في ظل التزاحم الفكري مع السياسي ..
الحوزة العلمية والمرجعية؛ طموحات الجماهير واستحقاقات القيادة
كتبه: الشيخ عبد الحسن الفراتي
حرر في: 2016/01/05
القراءات: 628

عندما ندرس حركة المرجعية الدينية و الحوزات العلمية في الواقع الاجتماعي و أثرها في تغيير وبناء هذا الواقع، فإن علينا أن نفهم المنطق الأساس لتلك الحركة من خلال الرؤية الاجتماعية في خط أهل البيت، عليهم السلام، والذي انطلق من فكرة أن الساحة لا تخلو من حضور الإمام، وأن الله - سبحانه- لا يترك الأرض خالية من الحجة، سواء أ كانت الحجة أولية، فيما تعطيه النبوة أو الإمامة من أصالتها، أو كانت حجة ثانوية فيما تتحرك فيه الإمامة لتمنح للعلماء امتدادات مسيرتها، من خلال امتدادات كل المفاهيم التي تتحرك في الحياة، سواء في المضمون الفكري الذي يغني الذهن بالإسلام، عقيدةً، وفقهاً، ومنهجاً، وقاعدةً للحياة، أو في المضمون الحركي الذي يدور في الفلك الاجتماعي، أو على الأقل حين يكون الأفق الاجتماعي محوراً رئيسياً من محاوره.

ولعل المنطق لتلك الحركة المرجعية ما جاء في التوقيع المبارك للإمام المنتظر، عجل الله فرجه: «أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم»، من هنا نهض العلماء بهذا العبء الثقيل الذي حفظ الشريعة، وأنار الدرب للأجيال والشعوب على مرِّ العصور بعد الغيبة الكبرى.

 

 الفقه يعني بالنظام العام

إن في الفقه الإسلامي ما يؤسس لتلك الحركة الاجتماعية للمرجعية الدينية إضافةً إلى ما تقدم، وهو انه بعض المفردات الفقهية يمكن أن تمنح الفقيه حركية الواقع بحيث يستطيع أن يوجه الناس إلى أن يدخلوا في صميم الواقع، حتّى لو كان العنوان الكبير للواقع لا يملك الشرعية.

فمثلا، أن هناك عنوان «حفظ النظام» ومسألة حفظ النظام العام الذي تحفظ به أموال الناس ودماؤهم وأعراضهم وكل مسيرة حياتهم الكريمة، فهذا من الواجبات الكفائية على الناس جميعاً، إذ لا يجوز لأيّ إنسانٍ سواء كان شرعياً أم غير شرعياً أن يُسيء إلى النظام والى حقوق الناس، كون ذلك لا ينسجم مع أهداف ومقاصد الشريعة، حيث أن الله لا يريد الفوضى لعباده. ومن هنا نجد الفقهاء متفقين - مع بعض الاختلافات الاجتهادية - على أنه اذا توقف حفظ النظام على إدارة الواقع من قبل حاكم أو سلطة ودار الأمر بين الفقيه و غير الفقيه، فإن الفقيه يكون هو المتعيَّن، فيكون ولياً لا من خلال موقع الفقاهة يفرض ولايته، بل من خلال توقف حفظ النظام على أن يكون هناك قائد.

إذن؛ عندما يدور الأمر بين الفقيه وغيره، فإن قيادة الفقيه هي التي تفرض نفسها على ذلك الأساس، ومن هنا نجد الدور الفعال للمرجعية في قيادة المجتمع بصورة مباشرة أو غير مباشرة للحفاظ على مصالح المستضعفين في فترات حكم أنظمة الجور، حتى زرعوا أرض التأريخ بقوافل الشهداء والسعي بالمجتمع نحو مراتب الكمال التي رسمتها النظم الاسلامية ولاسيما النظام الاجتماعي منها .

فلم يعش العلماء بمنأى عن المجتمع تبعاً لمسؤولياتهم الشرعية، فأصبحوا في خضم الأحداث، لاسيما الاجتماعية منها، فوقفوا بوجه الحركات الهدامة والدخيلة مثلما تصدى أئمتنا عليهم السلام من قبل لمثل هذه الأخطار التي تتجدد بتجدد الأعداء للملة والدين، التي انتهت بسلسلة الاستعمار الحديث للأمة في القرون الماضية، وما جرى للعالم الإسلامي بعد الحرب العالمية الثانية، وما استتبعها من الحركات التبشيرية والغزو الثقافي بوجوهه المتعددة، فأمام هذا كلّه، وقفت المرجعية الدينية طوداً صامداً تكسَّرت عليه أمواج الغواية والتضليل والهيمنة الاستعمارية التي نادرا ما خرجت منه الأمم الأخرى سالمة، بل على العكس من ذلك استطاعت إعادة بناء الأمة بعد التشرذم والخواء الفكري والتردي الاجتماعي، فأسست حركات وتيارات ثقافية واجتماعية وسياسية، ورسمت معالم وشكل الدولة الإسلامية المدنية والمعاصرة ونجحت في إرساء قواعدها على أرض الواقع.

