حوزة الامام القائم عجل الله فرجه في كربلاء المقدسة:
تجديد وتأصيل وعطاء علمي للمجتمع
كتبه: حسين محمد علي
حرر في: 2012/05/03
القراءات: 3165

عندما يكون التغيير الشامل على صعيد الفرد والمجتمع، في سلّم أولويات الحركة الرسالية منذ انطلاقتها اواسط القرن الماضي، فمن الضروري وجود مركز وصرح علمي يدرس النظرية ويقدم المنهج العملي ثم يرسم الطريق لتحقيق هذا الطموح الكبير.

وهنا كانت نقطة الالتقاء بين الحوزة العلمية كصرح علمي – ديني، وبين الحركة الرسالية كمشروع فكري – ثقافي، فالحوزة العلمية هي التي حملت على عاتقها، منذ السنوات الاولى لغيبة الامام الحجة المنتظر عجل الله فرجه، مسؤولية نشر القيم والمبادئ وتحكيم الشريعة. وعلى هذا الطريق انبثقت فكرة مشروع "حوزة الامام القائم عجل الله فرجه"، عام 1980 ضمن مسيرة الحركة الرسالية. واليوم نقف أمام تجربة جديدة، في امتداد التجارب الماضية، لكن ليس في المهجر، إنما بجوار سيد الشهداء عليه السلام، وفي مدينته الباسلة والمقدسة، وهي تواصل النهج الرسالي العتيد، باعداد الارضية والاجواء لنمو علماء دين وخطباء ومبلغين ومدرسين يحملون مشعل الدين الى الآفاق.

في منطقة "حي المعلمين"، وهي من الاحياء القديمة والجميلة غرب كربلاء المقدسة، وعلى الشارع العام تقع بناية "حوزة الامام القائم للعلوم الدينية". ويبدو اختيار التصميم العمراني موفقاً، فالمبنى يقع بين فسحة كبيرة من الارض المشجرة والمزروعة، بحيث تمكّن طلبة الحوزة العلمية من الاستفادة من الاجواء النقية والعذبة.

ليس هناك وقت فراغ باسم "فرصة"، لتجد الطلاب متناثرين مبتهجين هنا وهناك، يقضون بضع دقائق، بعد ان يتخلصوا من الضغوط النفسية داخل الصف، إنما الهدوء سيد الموقف، فاذا لم يكن الطلاب في قاعات الدرس، فانهم يتذاكرون فيما بينهم الدروس الماضية، أو تراهم يتجولون بسكينة وهدوء، وهذا الهدوء اكتسبوه من هدوء واتزان شخصية عالم الدين، في حديثه ومشيه وكل حركاته وسكناته. وإن رأوا زائراً قادماً اليهم، تنفتح اساريرهم بالابتسامة والترحيب ، كما لو انه ضيف في بيتهم.

في مدخل المبنى تقع غرفة الادارة، كما هو المتعارف في معظم مباني المدارس والمراكز التعليمية. وهناك التقينا سماحة الشيخ عبد الحسن الفراتي مدير الحوزة فاستقبلنا برحابته المعهودة، فكان لابد لنا من معرفة تاريخ تأسيس مشروع "حوزة الامام القائم عجل الله فرجه"، وما هي البداية؟ لكنّا فضلنا أن يبين بدايةً السبب في اختيار كربلاء المقدسة مكاناً لهذه الحوزة العلمية.   

 

حوزة طامحة للتغيير

من الجدير في البدء تسليط الضوء على الخلفية التاريخية لـ"حوزة الامام القائم عجل الله فرجه"، فقد كشف لنا مدير الحوزة سماحة الشيخ الفراتي أن لبنتها الاولى تأسست في عام 1980 في مدينة طهران، بعد سقوط المقبور "محمد رضا شاه"، وليس عام 2003 بعد سقوط نظام صدام.

