كيف يكون الكـون في خدمة الإنسان؟
كتبه: أنور عزّالدين
حرر في: 2017/09/06
القراءات: 95

الحالة المنهجية، تقتضي البحث عن فلسفة الخلق والإيجاد، قبل البحث عن فلسفة الإسلام والرسالات، ورغم وجود تداخل بين الأمرين؛ لأن فلسفة الإسلام هي الكاشفة والمعبرة عن فلسفة الخلق والإيجاد، إلا أن العقل الإنساني بذاته يؤمن بوجود حِكمة من الخلق، يراها واضحة وبيّنة، حتى لو لم يكن هناك مذكِّر ومنبِّه لتلك الحكمة.

والمتأمّل في حقيقة الخلق، وما أوجده الله في هذا الكون، يجده في حالة من الانسجام والتكامل والترابط في ما بينه، وهذه الحقيقة البديهية تكشف عن ضرورة وجود محور يمثل غاية لهذا الانسجام والتكامل الكوني، وما يصطلح عليه القرآن الكريم من تسخير الكون للإنسان، هو تعبير دقيق عن محورية الإنسان لهذا الكون.

وتسخير الوجود، أو محورية الإنسان للكون، تعني أن فلسفة الخلق تتحقق بوجود الإنسان، فلا يكون لهذا الكون معنىً بدون إنسان، فهو الموجود الوحيد الذي يعي وجوده، كما أنه يجد معنىً لوجود بقية الأشياء، فالفهم أو الوعي الذي يحققه الإنسان العاقل، هو ذاته الفهم والوعي الذي يعي حقائق الوجود، ويجعل من وجودها محوراً لذاته؛ فمجرد الحديث عن حِكمة الوجود، هو حديث عن الإنسان، لأنه الموجود الوحيد الذي يجد للحكمة معنىً ويجد لوجوده حكمة.

فالشمس والقمر وبقية النجوم والكواكب، والأرض والهوى والماء؛ كلها وُجدت وسُخّرت للإنسان، ما يجعل وجوده بذاته يمثل حكمة وغاية لبقية الموجودات.

لنضرب بعض الأمثلة لتوضيح ما هو واضح.

1- لو كانت الكرة الأرضية أصغر حجماً مما عليه، لضعفت جاذبيتها، ولقلَّ الهواء في الفضاء، ولتبخر كل ما عليها من الماء، ومن ثمّ لاستحالت فيها حياة الإنسان.

2- وفي المقابل لو كانت أكبر حجماً مما هي عليه، لازدادت الجاذبية، ولتعثرت الحركة واستحالت معها الحياة.

3- لو دارت الأرض حول نفسها بسرعة أقل كالقمر مثلاً، لأصبح النهار 14 يوماً و336 ساعة، وأصبح النهار حَرّاً لا يطاق، والليل برداً لا يطاق.

4- لو أن الأرض اقتربت من الشمس مثل الزهرة، لأهلكتنا بالحرارة، ولو أنها ابتعدت مثل زُحل لقتلنا البرد.

5- لو كانت قشرة الأرض أكثر سماكة لامتصت الأوكسجين، ولما وجد الإنسان ما يسدُّ حاجته إلى التنفس.

6- لو كانت البحار أعمق مما هي عليه، لامتصت المياه الزائدة كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، ولما وجدت النباتات كفايتها للحياة، وهلاك النبات هلاكٌ للإنسان.

7- لو كان الغلاف الجوي أقل كثافة، لأحرقتنا النيازك والشهب، المتساقطة بمعدل أكثر من 150 ألف شهاب ونيزك، في اليوم الواحد.

8- لو زادت نسبة الأكسجين في الجو، لازدادت قابلية الاحتراق في الأشياء، بحيث تتحول الحرائق البسيطة إلى انفجارات هائلة، ولو قلت نسبة الأكسجين فيه، لاستحال نشاطنا إلى خمول، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً، (سورة الفرقان:2).

والشواهد لا حصر لها لتسخير الكون للإنسان، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً}، (سورة لقمان: 20).

وتسخير الكون هو عنوان آخر لحقيقة التكامل عند الإنسان؛ فلو لم يكن مسخَّراً لكان معوِّقاً لحركة الإنسان وتقدمه، إذ كيف يتكامل وكل شيء ممتنع أمامه؟ وبهذا نقترب من فلسفة الخلق الذي وجد لكي يفسح الطريق لانطلاقة الإنسان وتكامله بحيث لا يكون لتكامله حد محدود.

وهذه الحقيقة هي الدافع لحركة الإنسان وتقدمه، فالإنسان بما هو إنسان، وبعيداً عن كل اعتبار، نجده ومنذ أن خطت قدماه في هذا الوجود وهو في حالة من الكدح الدائم لتطوير نفسه وقدراته، وبناء حضارته، مستفيداً مما جُعل تحت تصرفه، وما تشهده البشرية من تقدم في شتى العلوم والمعارف، لخير دليل على إمكانية تكامل الإنسان وتطوره.

فالجمود والاستسلام والانطواء، مفاهيم تمثل الرؤية المعاكسة لفلسفة الخلق والوجود، ووقوف الإنسان ساكناً أمام ما هو متاح له من إمكانات، يمثل انحرافاً في طبيعة الإنسان الطامحة لكل كمال.

وبناءً على هذه الحقيقة الواضحة، فإنه لا يمكننا أن نجد تصوراً لفلسفة الرسالة بعيداً عن واقع الإنسان الذي جُعل محوراً وهدفاً للخلق، وإلا يكون الخطاب - حينئذ - أجنبياً عن طبيعة الإنسان وفطرته.

فلو تصورنا أن الإسلام جاء ليمنع الإنسان من التقدم والتكامل، أو أنه - على أقل تقدير - لا يحفز الإنسان ويشجعه، ولا يشرع له التشريعات التي تفتح الطريق أمام مسيرته، حينئذ لا يكون الدين مجرد دعوة لتخلف الإنسان فقط، وإنما دعوة لموته والقضاء عليه، لأن الحياة لا تعني أقل من القدرة على الاستمرار في المسير.

ومن هنا، جاز لنا أن نلخّص حِكمة الرسالة الإسلامية بقوله عزّ وجلّ:

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ}، (سورة الأنفال:24)، ففلسفة الرسالة هي الدعوة لحياة الإنسان، أي الدعوة التي تفتح الطريق أمام مسيرة الإنسان وتكامله.

كما أن الرسالات السماوية، هي التي تخلق حالة التوازن في مسيرة الإنسان التكاملية.

حيث تجعل لتكامل الإنسان هدفاً ومحوراً يدور هو الآخر حوله.

فإذا كان الكون قد خلق من أجل الإنسان، فلا بد أن يكون للإنسان هدفٌ خُلق من أجله.

وذاك هو السبيل الذي يضبط غرور الإنسان وتكبره، عندما يجد كل شيء متاحاً له.


ارسل لصديق