبرأ من اصاباته في الحروب والمعارك، وكان يعد ذلك نوعاً من المبالغة، إلا انه رأى هذا الموقف بأم عينيه، عندما كان يعالج ابطال الحشد الشعبي، ويسأله بعضهم: «اذا كانت الاصابة بسيطة، هل يمكنني العودة الى القتال...»؟ وهذا غيض من فيض المشاهد والمواقف البطولية لمقاتلي الحشد الشعبي.

والى جانب الدعم والإسناد للقوات المسلحة، يشير الدكتور غزوان الى مهمة أخرى في موقعهم الحالي، وهي مهمة إغاثة النازحين من أهالي الانبار الذين باتوا ضحية العلميات الارهابية والانتقامية لعناصر «داعش». بل ان النازحين «يأتوننا من الموصل، عن طريق صحراء الانبار للوصول الى كربلاء المقدسة والنجاة بانفسهم من ارهاب داعش، ونحن نستقبلهم بالرعاية الطبية والانسانية، وبين هؤلاء نساء وشيوخ».

 

 الإسناد الطبّي بحاجة الى دعم مستمر

كما أن القوات المسلحة بحاجة الى دعم لوجستي وإسناد عسكري يعزز من مواقعه ويقوي شوكته في مواجهة الاعداء، فان الإسناد الطبي هو الآخر بحاجة الى دعم مستمر من الجهات المختصة في وزارة الصحة، لأن المستشفى المتنقل عبارة عن عجلات تحمل معدات وأجهزة دقيقة وحساسة، وليس من المعقول أن تترك دون عناية وصيانة مستمرة لضمان استمرارية العمل، وهذا ما أشار اليه الدكتور غزوان في حديثه، فهو في الوقت الذي يؤكد أن أداء الكادر الطبي والتمريضي والادارة العامة، فوق المستوى المطلوب، وفي مرتبة «جيد جداً»، حيث الجميع مستعدون لتقديم الخدمات الطبية ليل نهار، فانه ينبّه الى أن الدعم الحكومي غير كافٍ حتى الآن، لأن الكادر الطبي التطوعي في هذه المستشفى المتنقلة، تعمل على جبهتين - يقول الدكتور- : الزيارات المليونية، وفي مقدمتها الزيارة الاربعينية، وجبهة العمليات العسكرية.

 

 الزيارات المليونية

يتحدث الدكتور غزوان عن الجهود التطوعية في هذه المستشفى المتنقلة خلال الزيارات المليونية الى كربلاء المقدسة، لاسيما الزيارة الاربعينية، لتقديم مختلف انواع الطبابة والتمريض للزائرين القادمين سيراً على الاقدام. وقد «تمركزنا قرب مدينة الزائرين على الطريق بين النجف الاشرف وكربلاء المقدسة»، حيث قدمنا مختلف انواع الخدمات الطبية والعلاجية للزائرين.

وعن أبرز الانجازات لهذه المستشفى، يتحدث الدكتور غزوان عن حالة ولادة حصلت خلال الزيارة الاربعينية في العام الماضي، وهي لسيدة ايرانية كانت ضمن الزائرين، وقد ولدت بنجاح بنتاً اسمتها «زهراء»، فكان الحدث باعثاً على السرور والابتهاج، لان هذه هي المرة الاولى في العراق، تتم فيها عملية ولادة ناجحة في مستشفى متنقل.


ارسل لصديق