ولذا لم يقتصر الدور العلمائي على الفقه والعلوم الدينية فقط، بقدر ما كان دورا شاملاً لكل نواحي الحياة، والدليل على ذلك ما نجده في التقسيم الواضح في الرسائل العملية من «عبادات» و «معاملات» وأيضا «الولايات»(1) في معالجة الأمور الدينية والدنيوية لديمومة بناء المجتمع الإيماني.

 

 حضور متميّز في الساحات كافة

إن الحوزة العلمية مؤسسة رئيسية من مؤسسات الأمة، عندما شاء الله - تعالى- أن يكون نصيب الرسالة المحمدية التي هي فاتحة الرسالات الإلهية قيام دولة، والكيان السياسي بكل امتداداته، والتي يُعد البعد الاجتماعي واحداً من أبرزها لارتباطه ببناء اللّحمة الأساسية للمجتمع الإسلامي. كما انها تشكل جزءاً مهماً من أجزاء الرسالة الخاتمة، وكانت المشروع لأهل البيت، عليهم السلام، الذين كانوا يحققون من خلاله أهدافهم ويمارسون نشاطهم العام في المجتمع الإسلامي.

كما استطاعت الحوزة بعلمائها المجتهدين أن تصمد عبر العصور أمام المحن والابتلاءات وعمليات الإبادة والمطاردة التي واجهتها في التاريخ، فقدمت الشهيد تلو الشهيد في سلسلة ذهبية، وأيضاً لم ينحصر رجالها في المساجد والحسينيات والتكايا أو أبراج عاجية كما أراد لها أعداء الأمة، بل تعددت الأدوار والمساحات التي خاضها المجتهدون ولم يتركوا مساحة دونما أثر اصلاحي، إضافةً إلى دورهم في حفظ الشريعة ومعالم الدين الحنيف، فكانوا المحرك الفعّال للأمة الذي يحسب له ألف حساب.

وإذا أردنا أن نشير إلى أهم ما يميّز المرجعية الدينية والحوزات العلمية، فيحق لنا أن نذكر بعضاً منها:

أولاً: العالمية في الحوزة العلمية، والتي نقصد بها عالمية المحور الحركي للحوزة وعلمائها على الصٌّعد كافة، كونها تنبع من رسالة عالمية جاء بها النبي المصطفى، صلى الله عليه وآله، للعالم أجمع.

ثانياً: الحالة التطوعية للحوزة، فهي تطوعية في كل شيء، فالانتماء لها والارتباط بها ليس مجرد ارتباط بمهنة أو حرفة، بل انها روح رسالية وثابة لتغيير وبناء المجتمع.

ثالثاً: الاجتهاد المنضبط، مما يعني إبقاء الحركة العلمية نشيطة ومنفتحة، قادرة على مواجهة كل المشكلات والحوادث التي تعيشها الأمة، ضمن الضوابط والاصول الموضوعية لهذه الحركة.

ومن القضايا التي جعلت هذه المؤسسة قادرة على التكيّف ومواجهة التحديات الصعبة، هو المحافظة على روح النمو والتطور وعدم الجمود أو الوقوع في حالة الانفلات والخروج عن الحالة المنضبطة.

رابعاً: التقوى والأخلاق، وهي من أهم المميزات في حوزاتنا العلمية أكد عليها الإسلام، فلابد أن يتمتع المجتهد بالروحية التي كان يجسّدها رسول الله، صلى الله عليه وآله، والأئمة الأطهار، عليهم السلام، ليكونوا قدوة كما كما كان رسول الله، وليكونوا قادرين على التأثير في مسيرة الأمة.

خامساً: استقلالية الحوزة، وهي أحد العناصر المهمة، وهذه قضية مهمة جداً في مسيرة الحوزة وعلمائها، فقد أريد لها أن تُعبِّر عن الإرادة الإلهية، وأن لا تخضع لأي إرادة أُخرى، وأن يكون لها هذا الدور من قِبل المولى تعالى: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً} (سورة الأحزاب/ الآية،39). فاحتفظ العلماء بالاستقلالية في قرارهم على مرّ العصور ولم يتأثروا بالوعد أو الوعيد الصادرين عن الأمراء و السلاطين ممّا جعل لهم صورة مشرقة ومشرّفة إلى يومنا هذا، فأصبح لهم وقع في النفوس والعقول، وايضاً التأثير في قيادة الأمة.

