الرؤية السطحية ومخاطر الإنحراف عن مسار التقدم
كتبه: أنور عزّالدين
حرر في: 2016/03/27
القراءات: 590

في الانسان نواقص ذاتية وأخرى عرضية. فالكِبَر والحسد وحب الخلود والسيطرة، إنما هي ثغرات ذاتية عُجنت بها طينة الانسان، اما النواقص العرضية فهي تلحق بالإنسان من جراء دخوله في ساحات الحياة والتصاق مساوئها به، فبسبب انحراف المجتمع، وفساد المناهج التربوية والأنظمة السياسية والإقتصادية وضلالات الاعلام والمؤسسات الثقافية، تلحق الانسان مجموعة نواقص ومساوئ، واذا لم يكن جدياً وذكياً، ويحمل ايماناً عميقاً وصادقاً بخطورة الحساب وعظمة الجزاء، فسيقع فريسة هاتين الفئتين من المساوئ والنواقص.

ان أولئك الرجال الذين يؤمنون بالله والبعث ايمانا صادقاً، بإمكانهم التخلص من النواقص الخارجية، ثم يسعون حثيثاً ويجاهدون أنفسهم عشرات السنين لكي يُصلحوا ذواتهم، فاذا صلحت وابتعدت عنهم المساوئ الذاتية آنئذ يكونون مستعدين لدخول الجنة.

ان إخراج آدم وحواء من الجنة خير شاهد لنا على ذلك، اذ لم يكن النظام الاقتصادي او السياسي هناك فاسدا، ولم تكن المناهج التربوية خاطئة، ولا السيادة طاغوتية، ولم توجد أي قناة من قنوات التأثير في النفس البشرية، ومع ذلك أخرجا من الجنة! لان في ذاتهما مساوئ تسببت في حرمانهما من البقاء في الجنة، فامتحنهما الله وأخرجت تلك المساوئ، ثم أخرجا من الجنة الى الأرض لتُمتحن ارادتهما في الدنيا وتصلح نفسيتهما، ثم يعودا الى الجنة نظيفين.

وبتعبير آخر؛ ان الهدف من تحول الانسان من عالم الذر والاشباح والاصلاب الى عالم الدنيا بمشاكله وصعوباته ونعمه ونقمه إنما هو إصلاح ذات الانسان من نواقصه الذاتية، يقول الله - سبحانه وتعالى- على لسان ابليس، حينما يقصّ قصة آدم وحواء: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى}، (سورة طه: 120)، أي: إن ابليس قام بإثارة حالة نفسية موجودة في آدم وحواء وهي حب الخلود والسيطرة، فأطاعاه واندفعا.

 

 التغيير وفق المقاسات الخاصة

ونحن في حياتنا أيضا مبتلون بهاتين الفئتين من المساوئ والذنوب الظاهرة، يرتكبها كل واحد منا بدون استثناء، ومن يدعي عدم ارتكابه لها فإنما يدعي باطلا، و ادعاؤه يعد نوعا من المساوئ الذاتية لأنه يعتقد في نفسه العصمة.

اننا جميعا نرتكب جريمة الكذب على الناس والغيبة والنميمة والحسد وترتيب الاثر عليه وتأخير الصلاة وظلم الآخرين وان كنا في بعض الحالات مظلومين او غيرها من الذنوب الفوقية، وهذه الذنوب انما جاءت من انعدام التربية الصالحة والسياسة والاقتصاد السليمين والمجتمع الفاضل، ومن ثَم فهي لحقت بنا بسبب انحرافات في خارج ذواتنا.

لكن هناك ذنوبا أخرى لا تظهر إلا انها واقعية وكبيرة، وهي ذنوب الذات والنفس البشرية، ومن جملتها تفريغ الشرائع الإلهية من محتواها، فلا تكون الصلاة برنامجاً لإخضاع النفس الأمارة بالسوء التي تنزع نحو الكبر.

ان في القرآن الكريم تعاليم كثيرة تبين فلسفة الصلاة والغرض منها، فتارة يقول: ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي، (سورة طه: 14)، وتارة أخرى يقول سبحانه: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ}، (سورة العنكبوت: 45).

