كيف تكون الحرية طريقاً لانتخاب الأصلح؟
كتبه: أنور عزّالدين
حرر في: 2018/03/01
القراءات: 191

وعدتنا الديمقراطية بانتخاب النائب او الرئيس بمطلق الحرية، حيث يأتي المواطن ويدلي بصوته في صناديق الاقتراع دون خوف او تهديد من أحد، ليكون هو، مع بقية افراد المجتمع والامة، هم من يشكلون النظام السياسي وينتخبون الطبقة الحاكمة التي تتولى ادارة الدولة بملء ارادتهم.

بيد أن تجارب الشعوب تكشف عدم كفاية الحرية لوحدها، كمفهوم وتطبيق عملي في انتخاب الأصلح، فالشعب الالماني -مثلاً- انتخب الحزب الاشتراكي القومي بزعامة أدولف هتلر، وذلك في ثلاثينيات القرن الماضي، وسار خلفه طائعاً مجيباً لما يأمره حتى وإن كانت النتيجة إزهاق أرواح حوالي سبعين مليون انسان في الحرب العالمية الثانية، واستمرت هذه التجربة الى يومنا هذا عندما نرى أن شعوباً غربية تختار نواباً ورؤساء لها بعيداً عن الحسابات الاخلاقية والقيمية، انما تعبيراً عن ذواتهم ومصالحهم، كما حصل في بلدان اوربية صعد فيها نواب من الاحزاب المتطرفة والعنصرية الى البرلمان، وفي الولايات المتحدة شهدنا كيف أن الشعب الاميركي ينتخب شخصاً مثل دونالد ترامب.

وهذا يعني أن المشكلة ليست في حرية الانتخاب، وانما في المعايير، لذا دعا علماؤنا، وفي مقدمتهم سماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي، الذي كتب وافراً عن مسألة القيادة وطبيعة العلاقة مع المجتمع والامة، الى حل مشكلتين اساس امام التطبيق الصحيح لحرية الانتخاب، قبل التفكير بإنجاح العملية الديمقراطية؛ الاولى: نفسية، وتتعلق بالاخلاق والسلوك، فمن يريد انتخاب نائب للبرلمان، عليه أولاً التحقق من الارادة الصلبة، والاستقامة، والخلق الرفيع لهذا النائب او ذاك، ولا يعطي صوته لشخص مستعد لأن يبيع قيمه ومبادئه مقابل حفنة من الاموال والامتيازات.

أما المشكلة الثانية: فهي التخلف وسطحية الوعي والتضليل الذي يصاب به البعض، وحل هذه المشكلة يكون عبر طريقين يبينهما سماحة المرجع المدرسي في كتابه «القيادة السياسية في المجتمع الاسلامي»؛ الاول: بوضع حدٍ فاصل بين مفهومي؛ الاختيار، والانتخاب، فالاول يعني ان تختار ما تشاء من الطعام واللباس ووسيلة النقل والاتصال وغير ذلك، كما تشاء، بيد أن الوضع يختلف تماماً اذا كنت مصاباً بعلّة ما وأوصاك الطبيب بعدم تناول أطعمة معينة، فانك عندما تجلس على مائدة فيها مختلف اصناف الطعام، ستقوم، وبشكل تلقائي بانتخاب الطبق الذي لا يتعارض مع صحتك، ولا يزيدك آلاماً وسقماً.

وإذن؛ فان حرية الانتخاب، لا تعني اختيار الناس من يرونه موافقاً لمصالحهم، وانما يكون وفق معايير قيمية تضمن لهم الاستقرار والامان، ليس في حاضرهم، من خلال بعض الوعود المعسولة والهدايا الرخيصة، وانما على المدى البعيد ايضاً، وهو الأهم.

أما الطريق الثاني: فهو رفع مستوى الوعي والثقافة في المجتمع ليكون الناخب ذو بصيرة نافذة، يعرف من ينتخب؟ وماذا يريد من هذا المرشح اذا فاز في الانتخابات؟ وهذه مهمة يتقاسمها العلماء والخطباء والمثقفون بنشر الوعي في المجتمع، وايضاً؛ الجماهير نفسها، فهي ايضاً مطالبة بالإسهام في تحقيق الانتخاب الصحيح، لأنها - بالنتيجة - تمثل الجدار الاخير للطامحين للحكم والمناصب، ولها كلمة الفصل في العملية الانتخابية.

ومن أولى مهمام الجماهير، ما يشير اليها سماحة المرجع المدرسي؛ التزام الجماهير الحيطة والحذر إزاء وسائل الاعلام، وفي مقدمتها القنوات الفضائية، وايضاً؛ مواقع الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي التي تحولت اليوم الى «سوشيال ميديا»، أي الاعلام الجماهيري، بمعنى أن الجماهير، بصغيرها وكبيرها، بشباها وفتياتها، يساهمون في صنع الاخبار والتقارير وينشرون الصور والمقاطع والمعلومات، فيما يغضّ البعض طرفه عن مدى مصداقية هذه المعلومات والاخبار التي ينشرها في كروبات ومواقع وصفحات ذات انتشار واسع.

وطالما دعانا الاسلام الى حسن الاستماع واختيار الاكثر صدقية وأمانة، وقد جاءت آيات وروايات عدّة بهذا الخصوص، منها؛ حديث النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله: «من أصغى الى ناطق فقد عبده، فان كان الناطق عن الله فقد عبد الله، وإن كان الناطق عن ابليس فقد عبد ابليس».


ارسل لصديق