سادساً: الاهتمام بالقضية السياسية، باعتبار أن السياسة جزء رئيسي من قضايا الأمة، واعتبار الحركة السياسية حركة ربانية يُراد منها إبلاغ الرسالات الإلهية، وهي أفضل عمل عند الله يمكن أن يقوم به الإنسان عندما يكون ضمن الضوابط والالتزامات الشرعية التي وضعها الله سبحانه وتعالى .

سابعاً: اهتمام الحوزة بالقضية الاجتماعية.

فالحوزات العلمية بعلمائها أُريد أن يكون لها دور في حركة الأمة وبنائها الاجتماعي، فالإنسان عنصر مهم ورئيسي في الرسالة الإسلامية، ولعل المنطق في هذه الميزة هي؛ أن الطالب المجتهد عند انتمائه مكبٌّ على الكتاب ليلاً ونهاراً، وأن يكون زاهداً ومتذللاً، لكن لابد أن يفهم بأن هذا الانتماء هو انتماء إلى الرسالة وليس انتماء إلى الذات، فمن يريد أن يحقق ذاته ببعض الأمور، يفقد هدفه وغايته ودوره، ومن ثم يفقد نفسه، ولذا دلّت الروايات على أن طالب العلم أفضل من العابد، لأن طالب العلم يُرِدْ منه نشر العلم والعمل به، فإذا فقد هذه الغاية، فقد هذا الانتماء. (2)

 

 ضمان لصوت الانسان والأمة

ولا يخفى على أحد، دور الإسلام في بناء المشروع الحضاري للمجتمع الإنساني، والذي أصبحت المرجعية الدينية والحوزة العلمية إحدى مراحل استكمال هذا البناء الذي تهيأ وانطلق من ضرورة قيادة العلماء للأمة بعد الغيبة للإمام، عجل الله فرجه، إذ أصبح من السهل أن نتصور حيوية الإسلام ونظمه وحركية علماء الأمة في عملية صنع الحضارة الانسانية بكل أبعادها، والتي كان البعد الاجتماعي واحداً منها.

وحقاً؛ إنه لمن العجب، أن يتجرأ أعداء الرسالات الإلهية والأنبياء، عليهم السلام، من شُذّاذ الآفاق، ومن لا تصوّرَ لهم لعالم الآخرة والغيب، بل ولا يهمهم سعادة الانسان وكماله، أن يقدموا رؤى ومشاريع على صعيد القيادة والحضارة والمدنيَّة المدَّعاة، وادارة الدولة بكل تفاصيلها ومرافقها، للعالم والبشرية الطامحة للتحرر والخلاص من ثقافة الاستكبار وهيمنته، فيما تحجم حوزاتنا العلمية، أو تتردد في تقديم رؤى وبصائر ومشاريع لقيادة الانسان ذي الفطرة السليمة، والتواقة للحرية والقيم الانسانية.

ولا نبالغ اذا ما قلنا؛ إن المرجعية الدينية هي الضامن لصوت الانسان والأمة من العثرات والكبوات والانحرافات، وهي المؤهلة للانفتاح على معطيات التجربة الإنسانية وتهذيبها وتشذيبها، والإسهام في التفاعل الحضاري للأمم والشعوب، والذي بات اليوم يمثل هاجساً مما يُعرف بالعولمة التي يقودها الاستكبار العالمي.

فلولا الدور الريادي للمرجعية في ادارة دفّة المجتمع الإسلامي وسط هذا السيل العارم من الانحرافات والابتذال المعرفي، لغدت الأمة واحدة من الامم التي جرفها السيل، فتغدو بعيدة عن دينها وثقافتها ولغتها كما هو الحال في الكثير من الشعوب، حتى في الإطار الإسلامي عند إخواننا أصحاب مدرسة الخلفاء، وكما حصل للشعب التركي حين فقد هويته الإسلامية و انسلخ منها بسبب غياب المرجعية في البنية الاجتماعية، في الوقت الذي حاول فيه المستعمرون تطبيق مثل هذا الأمر على الشعب الايراني المسلم إبان حكم «رضا شاه» وابنه، إلا أن الوجود المبارك للمرجعية وقف حائلاً دون ذلك، ليجعل من وجود المجتمع الإسلامي، رائداً في بناء الحضارة الانسانية على الصٌّعُد كافة.

-----------

1- في إشارة إلى الرسالة العملية للسيد المدرسي التي حوت جزءاً ثالثاً تحت عنوان «الولايات».

2- موسوعة الحوزة العلمية والمرجعية، السيد الشهيد محمد باقر الحكيم - النجف الأشرف- 2005م.


ارسل لصديق