الصديقة الزهراء والبحث عن القدوة المثالية
كتبه: حسين محمد علي
حرر في: 2016/03/24
القراءات: 764

عندما يجري الحديث عن الاقتداء بأهل بيت رسول الله، صلى الله عليه وآله، او الأئمة المعصومين، عليهم السلام، يتساءل البعض عن امكانية النجاح في هذا المسعى، لأن الحديث - مثلاً- عن أمير المؤمنين او عن الصديقة الزهراء، عليهما السلام، يتضمن مشاهد ومواقف يصعب على الانسان العادي تطبيقها على نفسه، وهذا ما كان ملموساً عن الانسان المعاصر لأولئك القدوة، فما بالنا بإنسان اليوم؟!

وقد أفصح لي أحد الطلبة الجامعيين، أنه يجلّ ويقدر المعصومين والأولياء الصالحين، بيد أنه يجد في هؤلاء مرتبة عالية جداً في الاخلاق والسلوك والبصيرة وغيرها من السمات، وهذا ما يصعب على الانسان العادي المعرض للخطأ - يقول - تحقيق القدوة الحقيقية بحيث يكون مثلهم - بكسر الميم- ، فيكون عادلاً مثل الامام علي، عليه السلام، وتكون الفتاة والمرأة عفيفة مثل الزهراء، عليها السلام. لذا - والحديث بعد لهذا الطالب- يتجه الكثير نحو أسماء معاصرة لمفكرين وفلاسفة سواء من الشرق او الغرب، ليقتدوا بها، كونهم بشراً مثلهم...

 

هاجس الفشل يزول بالقدوة الصحيحة

إن الفشل في الوصول الى المقامات العالية، يعد هاجساً لكل ساعٍ نحو الكمال والتطور في الحياة، لاسيما في شريحة الشباب، الذي ينشد التطور والنمو علمياً وثقافياً وفكرياً. لذا فهو يبحث في الممكن ومحاول تجنب الفشل ما أمكنه.

ولكن؛ عندما نبحث الامر من الناحية اللغوية و ايضاً المنطقية، نجد من السهل إزالة هذا الهاجس.

فمن الناحية اللغوية، يبدو من المستحيل أن تكون هنالك مماثلة بين شخص ما وآخر، مهما كانت الحاجة الى ذلك، بينما تكون في الاشياء، لأن كلمة «مِثْل: كلمة تسوية، يقال هذا مِثْله ومَثَله كما يقال شِبْهه وشَبَهه» وجاء في «لسان العرب»: «أن الفرق بين المماثلة والمساواة أن المساواة تكون بين المختلفين في الجنس والمتفقين، لأن التساوي هو التكافؤ في المقدار لا يزيد ولا ينقص، وأما المماثلة فلا تكون إلا في المتفقين، تقول: نحوهُ كنحوه، وفقهه كفقهه، ولونه كلونه وطعمه كطعمه، فاذا قيل: هو مِثْله على الاطلاق فمعناه أنه يسدّ مسدّه».

في ظل معنى لغوي للمِثل كهذا، هل يصحّ للبعض، من الناحية المنطقية الابتعاد عن الاقتداء بالمعصوم، لأنه لا يستطيع أن يكون مِثلهم، بينما يمكن ذلك مع غيرهم من الناس العاديين؟!

فاذا كان من الصعب أن يكون الواحد منّا «مِثل» الامام علي، عليه السلام، فهل بإمكانه أن يكون مثل الاديب الفرنسي الشهير «فيكتور هوغو» صاحب «البؤساء»، أو الكاتب والناقد الساخر «برناردشو»...؟ أو حتى مثل كثير من مشاهير النساء في العالم؟

هذه المقدمة - التي طالت بعض الشيء- يُراد لها أن تكون أقرب الطرق للاقتداء بأهل البيت، عليهم السلام، لاسيما الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء، التي نعيش ذكراها هذه الأيام، فقد نفى أهل البيت، عليهم السلام، سلفاً امكانية ان يكون أحد مثلهم، وقد سبقهم في ذلك القرآن الكريم، بقوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ، (سورة الشورى: 11)، وجاء في كلام أمير المؤمنين، عليه السلام، «...ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، فأعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد». بمعنى التحلّي وامتلاك نفس الصفات والخصال التي يحملونها، وكلما حمل الانسان من هذه الصفات الحميدة والمكارم والفضائل، كلما سمت شخصيته وعلا شأنه.

 

المَثل الأعلى

بما أن الحياة دار بلاء واختبار للإرادة، فان بإمكان الانسان أن يكون ﴿إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً، (سورة الإنسان: 3) فالأئمة المعصومون، وايضاً الصديقة الطاهرة، عليهما السلام، لا يريدون منّا أن نكون مِثلهم - بكسر الميم- إنما مَثَلُهم - بفتح الميم- لأن «المَثل» بمعنى «مظهر الشيء الذي يحاكيه»، كما هي الصورة الفوتوغرافية. واحياناً تكون الصورة رديئة او مشوهة وغير ذلك، وإذن؛ فالنجاح في الاقتداء بحاجة الى مزيد من الجهد والسعي في مسيرة التكامل.

