شبابنا ومشكلة الابتعاد عن المساجد
كتبه: الشيخ ماجد الطرفي
حرر في: 2015/07/23
القراءات: 910

جاء في حديث قدسي طويل:

«...ألآ أنَّ بُيوُتِي فِي الأرضِ المَساجِدِ، تُضِيءُ لِأهلِ السَّماوَاتِ، كَمَا تُضِيءُ الكَوَاكِبُ لِأهلِ الأرضِ، ألآ طُوُبى لِمَنْ كانَتِ المَسَاجِد بُيُوتَه.

ألآ طُوُبَى لِمَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِه، ثُمَّ زَارَنِي فِي بَيْتِي. ألآ إنَّ عَلَى المَزُور كَرَامَة الزَائِر. ألآ بَشَّر المَشَّائِين فِي الظُلُمَاتِ إلَى المَسَاجِدِ بِالنُور السّاطِع يَوُم القِيَامَةِ».

ان لكل ديانة مكاناً للعبادة، يتقرب فيها اتباعها الى الله - تعالى- فيكون محترماً ومقدساً.

والإسلام الحنيف جعل المساجد بيوت عبادة للمسلمين، ولشدة اهتمام الله - سبحانه وتعالى- بالمسجد فقد نسبه إليه، فكانت المساجد بيوت الله في الأرض.

وللمسجد أهمية بالغة، ودور مهم في بناء الفرد و المجتمع وله آثار في إنارة القلوب والافكار وطمأنة النفوس وتوطيد العلاقة بين الانسان، وبين خالقه -تعالى- هذا على المستوى الفردي، أما اجتماعياً فله آثار واسعة في توسيع وتوطيد العلاقة بين المصلين، ومعرفة بعضهم البعض وشعورهم بهموم بعضهم البعض، تطبيقاً للحديث النبوي الشريف: «المؤمن مرآة أخيه المؤمن»، إضافة إلى ما فيه من فوائد جمّة، فقد روي عن النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، «إن للمساجد أوتاداً، الملائكة جلساؤهم، إذا غابوا افتقدوهم، وإن مرضوا عادوهم، وإن كانوا في حاجة أعانوهم».(1)

إلى غير ذلك من الفوائد الجمة التي تشد أزر المجتمع وتوصله إلى سعادة الدنيا ونعيم الآخرة.

 

 تحديات في طريق المساجد

هنالك تحديات كبيرة تواجه المؤمنين في طريقهم نحو المسجد او الجامع، في مناطقهم السكنية، فالإنسان، الذي أكرمه الله - تعالى- بالعقل والإرادة وعديد القوى والقدرات، بإمكانه سلوك طريق الخير، كما له ان يسلك الطريق المنحرف، وبما أن الانسان ميّال الى التمرّد والعصيان، وهي حقيقة نفسية يقرّها القرآن الكريم، فان عوامل الانحراف والإبعاد عن طريق المسجد، تكون عديدة حوله، لاسيما لمن له أرضية الاستقبال والتأثر.

ولطالما جاءت التوصيات والتأكيدات من الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، والأئمة الأطهار، عليه السلام، وعلمائنا الأبرار، بأهمّية وضرورة إحياء المساجد، عبر حضورنا فيها والمداومة على زيارتها، لأداء الفرائض، والقيام بالطقوس العبادية والدينية المختلفة، بما يفيد شريحة الشباب بشكل خاص، وجميع شرائح المجتمع بشكل عام، لما لحضور المساجد من فوائد نفسية و روحية، بالمقابل، لما للابتعاد عن المساجد من اضرار ومساوئ يشير اليها المعصومون والعلماء الأفاضل. فقد جاء عن الإمام الصادق، عليه السلام، ان امير المؤمنين، عليه السلام: بلغه ان قوما لا يحضرون الصلاة في المسجد فخطب فقال : «ان قوماً لا يحضرون الصلاة معنا في مساجدنا فلا يؤاكلونا ولا يشاربونا ولا يشاورونا ولا يناكحونا ولا يأخذوا من فيئنا شيئا او يحضروا معنا صلاتنا جماعة وأني لأوشك ان آمر لهم بنار تشعل في دورهم فأحرق عليهم او ينتهوا .. قال فأمتنع المسلمون عن مؤاكلتهم ومشاربتهم ومناكحتهم حتى حضروا مع المسلمين».(2)

هذا وقد مرت على المؤمنين ظروفاً قاسية، ونخصّ بالذكر في العراق، منعتهم من المداومة على حضور المساجد، بسبب سياسات الإفساد والتضليل من قبل النظام البائد، فكانوا يصلون في بيوتهم خوفاً وتقية، ولكن بعد زوال أسباب المنع، وتوافر أجواء الحرية، هذه النعمة الإلهية الكبيرة، لم يبق عذر أمام الجميع في المداومة على حضور المساجد.

