الإمام علي، عليه السلام، في الأنبار لمواجهة الارهاب الأموي
كتبه: الشيخ عبد الحسن الفراتي
حرر في: 2015/07/14
القراءات: 1579

إن من يطّلع على مصادر التشريع الاسلامي من الكتاب والسنّة، يجد فيهما تركيزاً كبيراً واهتماماً بالغاً بموضوع الجهاد.

ففي القرآن الكريم ما يقارب (40) آية تحدثت عن الجهاد بلفظ الجهاد ومشتقاته، كقوله تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم} (سورة التوبة، الآية:73)، وقوله: {انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وانفسكم في سبيل الله} (سورة التوبة، الآية:41).

وهناك اكثر من (100) آية تتحدث عن الجهاد بلفظ القتال ومشتقاته، كقوله تعالى: ﴿فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا إيمان لهم (سورة التوبة، الآية:12)، وقوله عزوجل: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} (سورة الانفال، الآية:39)، وقوله سبحانه: {ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون}. (سورة التوبة، الآية:169)

إضافة الى مجموعة من الآيات التي تتحدث عن الجهاد بلفظ الغزو والحرب والشهادة ومشتقاتها، بينما لا نجد في القرآن الحكيم عن الحج إلا (8) آيات فقط، وعن الخمس آية واحدة، وعن الصوم (10) آيات تقريباً. وحينما نرجع الى السنّة المطهرة نجد مئات الاحاديث والنصوص تركز على موضوع الجهاد وتقرر بصراحة؛ أن الجهاد أهم وأفضل من جميع الاعمال والعبادات الاخرى.

فعن الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، «فوق كل ذي برٍّ بر حتى يقتل في سبيل الله فاذا قتل في سبيل الله فليس فوقه بر». (1)

ويقول الامام محمد الباقر، عليه السلام: «الجهاد الذي فضله الله - عزوجل- على الاعمال وفضل عامله على العمّال تفضلاً في الدرجات والمغفرة».(2) وفي مصدر واحد فقط من مصادر الحديث هو كتاب «وسائل الشيعة الى تحصيل مسائل الشريعة»، نجد (1223) حديثاً عن الجهاد وفضله وأحكامه وما يتلعق به.

واذا ما قمنا بجولة عابرة في ربوع «نهج البلاغة» سنرى ان الامام علياً، عليه السلام، يعطي للجهاد مكانة خاصة، ويرفعه الى أعلى مستوى من الاهمية والتقدير، ويمنحه أعظم الصفات، حيث يقول، عليه السلام: «الجهاد عزّ الاسلام».(3) ويقول ايضاً: «الله.. الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله». (4)

وكان الجهاد عند المسلمين الاوائل، يُعد جزءاً لا يتجزأ من حياتهم العملية، فكانوا يرون فيه طريقاً سريعاً ومختصراً الى الجنة، فينتظر كل واحد منهم فرصته الغالية في الجهاد في سبيل الله ويتسابقون اليه ويستبشرون به.

ومن هؤلاء؛ حنظلة بن أبي عامر، وقد أنفق شبابه في العمل والكدح، حتى جمع له من المال ليتزوج به، وفي أول ليلة من زواجه، سمع منادي الجهاد عند الفجر فاستطلع الامر، فوجد المسلمين يحثّون السير ويركضون ملبين داعي الجهاد، فما كان منه إلا ان يترك زوجته ويسرع للخروج قبل ان يغتسل، فحاولت زوجته منعه، فأبى إلا ان يلتحق بجيش المسلمين، فخاض المعركة واستشهد في صبيحة عرسه.