يقول سماحته موضحاً: اتخذ ثلّة من خريجي "مدرسة الرسول الاعظم" في الكويت، وبعض تلامذة المرجع المدرسي قرارا تاريخيا بضرورة البدء بنهضة علمية كبرى في العالم الشيعي، نظراً لحالة التخلف التي كان يعيشها المجتمع الاسلامي بشكل عام. وان تكون الحوزة بسمات جديدة، تَجمَع ما بين العلم والعمل. وبين التقليد والحداثة والمعاصرة، وأن يعيش طالب العلم هموم الامة، ويكون "كالطبيب الدوار بعلمه"، كما يقول الرسول الكريم، وبناءً على هذه السمات والصفات المميزة لهذه الحوزة، توجه صوبها العشرات من طلاب العلم والثقافة والمعرفة، من مختلف البلاد الاسلامية. من الطامحين للتغيير والاصلاح الجذري في مجتمعاتهم. 

هذه الحوزة المباركة، خرجت خطباء وعلماء واساتذة، عادوا الى ديارهم في البلاد الخليجية والافريقية وفي باكستان وافغانستان. ومن هنا انبثقت فكرة جديدة اخرى، وهي تأسيس حوزات مماثلة في تلك البلاد الاسلامية، فبدأت "حوزة القائم عجل الله فرجه" تتشكل في تنزانيا وسوريا، وفي بلاد اخرى تأسست حوزات باسماء اخرى، لكن بنفس المنهج،وهو الاعتماد على كتاب "المعهد الاسلامي" لسماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي "دام ظله".

أما بعد التاسع من نيسان عام 2003، فقد أسس سماحة المرجع المدرسي في كربلاءالمقدسة، أول حوزة علمية بتاريخ 1424 للهجرة، ثم جاءت الحوزات المباركة الاخرى، بعد فترة من الزمن مثل "حوزة ابن فهد الحلي" و "حوزة الامام الرضا عليه السلام"و "حوزة الامام الجواد عليه السلام"، وحوزات اخرى مباركة ايضاً، في العتبة الحسينية والعباسية و "جامعة الصدر الدينية"، و"حوزة الامام المهدي". يقول الشيخ الفراتي: لقد بلغ عدد طلبة العلم في كربلاء المقدسة بفضل هذه الجهود، اكثر من ألفي طالب علم، وهذا خير دليل على أن كربلاء المقدسة بدأت تستعيد عافيتها من الناحية العلمية، لاسيما وانها تتحمل مسؤولية استقبال الزائرين وارجاعهم الى اماكنهم معبئين بالمعرفة الحقيقية بالحسين عليه السلام الذي يزورونه.

 

المنهج.. الاصالة والمعاصرة

يُعد المنهج في الحوزات العلمية عصب الدراسة والتدريس، فما ان يثار خلاف معين على كتاب ما، او مسألة في منهج ما، يترك أثره على نظام الدراسة في أية حوزة علمية. لذا فان الدراسة المثمرة نتاج منهج رصين يحمل المواصفات المطلوبة لحوزة علمية تدرس علوم أهل البيت عليهم السلام. وهذا ما سلطنا الضوء عليه خلال احاديثنا في حوزة الامام القائم عجل الله فرجه، فقد حدثنا الشيخ علاء الكعبي أحد ابرز اساتذة الحوزة، بان المنهج المتميز للحوزة هو احد عوامل اختيار الطلاب للدراسة في هذه الحوزة، واشار الى "المنهج القرآني" المتبع في الحوزة، واوضح بانه انعكاس للمنهج الرسالي الذي يحثّ الانسان على التحرك والعمل وتحمل المسؤولية، ويمنحه القوة والطاقة للعمل في الساحة في المجالات كافة، وليس في المجال الديني وحسب. واضاف الشيخ الكعبي موضحاً: انه الى جانب دروس الفقه والنحو والاصول والمنطق، هنالك دروس في "القرآن الكريم"، و روايات اهل البيت، وهناك التدبر النظري والعملي، وقال: نقدم للطالب ملزمة تضم علوم القرآن الكريم بشكل مختصر، كما هناك دروس في "الحديث"، وهي في ثلاثة جوانب: حفظ الحديث ، وفهم الحديث وتدبره، ومعرفة قواعد علم الحديث، الذي يعرف بـ "علم الرجال"، كما هنالك درس الثقافة الرسالية، ونعتمد كتاب "معالم الفكر الرسالي المسؤول"، لسماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله)، ودروس في العقائد والعرفان، وهناك درسٌ في كيفية البحث والكتابة، على ضوء (ملزمة) تقدم للطالب.

