باعوا علمهم للحكّام سابقاً ويبيعونه اليوم للعصابات التكفيرية
كتبه: أنور عزّالدين
حرر في: 2015/08/26
القراءات: 571

أخذ الله ميثاق النبيين الذين يمثلون ذروة البشر، وقمة الكمال البشري، بأن لا يكتموا حديثاً، ولا يخفوا الحقيقة، وان ينصروا الله - تعالى- و هذا الميثاق، هو ميثاق العلم والمعرفة مع العلماء جميعاً، فالعالم الذي يريد ان يكون مفيداً لمجتمعه وأمته، يجدر به، قبل ان يفكر بذاته وشخصيته، أن يفكر بنشر العلم والمعرفة بما يرضي الله – تعالى- وما أمر به من التصدّي للباطل والانحراف وانقاذ الناس من الجهل والضياع.

ربما هذا ما يقره جميع العلماء في بلادنا، بيد أن المشكلة تبدأ عندما يقدم البعض ببيع هذا الميثاق بثمن بخس لقاء أمور فانية لا قيمة لها، مثل الجاه والشهرة وحفنة من الدولارات، فالذين يمدون أيديهم الى الحكام ليستلموا المال والمنصب، إنما يسلبون في الوقت نفسه سلاح العلم والمعرفة والهدى من الناس، وأمثال هؤلاء في التاريخ كثير، فقد كانوا سبباً لكوارث وويلات حلّت بالأمم والشعوب، بدءاً بأولئك الذين ايّدوا فرعون في تفرعنه على شعب مصر وعلى الرسالة السماوية، ومروراً بشريح القاضي، الذي حلل قتل شخص مثل الامام الحسين، عليه السلام، وهو سبط النبي الأكرم، والقائمة تطول، في علماء وكهنة السلاطين، الذين باعوا الذمم، فزوروا وزيفوا، ثم باركوا سياسات الحكام في تسلّطهم على رقاب المسلمين، من منطلق «أولي الأمر»!

ان ابتعاد البعض ممن يسمون انفسهم بـ «العلماء» عن الميثاق الإلهي والمهمة الرسالية والحضارية، هو الذي يدفعهم الى ما آل اليه أمر علماء التكفير والتطرف في الوقت الحاضر، فالفتاوى التي صدرت بالتكفير والذبح والحرق ومختلف أشكال القتل الفظيع والوحشي، وحصدت أرواح المئات والآلاف من الابرياء في العراق وسوريا ولبنان والخليج واليمن وغيرها من البلاد الاسلامية، كانت حبيسة في صدور أدعياء العلم قبل عقود من الزمن، عندما كان الحكام العرب آمنين مطمئنين على كراسيهم، يسومون الشعوب سوء العذاب، ولا أحد يعارضهم ويفضح سوءاتهم، لا اقليمياً ولا دولياً، وعندما كان يأتي الحديث عن الجهاد ضد هؤلاء لانقاذ الشعوب المستضعفة من الطغيان والانحراف، استناداً الى الدعوات الصريحة من القرآن الكريم، كان يأتي الجواب؛ بأن آيات الجهاد في القرآن الكريم مقتصرة على عهد الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، قائلين ان هذه الفريضة، قد غابت عن الأمة مسمّين إياها «الفريضة الغائبة»! فكم كانوا يلوون ألسنتهم بالكتاب، ويحرفونه عن مواضعه، خدمة للحكام وخذلاناً بالشعوب التي يتحدثون باسمها اليوم!

إن الجريمة الكبرى التي تمخضت عن كل تلك الاسقاطات من لدن علماء السوء وكهنة السلاطين، هي فصل «الدين عن السياسة»، وهي - بالحقيقة- كانت الهدية العظيمة للحكام، التي أدامت حياتهم السياسية لسنوات طويلة. وها هم اليوم يتحدثون عن تطبيق أحكام الدين والتشبّه بدولة النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، وهم أبعد ما يكونون عن تلك التجربة الانسانية والحضارية العظيمة، وأقرب ما يكونون الى الاهداف التي يرسمها الغرب لتدمير الاسلام والمسلمين.

فالمشكلة التي سقط فيها هؤلاء الأدعياء أنهم ارادوا الاسلام لانفسهم ولمصالحهم الخاصة، وايضاً لمصالح دوائر مخابراتية ودولية مشبوهة. وإلا فان الاسلام، عقيدة وسلوكاً والتزاماً، يفترض ان يكون ثقافة عامة وكتاب هداية وطريقاً في حياة كل مسلم، بل ولكل العالم. ولنا تجربة ناجحة في ايران، عندما عمل مفكرون وعلماء مجاهدون – بما تعنيه كلمة الجهاد من معنى- من أمثال الشهيد المفكر الشيخ مرتضى المطهري وآخرين، على نشر الوعي والثقافة الاسلامية في الجامعات وبين شريحة الشباب، فصنع بفكره وقلمه، الخلفية الثورية والفكرية للشريحة الواعية التي أخذت على عاتقها القيام بالتغيير الكبير والتاريخي في ايران، وحولت الاسلام من أفكار ونظريات في الكتب وفي رؤوس العلماء، الى واقع عملي على الارض، وها هي ايران تتحدى كل اشكال الضغوطات العالمية وتثبت وجودها علمياً واقتصادياً وسياسياً.

ولابد من الاشارة الى حقيقة مهمة في هذا السياق، بان امثال الشهيد المطهري يكونون مستهدفين دائماً، فالرصاصات التي أردته شهيداً، هي نفس الرصاصات التي اغتالت الشهيد والمفكر الاسلامي السيد حسن الشيرازي في بيروت، وهي نفس الأيادي التي اعتقلت وعذبت المرجع الديني والمفكر الشهيد السيد محمد باقر الصدر، ثم أردته شهيداً محتسباً تحت التعذيب.


ارسل لصديق