فربنا انما أمرنا بالصلاة لكي نحارب بها عدونا وأنفسنا المتجبرة التي تقول دائما «أنا»، كما أمرنا بالصوم لإيجاد حالة الصبر في أنفسنا، لذا فهو يسمى صبراً في بعض الحالات: ففي الآية الكريمة: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ}، سورة البقرة: 45).

لكن اذا تحول الانسان المسلم من المحتويات والقيم والجواهر وحقائق العبادات الى القشور والظواهر والمسائل الخارجية، فلابد انه لا يريد اصلاح نفسه بالشرائع الإلهية، أي لا يريد الصلاة لتزكية نفسه عن الكبر، انما يريدها للرياء الذاتي، ولا يريد الصوم لتزكية ذاته ولا الجهاد لإعلاء كلمة الله، ولا السلطة لتطبيق العدالة.

في ليلة من الليالي كان الإمام علي، عليه السلام، يتمشى مع صاحب له في الأزقة، فإذا بهما يسمعان صوت انسان يتلو القرآن الكريم وهو في بكاء وخشوع، فتعجب صاحب الإمام من خشوعه وزهده وقال: يا ليتني كنت مثله!، فقال له الإمام: من أين علمت ذلك؟ قال: انه صوت متهجد في آخر الليل، فقال الإمام: وما يدريك ما في نفسه؟ وحسب ما جاء في الروايات ان صاحب هذا الصوت كان عبد الرحمن بن ملجم.

ولا عجب من ذلك، فالذين حملوا السيوف وخرجوا على الإمام علي، عليه السلام، كانوا أصحاب ثفنات من كثرة السجود، وكانوا يعتقدون بأنهم يعبدون الله، بينما هم عبدة أنفسهم.

وقد كان الواحد منهم يذهب الى مسجد رسول الله أثناء صلاة الجماعة ويصلي خلف المجتمعين صلاة فردية، امتناعا منه عن الصلاة وراء رسول الله بدعوة عدم عدالته وهو قد تعلم الصلاة منه!

وهذه القشرية في الحياة أكبر الأخطار على الاسلام، فهي تعني تحويل المحتويات الى قشور وشعارات وكلمات براقة ومظاهر خلابة، لذا فضخامة العمامة وطول اللحية ووجود الثفنات على وجه الانسان وتظاهره بالخضوع ورفعه للشعارات، ليست دليلاً على قربه من الله، فيلزم ان لا ننخدع بأناس كهؤلاء، كما يجب ان لا نخدع أنفسنا بأعمال كهذه، وانما نتوجه الى صدق العمل وخلاصته.

كما ينبغي لنا كل يوم ان نستعيذ بالله من الشيطان عشرات المرات بل مئات المرات، لأنه يترصدنا على كل قارعة طريق وفي كل لحظة وبكل وسيلة لينبذنا في نار جهنم، ومن مكائده محاولة تفريغ صلاتنا من محتواها و اعطائها طابع القشرية، فلانه لا يستطيع ان يمنعنا عن أدائها، يحاول تزييفها بإدخال الرياء والسرعة المفرطة حيث يكون هم الواحد منا آخر الصلاة.

وخير عبرة في ذلك ما جاء عن الإمام زين العابدين، عليه السلام، عندما كان يصلي ذات يوم «فسقط الرداء عن أحد منكبيه فلم يسوه حتى فرغ من صلاته، فسأله بعض أصحابه عن ذلك، فقال: ويحك أتدري بين يدي من كنت؟! ان العبد لا تقبل من صلاته الا ما أقبل عليه منها بقلبه، فقال الرجل: هلكنا، فقال: كلا ان الله عز وجل متمم ذلك بالنوافل».

وليس في الصلاة فقط بل حتى في السياسة، فإذا أراد الواحد منّا ان يكون سياسياً ناجحاً، عليه الحذر من تحويل السياسة الى أداة للسيطرة والتجبر، ولنأخذ الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، قدوة لنا في ذلك، فحينما دخل مكة فاتحاً طأطأ رأسه حتى التصق براحلته تواضعاً لله سبحانه وتعالى.