أما مدير الحوزة  فقد أكد حاجة الحوزة العلمية الى منهج يتماشى مع الزمن، وقال: لاشك بأن الناس نظرتهم لطالب العلم ان يرجعوا اليه لحل مشاكلهم اليومية وفقاً لقواعد الشريعة التاريخية اذن نحن بحاجة الى حوزات تتماشى مع الزمن، فليس من الانصاف والعدل اعتماد منهج يستجيب لمتطلبات القرن الماضي. وعن المصدر، قال سماحة الشيخ الفراتي: "نستقيها من كتاب "المعهد الاسلامي" للمرجع المدرسي..." مؤكداً محافظته على المنهج القديم– التقليدي، مع اضافة مناهج حديثة، مشيراً الى بعض مصادر التشريع  الاسلامي التي قال انها شبه مهمشة في الحوزة العلمية، وهي القرآن الكريم والاحاديث والروايات الشريفة، "وقد انتبهنا لهذا وبدأنا نفعّل دروس التدبر في القران الكريم فضلاً عن التلاوة واحكام التجويد والحفظ، كذلك عندنا دروس "تحف العقول" و"نهج البلاغة".

وفي جانب آخر من حديثه، أشار مدير الحوزة الى مسألة هامة، وهي طريقة تعامل طالب العلم مع النصوص الشرعية، فقال لنا: "علمنا الطالب ان لا يهاب النص الشرعي، بل يتعاطى معه ويستنطق المفردات الشرعية المباركة سواءً في القرآن الكريم، أو في احاديث اهل البيت عليهم السلام، لكنا نهيناه عن الدخول في الجدال البيزنطي العقيم الذي يحوم حول العقل البشري القاصر، وخارج اطار الدين، وبالنتيجة لن يكون مثمراً.

وفي معرض اشارته الى انفتاح الحوزة على المناهج والعلماء دون تحفظ، لأن المهم – حسب قوله- هو "عصرنة المنهج" ، وأورد مثالاً على ذلك كتاب "الفقه الاستدلالي" لسماحة الشيخ محمد باقر الايرواني، بعد ان وجدنا – يقول الشيخ الفراتي- انه يستنطق القرآن الكريم والاحاديث الشريفة.

وفي هذا السياق سألنا سماحة الشيخ الفراتي عن الشروط اللازم توفرها في المتقدم لطلب العلم في الحوزة، فعدّها بالآتي:

1-  ان يكون عمره بين 16 الى 30 سنة.

2-  ان يكون خريج المرحلة الاعدادية ، واذا لم يدرس هذه المرحلة نقبله بما يعادل مرحلة الاعدادية، او في مستوى استيعاب هذه المرحلة، وهنا التفاتة منّا، لوجود شريحة من الجيل الجديد لحقهم الظلم بسبب سياسات النظام البائد، وحرموا من الالتحاق بالدراسة، فان وجدنا لديه التفوق الذهني بحيث يكون مستوى استيعابه بمستوى الاعدادية، يكون مقبولاً، وهناك امتحان للطالب لمدة ثلاثة اشهر، نلاحظ سلوكه واخلاقه، وايضاً اجتهاده في الدرس وتفاعله مع الدروس.

3-  ان لا يكون منطوياً على نفسه، لان الحوزة تسير في منهجها نحو التطبيق العملي للعلوم الدينية، مثل اقامة العلاقات مع المساجد والحسينياتفي بلدته ومنطقته.

4-  السلامة النفسية، فحتى وان كان الطالب ذكياً، إلا انه قد يكون مر بحالات خاصة كالكآبة، وانفصام الشخصية،بسبب ظروف معينة، فان الحوزة تعتذر عن قبوله، لانها تطمح لان يكون الطالب "طبيب روحي" للمجتمع، فكيف اذا كان هو يعاني من امراض نفسية وروحية...؟!