وبعد انتهاء المعركة، أشار رسول الله، صلى الله عليه وآله: «ان صاحبكم - يعني حنظلة- لتغسله الملائكة»، فسألوا أهله، فقالت: خرج وهــــو جُنب بعد أن سمع الهاتف.(5)

وهذا عمرو بن الجموح، وقد قطعت السنين شوطاً كبيراً من عمره وأصيب في إحدى الغزوات في رجله فبترت إحداهما، ولكنه رغم ذلك، حينما سمع منادي الجهاد ورأى أولاده الاربعة يتجهزون للخروج لم تسمح له نفسه بالتخلف رغم معارضة أولاده وزوجته، فخرج مهرولاً يقول: «أريد ان أطأ بعرجتي الجنة».

فاراد أهله وبنوه حبسه، وقالوا له: إن الله - عزوجل- قد عذرك، ولم يقتنع بمقالتهم، وأتى رسول الله، صلى الله عليه وآله، وقال: إن بنيّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك، فو الله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة. فقال، صلى الله عليه وآله: أما أنت فقد عذرك الله، ولاجهاد عليك، ثم قال لبنيه وقومه: «لا عليكم أن لا تمنعوه لعلّ الله يرزقه الشهادة» فخلّوا عنه، وخرج وهو يقول: اللهم أرزقني الشهادة ولا تردّني الى أهلي...»، وكان موقف هذا المجاهد مع عوقه، من أروع وأعظم مشاهد البطولة والتفاني في معركة «أحد»، فقد كان يحمل على الاعداء وهو يقول: «أنا والله مشتاق الى الجنة، وابنه يعدو في أثره حتى قتلا.(6)

وفي هذا السياق الجهادي تلمع أمام ناظرينا إحدى روائع خطب الجهاد للإمام أمير المؤمنين، عليه السلام، إثر واقعة كبرى هزّت الامة الاسلامية في حينها، وآلمت الامام كثيراً،وهي غزوة الانبار، وبدفع وحثّ من رأس التآمر وزعيم حزب الفكر الجاهلي - الأموي، معاوية بن أبي سفيان، وتكتسب هذه الواقعة اهمية بالغة بالنسبة لنا في الوقت الحاضر، لما لها من اسقاطات على الواقع الذي نعيشه اليوم، ونحن نواجه الهجمة التكفيرية الشرسة على الأمة بشكل عام، وعلى أرض المقدسات في العراق بشكل خاص، وكأن القوم هم أولئك القوم أنفسهم، فكراً ومنهجاً وسلوكاً، الى جانب الموقع الجغرافي.

فما حصل في الانبار قبل نحو أربعة عشر قرناً من الزمن، هو أن غارة من جهة معسكر معاوية استهدفت الانبار في العراق، وكانت تحت راية «بني غامد». هذه الغارة «الارهابية»، تشرحها لنا الخطبة السابعة والعشرون من نهج البلاغة، والتي تُعد من روائع خُطب الامام علي، عليه السلام، لما تحمل من طابع سياسي واجتماعي وعقائدي، فضلاً عن البعد البلاغي الرائع، والعبارات المثيرة للمشاعر الانسانية.

يبتدئ الامام، عليه السلام، بعصف ذهني - عقائدي في مخاطبته أصحابه المتواكلين والمترددين في خوض القتال تحت راية الجهاد بالقول: «أما بعدُ، فان الجهاد بابٌ من أبواب الجنة فتحه الله لخاصّة أوليائه، وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة وجنته الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذلّ وشمله البلاء، ودُيّث بالصغار، والقماءة، وضرب على قلبه بالإشهاب وأديل الحق منه بتضييع الجهاد، وسيم الخسف ومُنع النصف، ألا وإني دعوتكم الى قتال هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً، سراً وإعلاناً، وقلت لكم: «اغزوهم قبل أن يغزوكم، فو الله ما غُزي قومٌ في عقر دارهم إلا ذَلّوا»، فتواكلتم، وتخاذلتم، حتى شُنّت عليكم الغارات، ومُلكت عليكم الأوطان، فهذا أخو غامد، قد وردت خيله الأنبار، وقد قتل حسّان بن حسّان البكري، وأزال خيلكم عن مسالحها، ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة، فينتزع حجلها وقُلبها وقلائدها و رُعثها»، ثم يتفاعل الإمام مع الحادثة وهو يعبّر عن ألمه، مُصدراً حكماً بالقول: «...فلو أن امرءاً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً، بل كان به عندي جديراً»!

