«الغدير» والوصول الى علي، عليه السلام
كتبه: أنور عزّالدين
حرر في: 2015/09/28
القراءات: 531

ربما يقرأ البعض «الغدير» على أنه حادثة تاريخية، يؤخذ منها؛ العبرة والتجربة ليس إلا. في حين لو قرأنا «الغدير» كقضية رسالية مقدسة ومشروع حضاري يستمد عنوانه من الهدف الحقيقي لخلق هذه الواقعة، وربما تفتخر منطقة «غدير خم» بين مكة والمدينة، على بقاع الأرض، بأنها شهدت على ترابها واقعة كادت أن تكون منعطفاً تاريخياً في حياة البشرية، لولا عوامل الانحراف والتشويه التي ضيعت هذه الفرصة.

من هنا كان لابد من تسليط الضوء على «الغدير» كمنهج في مقابل المنهج الآخر الذي وقف بالضد - ومايزال- لنعرف أولاً: قيمة المنهج الذي نتبعه ودوره في الحياة، ثم نعرف حقيقة المنهج المقابل وامتداداته عبر الاجيال.

هنالك قاعدة معروفة تقول: «تعرف الأشياء بأضدادها»، فنحن ما عرفنا قيمة النور إلا بعد أن عرفنا حقيقة الظلام وآثارها في الحياة. عندما نريد أن نقيّم فرداً أو نقيّم منهجاً بشكل دقيق، يجب أن يتم ذلك ضمن الظرف التاريخي الذي وُجد فيه هذا الفرد وهذا المنهج، لا أن نلاحظ المنهج بشكل تجريدي، وإلا وقعنا في إشكالية التطبيق، وتنتفي فكرة الاقتداء، وهذا ما يعاني منه الكثير في الوقت الحاضر، بأنه «من المستحيل أن نكون مثل الامام علي، عليه السلام»!

لقد كان الامام علي، عليه السلام، حاكماً لدولة، كما هو حال الحكام في زماننا الحاضر، مع عدم وجود اختلاف في الظروف السياسية والاجتماعية، كما يتصور البعض، سوى الاختلاف في ظاهر الحياة التي كان عليها الانسان آنذاك. فقد كانت الظروف الامنية، غاية في الحساسية والخطورة على الإمام، فقد كان يعيش وسط الحروب والمعارك والفتن السياسية والعقائدية، فكانت المكائد من الشام والتكفير من أدعياء الدين، والباحثين عن السلطة بين المقربين منه. مع ذلك فقد كان يعفو عمن يكفّره ويشتمه، وحتى من يحاربه مثل «الخوارج» و»اصحاب الجمل»، حيث كان يعدهم مسلمين مرقوا عن الدين، لذا لم يحلل أخذ الغنائم منهم.

وهذا يمهد الطريق أمامنا للنظر في المنهج الصحيح الذي يقدمه لنا «الغدير» في شخص الامام علي بن أبي طالب، عليه السلام، فهو لم يتول الحكم بعد رسول الله، صلى الله عليه وآله، كما يجب، إلا انه واصل المنهج الرسالي - النبوي في اوساط الأمة حتى يعرف الجميع قيمة النور، كما يعرف معنى الظلام.

وللمثال على المنهج الظلامي الذي واجه الأمة آنذاك، ننقل رواية تاريخية باختصار؛ بأن رجلاً جاء الى «الثاني» وسأله قائلاً: أخبرني عن ﴿الذاريات ذروا، فما معنى الذاريات؟ قال: إنها الريح تذرو، ثم قال الرجل:  أخبرني عن الحاملات وقرا، ﴿والحاملات وقرا، فقال: السحاب، ثم قال: أخبرني عن الجاريات يسرا {والجاريات يسرا}، فقال: السفن تمشي بسهولة فوق المياه. وبعد أن انتهى الرجل من اسألته، أمر به ذلك الحاكم فضُرب مئة ضربة، حتى شجّه و أدمى رأسه وجعل الدم يسيل على وجهه! ثم حبسه في بيت، -أي حجرة- حتى برأ، وربما دامت فترة بقائه في الحبس شهراً أو اكثر، ثم بعد ذلك دُعي اليه فضربه مئة أخرى! ثم تركه حتى برأ في ذلك البيت أو السجن، ثم دعاه ثالثةً فضربه مئة ثالثة! كل ذلك لانه سأله ذلك السؤال! ثم أبعده إلى مصر!

أما منهج النور فإن التاريخ ينقله لنا ايضاً، عندما كان الإمام، عليه السلام، على المنبر، ويفتي الناس، فانبهر أحد الخوارج من فقاهة الإمام فقال: «قاتله الله من كافرٍ ما أفقهه»! فوثب إليه الأصحاب ليؤدبوه، فقال: «دعوه؛ إنما هو سبٌ بسب أو عفوٌ عن ذنب وأنا أولى بالعفو». وفي حادثة أخرى، بينما كان، عليه السلام، يصلي ومعه جموع المسلمين في المسجد، واذا بـ «ابن الكوّا» خلفه يرفع صوته ويقرأ الآية: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لأن أشركتَ ليحبطنَّ عملُكْ}. فسكت أمير المؤمنين إجلالاً للقرآن الكريم، بينما كان يتلقى تهمة الشرك، وهو القائد الأعلى في الدولة.

من هنا؛ فإن الامام علياً، عليه السلام، عندما يتصرف ويتعامل مع القضايا والامور في زمانه، إنما كان يجسّد منهجاً ويمثل منظومة قيمية متكاملة مستمدّة من الكتاب والسنّة وأحكام السماء التي جاءت لسعادة البشرية، ولذا نجد أنه فرض نفسه على الظروف السائدة آنذاك وقهر كل ما يقال عنه «غير ممكن»، فهل نحن فاعلون...؟!


ارسل لصديق