وبينما نحن نتجول بين ممرات الحوزة العلمية، ونصادف طلاباً عديدين، صادفنا طالب علم شاب من نسل رسول الله صلى الله عليه وآله، انه السيد احمد سعدون الموسوي، الذي سألناه عن المنهج ضمن مجموعة من الاسئلة، فأكد هو الآخر على تميز حوزة الامام القائم عجل الله فرجه، عن سائر الحوزات بتدريسها مادة التدبر في القرآن الكريم التي قال ان المرجع المدرسي يؤكد عليها، كما تدرس مادة "الثقافة" التي قال انها "تجعل الطالب اكثر استعداداً لمواجهة مشاكل المجتمع"، واضاف ان الحوزة تدرس (12) مادة، تشمل المواد الموجودة والمعروفة الى جانب المواد الجديدة.

 

العلاقة المطلوبة مع المجتمع

ما تزال الاسئلة الحائرة في الاذهان تثير انزعاج الكثير من ابناء المجتمع، لكن ما أن يجدوا لها جواباً حتى يشعروا بالارتياح والطمأنينة، لاسيما وان ظواهر شاذة وافكاراً دخيلة تحاصر الشباب والنساء وحتى الاطفال، فمن لهؤلاء...؟! لابد ان نجد الجواب في حوزة الامام القائم عجل الله فرجه، فهي التي اخذت على عاتقها مهمة التغيير والاصلاح على صعيد الفرد والمجتمع.

سماحة الشيخ الفراتي، مدير الحوزة قال لنا بدايةً: نقيم بين فترة واخرى، بعض الندوات والمؤتمرات داخل الحوزة لمناقشة الظواهر اللااخلاقية في المجتمع، وطرق معالجتها، واصفاً طالب الحوزة او عالم الدين بانه "طبيب للروح، كما للمريض والمصاب في بدنه طبيب اختصاص"، فالامراض النفسية كالحسد والحقد والكراهية والانا وحب الدنيا، والامراض الاجتماعية مثل التحرش الجنسي والسرقة، كلها امراض قاتلة وخطيرة لكل المجتمعات في العالم، وهذه الامراض لا يعالجها سوى عالم الدين، و دورهم بالحقيقة يشبه دور اللقاحات التي تحول دون بروز المرض، فهم يقضون على هذه الامراض الخطيرة قبل وقوعها. وتساءل عن سبب بناء السجون وانفاق الاموال الطائلة عليها؟ وأجاب: ان السبب هو فقدان دور علماء الدين منذ الايام الاولى للدراسة الابتدائية،واوضح في هذا السياق مشدداً علاقة الاخلاق كمفهوم بالسلوك العام، قائلاً: ان العقلية الغربية التي حكمت بلادنا الاسلامية فصلت ما بين الدين والسياسة، ما بين الدين والمجتمع، لذا لا نجد "الاخلاق" في منهج الجامعات والمدارس الحكومية.

 

لماذا أنا هنا.....؟!

مع الاقرار بوجود حوزات علمية لمراجع دين متعددين في كربلاء المقدسة، بعد ان كان التعدد في المدارس الدينية، كان علينا ان نعرف بالتحديد السبب الذي يدفع الشاب لأن يختار هذه الحوزة على سائر الحوزات والمدارس الموجودة في كربلاء المقدسة، علماً ان حوزة الامام القائم عجل الله فرجه، تضم طلاباً قادمين في مدن عديدة في العراق، من الشمال والجنوب، الى جانب من يسكنون كربلاء المقدسة. التقينا بالصدفة بأحد الشباب اليافعين وقد عرف نفسه بانه: "حسين محمود عباس"، من مدينة ديالى، وهو من مواليد عام 1990، فأكد على منهج التوعية التي تميزت به هذه الحوزة هو الذي شجعه لان يكون احد طلابها. ثم استطرد بالقول: ان هدفي من دخول الحوزة العلمية، هو البحث عن حلول للشبهات التي تواجهنا في المجتمع، وهذا لا يتم إلا من خلال طلب العلم، فهو الذي يكشف لنا الحقائق وينير القلوب، ويجعلنا قادرين على أداء دور الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر الواجبات والالتزامات الدينية.