ويردّ الامام، عليه السلام، على تشكيك قريش ومعاوية بشخصيته السياسية، عازياً ذلك الى إفساد رأيه بسبب العصيان والخذلان، قائلاً: «وأفسدتم عليّ رأيي بالعصيان والخذلان، حتى لقد قالت قريش: «إن ابن أبي طالب رجل شجاعٌ ولكن لا علم له بالحرب»، لله أبوهم! وهل أحدٌ منهم أشدّ لها مراساً وأقدم فيها مقاماً منّي، لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنا ذا قد ذرّفت على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يُطاع». يذكر صاحب «الكامل في التاريخ» أنه «انتهى الى علي، عليه السلام، ان خيلاً لمعاوية وردت الانبار فقتلوا عاملاً له يقال له حسان بن حسان، فخرج مغضباً يجرّ ثوبه حتى أتى النخيلة، واتبعه الناس، فرقى ربوة من الارض، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه، ثم قال: «أما بعد فإن الجهاد....»، وكانت هذه مناسبة إلقاء هذه الخطبة الصاعقة للإمام علي، عليه السلام، في ذلك الموقف، وفي تلك الواقعة التاريخية.

ويصف «ابن أبي الحديد المعتزلي» صاحب شرح نهج البلاغة، تلك الغارة، بأنها كانت كبيرة، وقد نقل عن كتاب «الغارات»، كلامٌ عن صاحب الغارة، بما يمثل في اصطلاح اليوم، اعترافات خطيرة عن أكبر جرائم الحرب آنذاك. والتي تمثل نقطة بداية الحروب التكفيرية التي نشهدها اليوم، فيقول: «انه قال: - سفيان الغامدي- دعاني معاوية وقال: إني باعثك في جيش كثيف ذي أداة وجلاد، فالزم لي جانب الفرات حتى تمرّ بـ «هيت» فتقطعها، فإن وجدت بها جنداً فامض حتى توغل المدائن، ثم أقبل إليّ، واتقّ أن تقرب الكوفة، واعلم انك إن أغرت على أهل الانبار، واهل المدائن فكأنك أغرت على الكوفة، إن هذه الغارات يا سفيان على أهل العراق، ترعب قلوبهم، وتفرح كل من له فينا هوىً منهم، وتدعو إلينا كل من خاف الدوائر - المصائب والشدائد- فاقتل من لقيته ممن ليس هو على مثل رأيك، وأخرب كل ما مررت به من القرى وأحرب - اسرق- الاموال، فإن حرب الاموال شبيه بالقتل وهو أوجع للقلب...».(7)

لقد استنهض الامام، عليه السلام، في هذه الخطبة الهمم العالية للرجال، وترغيبهم للقتال، وإثارة الحماسة في قلوب الناس، من قبل ان يستفحل الأمر، وينقادوا لسيطرة العدو، كما خاطب الوجدان بقوله: «إني دعوتكم الى قتال هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً...»، ليثير فيهم روح الهمّة والتوثب لمواجهة روح الخذلان الذي يحاول العدو الاموي زرعه في جسم الامة.

