الأربعين ورسالة السلام
كتبه: أنور عزّالدين
حرر في: 2017/10/23
القراءات: 25

فيما زائرو الامام الحسين، عليه السلام، ينطلقون هذه الأيام في مسيرة المشي نحو كربلاء المقدسة لأداء زيارة الأربعين، نتوجه للتمعّن في الحديث النبوي في حق الامام الحسين: «إن الحسين مصباحُ هدىً وسفينة نجاة».

الإطلاق في كون الإمام، عليه السلام، مصباح هدىً وسفينة نجاة، يثير تساؤلاً عن المستفيد من الهدى والنجاة؟ أ نحن اتباع أهل البيت (الشيعة)؟ أم المسلمون أجمعهم؟ أم العالم بأسره؟

عندما تتجسد طموحات الإنسانية جمعاء في النهضة الحسينية، وعندما يجد كل مظلوم وطالب حق في العالم، نفسه الى جانب الحسين، عليه السلام، أمام الظلم والطغيان والانحراف، فانه بالقطع؛ تكون أبواب النجاة مفتوحة للجميع، كما هي فرص الهداية والرشاد، وبما أن العالم اليوم يشكو أزمة الأمن والسلم في جميع نواحي الحياة، بسبب نزعة التسلّط التي تقود عقول قادة الدول الكبرى، فلا غرو من القول: أن سكان العالم اليوم بإمكانهم جميعاً الدخول في هذه السفينة للنجاة مما هم عليه، والاستفادة من هذه الفرصة، وهذا تحديداً يفسّر لنا سبب الاحترام والإكبار الذي تحظى به مراسيم إحياء النهضة الحسينية في كل مكان بالعالم، فالناس في الهند - مثلاً- او في الصين أو في البلاد الغربية، يرون في هذه المراسيم نبذاً شديداً للكراهية والقسوة والظلم، وإحياءً لقيم السلام والمحبة.

هذا الإبداع في فكر النهضة الحسينية، هو الذي مكّن سكان العالم من التمييز بين الإسلام الحقيقي الذي ضحى من أجله الامام الحسين في كربلاء، وبين الإسلام المزيف الذي تسعى جماعات مشبوهة لنشره وترويجه بالنار والدماء، كما انه يتفهّم مغزى الشعائر الحسينية، وأنها أعمال وفعاليات لها غايات تربوية ومقاصد إيمانية، ولا تتجه سلباً ضد الآخر. ومن هذه الشعائر، السير على الأقدام لمسافات طويلة نحو مرقد الامام الحسين، عليه السلام. وهي الفعالية المميزة من حيث المشاركة الجماهيرية المليونية، حيث تشهد الطرق الرئيسية المؤدية الى كربلاء المقدسة، كل عام توافد أعداد غفيرة، وهي بازدياد عاماً بعد آخر.

واذا كان مفهوم السلم والأمن يندرج في مضامين الشعائر الحسينية، فانه يتجسد اكثر في هذا الزحف المليوني أيام زيارة الأربعين، حيث يكون المشهد أشبه الى حد كبير - بل وأكثر- باجتماع الحجيج حول بيت الله الحرام، وهم من مختلف القوميات والأعراق والألوان، جنباً الى جنب لأداء فريضة إلهية واحدة في أمان تام وفّره لهم ربهم، فحتى الحشرات آمنة في أيام مناسك الحج، فضلاً عن الانسان. أما في هذه الشعيرة الحسينية - كما في الشعائر الأخرى- فان الامام الحسين، عليه السلام، كتب رسالة الأمن والسلام بدمه ودموعه للعالم، فهو بكى على أعدائه لأنهم سيدخلون النار بسببه، لذا أكثر من النصح والإبلاغ علّهم يتذكرون، كما وقف أمام النبال ولم يبدأ أعداءه بقتال، ففضّل ان تصيبه، وأصحابه واهل بيته، النبال كالمطر، ويصاب بجراح، ولا يكون هو البادئ بالقتال والحرب.

هذه الرسالة حملها المشاة، ليس اليوم، إنما منذ سنوات بعيدة، حيث بدأت الفكرة، وحافظت عليها الأجيال، رغم وجود التنوع والاختلاف المستمر بين بني البشر. وهذا ما نلاحظه اليوم ايضاً، بل هو في ازدياد، مع ازدياد النمو السكاني، وتوسع الطرق، والتطور الحاصل في مستوى الفكر والثقافة.

ولمن يتابع تاريخ هذه الشعيرة العظيمة، يجد أنها شهدت الذروة في مجدها يوم تمثلت السلام والنجاة أمام الاضطهاد والظلم، فكانت قبساً من ذلك المصباح الهادي (الحسيني) فمزقت حجب الظلام في العراق، وكانت سبباً في الإطاحة بنظام حكم طالما حسب نفسه المتكامل والدائم، فيما بقيت هي الى اليوم.

وهذا درسٌ بليغ لنا، بأن نعرف أن المشي سيراً على الأقدام، يحمل معه كل من يقتبس من ذلك المصباح ويحجز له مقعداً في سفينة النجاة، أما من يحتفظ لنفسه بنوايا ومقاصد خاصة، ويحاول الاستفادة من التنوع الموجود في هذه المسيرة لتحقيق ما يريد بعيداً عن رسالة الامام الحسين، عليه السلام، فانه يسقط كما يسقط ورق الخريف بفعل زخّات المطر.


ارسل لصديق