سألناه كيفية تحقيق ذلك في المجتمع... وهل يعتقد بنجاح طالب الحوزة في هذا المجال...؟، فاجاب بشكل قاطع وواضح: "نعم... لكن بعد أن يبدأ الانسان بتغيير نفسه"، وقال كلاماً فيه دلالة كبيرة: "ان العلم الذي يغيرك، دليل على انه من الله عز وجل، وأن الله عز وجل أحبك وهداك الى هذا العلم، ومن خلال هذا العلم تتمكن من تغيير اخلاقك، وسلوكك، ومن بعد ذلك تستطيع ان تصلح المجتمع وترشده الى الطريق الصحيح، وهو المنهج الاسلامي...".

ونفس التوجه يذهب اليه السيد احمد الموسوي الذي أجاب على السؤال: لماذا أنت هنا....؟ فقال ايضاً بشكل قاطع وواضح: "في البداية، المجتمع، وما يشهده خلال الاعوام الاخيرة، من حالة انحدار نحو الثقافات الغربية، وايضاً ما يطرح من شبهات من قبل الشارع، فالذي دفعني للدراسة في احوزة هو " الثقافة الخاطئة في المجتمع"، واضاف ايضاً: "ان الذي جعلني ادرس في حوزة القائم عجل الله فرجه، بالتحديد، أسرة سماحة المرجع المدرسي، التي نالت اعجابي، ودفعني لان اتخذ قرار الدراسة في هذه الحوزة"

و وجه السيد أحمد نصيحة جميلة لطلبة الجامعات والمدارس من اقرانه "انصح الشباب الجامعيين والاكاديميين ان يدرسوا ولو قليلاً، علوم اهل البيت عليهم السلام، لكي لا يتأثروا بالثقافات الوافدة ويخسروا كل شيء ".

 

الحوزة العلمية والمرأة

ما دمنا نتحدث عن العصرنة في منهج الحوزة العلمية وضرورة تقريب المسافة بين عالم الدين والمجتمع، كان لابد من فتح ملف المرأة داخل الحوزة العلمية، لاسيما ونحن نتذكر الحديث النبوي الشريف: "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة"، وحوزة الامام القائم عجل الله فرجه، جديرة بهذا الدور الرسالي، فهل ثمة فرصة للمرأة لطلب العلوم الدينية؟

يقول الشيخ الفراتي: لحوزة القائم عجل الله فرجه، طموح بتأسيس حوزة خاصة بالنساء، وقد تلقينا اتصالات من الاخوات بهذا الشأن، وهناك اقتراحات بالدراسة عن بعد، والحضور يوم واحد، ولكن نحن نعاني من مشكلة المكان لاستقبال الاخوات. فحتى وإن تمت الدراسة عن بعد، يتعين على الطالبة الحضور يوماً واحداً في الاسبوع للمراجعة، وكذلك لاداء الامتحانات الفصلية، كما ان الظروف التي يمر بها البلد حال دون نجاح هذا المشروع، لكن الخطة موجودة وسيتم تفعيل هذا الجانب ان شاء الله في المستقبل.

وحذر مدير الحوزة من مغبة ارتكاب خطأ في تركيب المنهج الذي يتبعه الرجال على الحوزات الخاصة بالنساء، عازياً ذلك الى الدور القيادي والتربوي والاجتماعي الخاص بالمرأة، وقال: "البعض يفاجئون المرأة بدروس ومناهج يجعلونها تهرب وتبتعد عن الحوزة العلمية، من خلال دروس معمقة يهتم بها الرجل فقط، بينما المرأة بحاجة الى دروس تربوية، والى القرآن الكريم، والى نهج البلاغة.

الانجازات...