 ولابد من القول: إن المساجد تشكونا الى الله - تعالى- يوم القيامة، فقد ورد عن النبي، صلى الله عليه وآله وسلم.

«يجيءُ يوم القيامة ثلاثة يشكون : المصحف والمسجد والعترة، يقول المصحف : ياربي حرقوني ومزقوني، ويقول المسجد: عطلوني وضيعوني، ويقول العترة : قتلونا وطردونا وشردونا».(3)

فما هي يا ترى الأسباب المؤدية إلى الابتعاد عن المسجد؟ ولماذا يغفل الإنسان عن أهمية المسجد فيهجره؟

 

 الأسباب

أولا: تراجع دور الأسرة

 تعد الأسرة الحجر الأساس في عملية التربية وأي تقصير من الأبوين فهما من يتحمل أعباء وأخطاء سوء تربيتهما، وتصرفات الشباب السيئة تؤثر مباشرة على الأسرة، ثم على المجتمع وقبل ذلك على نفسه أكيداً، قال الإمام الصادق، عليه السلام، «لا يزال العبد العاصي يورث أهل بيته الأدب السيئ حتى يدخلهم النار جميعاً حتى لا يفقد فيها منهم صغيراً ولا كبيراً ولا خادماً ولا باراً»، فلابد من دور رقابي من الأبوين على الشاب حتى لا يتحول في المستقبل الى فرد غير مفيد او ضار في المجتمع.

ثانياً: تجاهل الإثارات العاطفية

ومن أهم مساوئه حالة التسيّب في العلاقات بين البنين والبنات في الجامعات، بل وعموم حالة الاختلاط في عديد اماكن العمل، فان تجاهل هذه الحالة وعدم وضع ضوابط وحدود، ينتج عنه ظهور حالات غريزية لدى الانسان لإظهار مزيد من العطف والتمايل إزاء الآخر، بما يؤدي بالنتيجة الى إثارات وعلاقات لاتحمد عقباها.

هذه الحالة، تجعل الشباب، على وجه التحديد، في عالم آخر بعيد عن الاجواء التي تذكره بالآخرة وبنفسه وتصرفاته وعواقب أموره، وهو ما يجده في المساجد وحسب.

ثالثاً: أصدقاء السوء

إن لأصدقاء السوء، في الحي السكني او الاماكن العامة، دوراً مؤثراً في ابتعاد الناس، وبالأخص الشباب عن جادة الصواب وعن المساجد ايضاً، قال الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم: «المرء على دين خليله وقرينه» وقال أمير المؤمنين علي، عليه السلام، «صحبة الأشرار تكسب الشر كالريح إذا مرت بالنتن حملت نتناً».

رابعاً: الفراغ والبطالة

فلو كان الشاب - مثلاً- موظفاً في دائرة حكومية أو مشغولاً في مهن وحرف مختلفة، يكسب بسببها قوت يومه، لاستغنى عن التوجه إلى مراكز اللهو والفساد، و لوجد الفرصة لارتياد المساجد.

ولعل من يقول: بأن انسان اليوم المثقل بهموم العمل والبحث عن لقمة العيش، لن تبقى له فرصة الذهاب الى المسجد، نقول: العكس؛ فانه في طريق الله، بكدّه وعمله من اجل عياله، وهو مشحون بالأمل والثقة بالنفس، فيجد في المسجد ما يزيد من هذه الحالة المعنوية، بالشكر الى الله - تعالى- وطلب الرحمة والمغفرة، والمزيد من سعة الرزق، بينما العاطل، تعشعش فيه نفسه الكآبة واليأس من كل شيء، فهو ربما لا يجد فائدة من الحركة حتى داخل بيته ومساعدة أهله على ما يطلبون!

 

 العلاج

لا شك أن هناك أسباباً كثيرة اخرى مسببة للابتعاد عن المساجد، لاسيما في شريحة الشباب، أكثرها يتفرع من الأسباب المذكورة آنفاً، ولعل هناك أسباباً نفسية واجتماعية ربما يشعر الشاب بأن المشكلة ليس لها حلاً، بينما الامر خلاف ذلك، إذ إن الإسلام جعل لكل مشكلة حل.