كما حرّك، عليه السلام، المشاعر وإثارة الاحاسيس لدى المخاطبين عن طريق إثارة حب الوطن، حيث قال: «ومُلكت عليكم الاوطان»، فاحتلال الوطن من قبل الاعداء يثير الغضب عند الجمهور، حتى يصل بهم الحال الى الأخذ بالثأر من المعتدين، وكما يقول الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله: «حب الوطن من الإيمان». وكذلك أثار مسألة «العرض» وهو وترٌ حساس لدى الانسان (الرجل)، لذا نلاحظ تدرجه، عليه السلام، في إثارة هذا الجانب الانساني والنفسي، فانه ابتدأ بذكر المرأة المسلمة ثم المعاهدة، تم تدرج في كلامه من سلب الحجل - الخلخال- في الاقدام، وصعوده الى السوار في المعاصم، والى القلادة في الجيد، وأخيراً الى القرط في الأذن. فمع هذا التصاعد يتصاعد لهيب الحماسة والغيرة، وتثار الحمية في النفوس، وتشحنها قوة وعزيمة لمواجهة العدو، لمعرفة الامام، عليه السلام، ما للمسلم من بذل ماله ونفسه للحفاظ على سمعة المرأة وشرف الفتاة.(8)

كما نراه، عليه السلام، يعنف هؤلاء القوم على القعود دون نصرة المرأة التي استباحها العدو حماها، ثم انصرفوا آمنين من دون مقاومة، كما أثار الشعور الديني، حيث يقول: «فيا عجباً عجباًّ! عجباً- والله- يُميت القلب، ويجلب الهمّ، من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم! فقبحاً لكم وترحا، حين صرتم غرضاً يُرمى، يُغار عليكم ولا تُغيرون، وتُغزون ولا تَغزون، ويُعصى الله وترضون...». كان لهذه الخطبة الجهادية الصاعقة، وقعٌ كبير في كيان الامة، ولدى الصحابة البررة أمثال حجر بن عدي الكندي، فسار، وسارت معه كتائب عديدة صوب الاعداء، وأعادوا الحياة الى الانبار بعد هروب سفيان الغامدي وزبانيته. تكشف لنا هذه الواقعة التاريخية، مدى جاهلية الفكر الأموي آنذاك، و «الداعشي» اليوم، الذي يبيح من أجل السلطة والبقاء، كل عمل وجريمة، من قتل وترويع وسرقة والفتك بكل من يُشك في ولائه لأمير المؤمنين، وعدائه لمعاوية. وهذا تحديداً ما نلاحظه في منهج تنظيم «داعش» في الوقت الحاضر، فهو يطبق المنهج الأموي بحذافيره، منذ اجتياحه الاراضي العراقية العام الماضي، واستباحته المدن الآمنة، بمن فيها من نساء واطفال ومقدسات وممتلكات وتهجير للشيعة والمسيحيين والإيزديين، فقد فعل الشيء نفسه ذلك «الغامدي» عندما انتهك حرمة المرأة المعاهدة (غير المسلمة) في وقت كانت الاقليات محترمة في الدولة الاسلامية في ظل الامام علي، عليه السلام.

لقد قدم الإمام علي، عليه السلام، للعالم وللمسلمين بشكل خاص، النموذج الحيّ للمجتمع الآمن والكريم، الذي يعيش المسلم الى جانب غير المسلم، والفقير الى جانب الغني. والكل يعيشون بسلام، حتى جاء الفكر التكفيري - السلطوي، الذي يجعل المسلمين يدفعون ثمن مصالح شخصية وافكار متطرفة نابعة من عصبيات جاهلية، وذلك بسيول من الدماء دمار هائل وخسائر لا حدّ لها.

-----------------

1- الكافي، الكليني، ج5 - ص53.

2- المصدر السابق، ج5- ص 3.

3- نهج البلاغة، قصار الحكم - رقم 252.

4- نهج البلاغة، الكتاب رقم 47.

5- السيرة النبوية، ابن هشام، ج3 - ص25، دار الجيل - بيروت

6- سيد المرسلين، جعفر السبحاني، ج2 - ص 174.

7- السيد جعفر الشهيدي، شرح وترجمة نهج البلاغة- ط 2.

8- موقع «دار الولاية للثقافة والاعلام»، جولة في الخطبة الجهادية.


ارسل لصديق