عن هذا الجانب يتحدث سماحة الشيخ الفراتي بغير قليل من التواضع: باننا "في الواقع كلما قدمنا او نقدم للعراق وللامة الاسلامية،فهو شيء قليل... وهذه دعوة الى كل من لم يتحرك نحو طلب العلم، وهذه فرصة تاريخية، بوجود نعمة الحرية في العراق، فلابد من استثمار هذه الفرصة لبناء الشخصية. ومن اول اهداف الحوزة وما يزال؛ بناء شخصية الانسان الشيعي والمسلم، التي حاول صدام مسخها طيلة (35) الماضية . وفي الوقت الحاضر لدينا فروع في محافظات عديدة، مثل البصرة وبغداد والكوت، ونتبع طريقة اقامة دورات صيفية تنتهي بافتتاح مدرسة دينية ثابتة، كما حصل في منطقة "ناحية العدل" في العمارة، ومنطقة "الفهود" في الناصرية، ومنطقة "بوب الشام" في بغداد،كما لدينا فروع مكانها الجوامع والحسينيات، إذ ليس بالضرورة ان يكون هناك مبنى خاص، فنحن نتفق مع اخواننا القائمين على الجوامع، بان تكون حوزات مسائية، حتى نبدأ بالدورات الصيفية فيما بعد، ثم تتحول الى مدرسة ثابتة طوال السنة، والبرامج هي: ثلاثة او اربعة دروس يوميا، ويرتبطون بحوزة علمية، وهناك برنامج الايفادات، بمعنى الحوزات الفرعية تطلب طلبة علوم دينية، ونحن نلبي طلبهم ونوفد طلابنا الى هناك،فيبقى هناك فترة "معايشة" لشهر او شهرين ثم يعود ليحل محله طلبة آخرون.

وفي معرض حديثه عن الانجازات في مجال التبليغ قال الشيخ الفراتي: إن عدداً من جوامع كربلاء يؤمّها خريجو حوزاتنا، ومن واجباتهم اقامة دورات صيفية للتوعية الدينية لابناء المجتمع، وفي كل عطلة صيفية ينتشر طلابنا في مناطقهم بكربلاء ويفتحون دورات ثقافية – دينية، بعضها تحت اسم "معاهد قرآنية" يجمعون طلاب المدارس من كل الاعمار ليستفيدوا من علوم اهل البيت عليهم السلام.

الى جانب الانجازات، تحدث الشيخ الفراتي ايضاً وبروح رياضية عن الاخفاقات وقال بالحرف الواحد: "من الاخفاقات الكبيرة عدم فتح باب الحوار بين الحرم الجامعي والحوزوي، ونأمل من الاخوان في وزارة التربية والتعليم، وايضاً اخواننا في وزارة التعليم العالي أن يبدأوا هذا الحوار، قبل ان تتفاقم المشاكل الاخلاقية الكبرى في المجتمع، و تنتشر الظواهر الشاذة مثل الخمور والايمو وعبادة الشيطان - اعوذ بالله-وقد اكتشف العالم اليوم أن الدين هو صمام الامان على الصعيد السياسي والاجتماعي. والعراق بعد خروج المحتل، امام تحديات كبيرة، وندعو اخواننا المسؤولين في القطاع التربوي أن لا يتحسسوا من بعض الحوزات، او يقولوا: هناك خوف من نشر بعض الافكار او الدعوة الى بعض المرجعيات، فنحن كلنا مرجعية واحدة، وكلنا نور وخط واحد، وكلنا نتبع القرآن الكريم والعترة الطاهرة فلا بد ان ننفتح ونقبل الحوزات كما هي والحوزات عليها ان تقبل الوضع التربوي في شقيه التربوي والعالي كما هو،حتى نوجد نقلة نوعية في المجتمع العراقي.

وبينما كنا خارجين باتجاه البوابة الرئيسية استوقفتنا صالة الطعام، المتشكلة من مبنى مستقل، وهذا دليل على ان الحوزة تقدم الخدمات الكاملة للطلبة من كربلاء المقدسة وسائر المحافظات بتقديم الطعام وتوفير مكان الاقامة المناسب. اختصرنا الطريق الى قلب المطبخ لنلتقي الاخ الكريم المشرف على الطبخ ونسأله عن شعوره وهو يطهو الطعام لطلبة العلوم الدينية... فاجاب: اشعر بالارتياح الكامل وانا أؤدي عملي، لاني بذلك أقدم خدمة لطلاب العلوم الدينية. واضاف "محمد علي عبد الله"، بان الدافع المعنوي هو الذي جعله يختار العمل في مطبخ الحوزة وليس الدافع المادي، مشيراً الى عروض مغرية قدمت له ورفضها، وهو يشكر الله على القناعة.

ودعناه، متمنين له الموفقية في عمله والسلامة للجميع.


ارسل لصديق