وقد ذكر الإسلام علاجاً لهذه المشكلة التي نحن بصددها، و التي ذكرناها قبل قليل، وسوف نجيب وباختصار شديد بما يلي:

1- إعطاء مزيد من الاهتمام للأسرة وأفرادها، بتنقية أجواء العلاقات وضخ القيم الانسانية والاخلاقية بين افرادها، بحيث يشعر كل فرد، صغيراً كان أم كبيراً، أنه على قدر من الاهمية داخل الأسرة.

2- تقوية الجانب التربوي والأخلاقي في المدارس والمعاهد والجامعات، وهذا يقع على عاتق الحوزة العلمية بالتنسيق مع الدولة والاتصال بالأساتذة في المدارس والجامعات، لكي يكون لهم دور فاعل في هذه المهمة، لأن الطلاب يعدّون المدرسة بيتهم الثاني، فلابد للأساتذة من ممارسة دور الأب من ناحية تربية الأولاد في المدارس.

3- وضع الضوابط الخاصة بمسألة اختيار الصديق الحسن والناصح، والمساعدة في ذلك تقع على عاتق الأبوين، بل حتى الأخ الكبير والكبار في الأسرة، في إرشاد الشباب الى النماذج الحسنة والفاضلة لأمر الصداقة والتواصل.

 4- فيما يتعلق بأوقات الفراغ، فان بالامكان معالجته بخطوات عملية منها: الشجيع على المطالعة الثقافية والمعرفية المفيدة، هذه المهمة والمسؤولية تقع على عاتق رب الأسرة، بل وحتى الأخ الكبير.

وايضاً؛ الانخراط في دورات في أيام العطل المدرسية، وهي مسؤولية المؤسسات الدينية والمراكز التربوية والثقافية بأن تفكر بإعداد دورات ثقافية وعلمية.

توفير فرص العمل للشباب في أوقات العطلة المدرسية، بل وحتى في مختلف اوقات السنة.

كل ذلك، من شأنه ان يقيم جسور العلاقة بين الشباب وبين المسجد، بحيث يرون في المسجد محلاً يكسب فيه العلم والمعرفة وفوائد جمّة في حياته.

5- وأخيراً...

وهي النقطة التي لا تقل أهمية عمّا سبق؛ الهجمة الثقافية الغربية على البلدان الإسلامية، من خلال مواقع النت والقنوات الفضائية، والتي أدت الى عزوف كثير من الشباب عن المساجد، وهو ما نلاحظه بعد الاجتياح الاميركي للعراق، وهذه الهجمة الثقافية يجب مواجهتها بنفس الاسلوب، وبالاستفادة من تقنيات الاتصال المتاحة، وهذه مسؤولية تقع على عاتق المثقفين والعلماء والخطباء.

 

 مجتمعنا ومخاطر زوال النعمة

ختاماً؛ كان لابد من ذكر الآثار الايجابية المترتبة من التزام شبابنا بتوجههم الى المساجد، وأيضا الآثار السلبية في عزوفهم عنها، فاذا كبرت الفجوة بين الشاب والمسجد، ستسود في مجتمعنا عادات وسلوكيات شاذّة وبعيدة عن الذوق العام وثقافة المجتمع، مثل الكلام غير اللائق، واتخاذ نمط معين ومستورد من الملبس، وحتى تسريحة الشعر وما شابه ذلك من الظواهر التي يتصور بعض الشباب أنها نوع من «التجميل»، وهي بالحقيقة تشويه لصورة الشاب (الرجل).

أما اذا ازداد الشاب إيماناً بذهابهم الى المسجد، ستقل بذلك السلوكيات السيئة، كما انهم سوف يبتعدون عن الأعمال المحرمة شرعاً، وستكون هناك صيانة للأعراض من التحرش والحفاظ على الممتلكات من السرقة؛ لان الشاب في ذلك يكون مهذباً ويخاف الله - تعالى - ويعرف ان الاعتداء على حقوق وحرمات الناس، والتحرش، محرم شرعاً، وبالتالي يأمن صاحب الأسرة على بناته وعائلته، عند ذهابهم الى المدرسة او الجامعة او الوظيفة، او اي مكان آخر، كما سنحقق بذلك الأمن الاجتماعي والاستقرار لجميع افراد المجتمع.

---------------

 (1) بحار الأنوار، ج80 - ص373.

(2) وسائل الشيعة، ج5- ص196.

(3) وسائل الشيعة، ج5 - ص202.


ارسل لصديق