والقرآن الكريم، خير مصدر للتمييز بين المفهومين، فقد جاء «المِثل» في موارد خاصة وقليلة، مثل التأكيد على وحدانية الله - تعالى- ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ...، وفي موارد الجزاء والعقاب: {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}، (سورة البقرة: 194)، {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}، بينما نلاحظ آيات عديدة تستخدم مفهوم «المَثل» في موارد عديدة تتعلق بحياة الانسان وعلاقته بالسماء، منها: {اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ...}، (سورة النور: 35)، و{مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ...}، (سورة البقرة: 261)، وغيرها كثير.

ولعل هذه الاشارات والاضاءات القرآنية تدلنا على الطريق الصحيح للوصول الى القدوة الحسنة والمفيدة. من المستحيل أن يكون الانسان مِثل إنسان آخر، فعليه البحث عن المَثل الاعلى والأسمى بين أمثلة عديدة من الشخصيات في الحياة. وتكون المسألة عملية جداً ومفيدة بالنظر الى ما يريده الانسان لنفسه.

 

المواصفات اللازمة

يتفق العلماء والعارفون على أن من تكاملت فيه الفضائل والمكارم وقدم الصورة المتكاملة لحياة سعيدة للحاضر والمستقبل، هو الأجدر بأن يكون المثل الأعلى، وإلا يمكن أن يكون الأب مثلاً أعلى لابنه، والمعلم في المدرسة وهكذا. ولكن ماذا عن الاولاد الآخرين، والجيل القادم. والبعض في الوقت الحاضر يعتقد أن كاتباً او اديباً أو حتى رياضياً وممثلاً، من شأنه ان يكون قدوة في سلوكه وتصرفاته، لمجرد أنه تبرع بمبلغ من المال الى الفقراء او قام بعمل خيري، فماذا لو صدر من هذا الممثل او الرياضي او آخرين من المشاهير، تصرف خاطئ او سلوك مشين؟ هل من السهل غضّ الطرف عنه والبحث عن آخر للاقتداء به؟!

وهذا يفسر لنا مفهوم القدوة بالنسبة للصديقة الزهراء، عليها السلام، كونها قدوة ومثالاً ليس فقط للنساء، بل وللرجال ايضاً. فهي - بحق- مدرسة متكاملة للتربية والسلوك والحجاب والحياة الزوجية، الى جانب الرؤية الثاقبة الى الحياة وما تتخللها من ظواهر وحالات على صعيد الفرد والمجتمع. فكما كانت مثالاً للزوجة المخلصة والصبورة والأم المربية، كانت ايضاً مثالاً للمرأة المتصدية للانحراف عن الدين والمطالبة بحقوقها الشرعية.

من هنا نجد في سيرة المعصومين، عليهم السلام، حرصاً واضحاً على تكريس مفهوم المَثل، رأفة بنا ومزيداً من اللطف والعناية، من خلال طريقة عيشهم القريبة من واقع الناس، ولعل في طليعتهم أمير المؤمنين، عليه السلام، الذي بين لولده الحسن، عليه السلام، عندما سأله عن سبب تقشفه غير الطبيعي في المأكل والملبس، فأجابه بمضمون الحديث: حتى لا يبين على الفقير فقره. وهكذا الصديقة الطاهرة، كان بإمكانها أن تعيش افضل حياة، أو على الاقل حياة الكفاف بشكل متوسط الحال، كما كانت تعيش كثير من النساء يومذاك، لا أن تتقرح يداها من صلابة الرحى لتصنع الدقيق للخبز، أو أن تقاسم العمل مع خادمتها فضة، التي ارسلها النبي الأكرم، خصيصاً لمساعدتها على شؤون البيت. لكنها لم تكن مثل سائر النساء اللاتي يفضلن الاسترخاء وترك العمل على «الشغالة» او العاملة بذريعة أنها مهنتها وتتقاضى لقاء ذلك أجراً معيناً.

وفي الختام؛ يحسن بنا الاشارة الى أن الاقتداء بهذه الأنوار السماوية، وتحديداً الصديقة الطاهرة، عليها السلام، قد تمت تجربته في سالف الأزمان من قبل الاصحاب والتابعين والمقربين حول المعصومين، عليهم السلام، وايضاً في التاريخ المعاصر وحتى في الازمنة القريبة من قبل علماء وصالحين من أولياء الله - تعالى- فكانوا مثالاً - حقاً- في النجاح والتفوق والسعادة ونشر قيم الخير والمحبة والعطاء في المجتمع، فهم ليس فقط لم يخسروا شيئاً من حياة الزهد والعطاء والإيثار، إنما ربحوا حياتهم والمجتمع والآخرة معاً.


ارسل لصديق