لكن هناك أناساً لو يُعطى لهم كرسي بسيط، تشوبهم حالة من الخيلاء والزهو والتصرفات الشاذة وينسون بأنها مجرد اختبارات، فلو وجدت في نفس الانسان ذرة من الحسد، فإن الله يمتحنه عشرات المرات حتى تخرج هذه الذرة، فأما يستغفر الله منها ويصلحها واما توقعه في نار جهنم.

 

 التكفير، النسخة المحسنة للسطحية

ان الروح السطحية التي تتجه الى عبادة الظواهر والشكليات، هي السبب في 90 بالمئة من مشاكل أمتنا، هذه الروح هي التي تحول بين الانسان والتقدم في الحياة بما يرضي الله وينتفع منه الناس.

لذا ليس عجبا ان يعيش العرب وجميع المسلمين حالة الاحباط واليأس من كل شيء في هذه الحياة نتيجة للتراجعات والاخفاقات الواسعة النطاق التي تعرضنا لها منذ النصف الثاني من القرن الماضي وحتى الآن، حتى بات من الصعب على المسلمين رفع رؤوسهم لا في ظروف الحرب ولا السلم. فاين يكمن السبب في كل ذلك يا ترى؟

ان الأنظمة الحاكمة ومعها طبعا شريحة واسعة من النخبة الموالية للسلطة، برعوا وحققوا انجازات كبيرة في رفع الشعارات الرنانة والترويج للأفكار والنظريات التي ليس بوسعها ملامسة أرض الواقع الذي يعيشه الانسان.

وليس ثمة دليل أبرز وأسطع من نظام صدام البائد الذي زج بالعراق، أرضاً وشعباً وكل ما فيه من خيرات وقدرات، في ثلاث حروب مدمرة، بواسطة الشعارات والأفكار التضليلية التي كانت تزين للكثير سوء أعمالهم وجرائمهم. كذلك فعل الحكام من شاكلته خلال العقود الماضية، عندما ضللوا الناس بشعاراتهم ووعودهم الكاذبة، حتى جاءت رياح «الربيع العربي»، واتضح للناس في البلاد العربية، أن كل تلك الهيبة الكارتونية إنما كانت واقفة بفضل الدعم الاميركي والغربي، وكذلك هو حال الباقين على كراسي الحكم حتى الآن.

ولم ينته الامر الى هذا الحد، بل إن الاميركيين والغربيين بشكل عام، استفادوا من هذه الثغرة في جدار الفكر الاسلامي، وتسللوا من خلاله ليصنعوا جماعات ارهابية ودموية تحمل شعارات دينية، ترعاها دول في المنطقة، لحرمان الشعوب الاسلامية حلاوة الامن والاستقرار والرخاء والتقدم. وربما بدأت الشعوب الاسلامية في المنطقة وحتى في بقاع العالم، تتوصل الى الحقيقة المرّة وهي أن النظرة القشرية الى الدين في نسختها المحسنة والجديدة بأسماء مثل «داعش» و»القاعدة» وغيرهما، بدلاً من ان تحقق لهم الكرامة أمام هيمنة القوى الغربية الكبرى، وترفع من شأن الاسلام والمسلمين، فإنها باتت وصمة عار على جبين كل مسلم في بلاده الاسلامية وفي أي مكان آخر بالعالم.

فاذا كانت الشعارات المرفوعة من هذه الجماعات هو محاربة الانظمة الحاكمة والمرتبطة بـ «الكفار»، فانهم حلّوا مكانهم في الهيمنة والإفساد والقتل المريع في المناطق التي احتلوها في سوريا والعراق ولبنان وليبيا واليمن ونيجيريا وبقاع اخرى، فهم قدموا صورة لا تقل بشاعة عن صورة الحكام الديكتاتوريين خلال القرن الماضي، لكن بقناع الدين والاسلام وأن «الحكم لله»! كما قالها الخوارج تماماً في عهد أمير المؤمنين، عليه السلام.

إن المعادلة الإلهية لها مصاديقها على الارض كما في الآية المباركة: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ}، (سورة الرعد: 17). ان ما ينفع الناس لن يتحقق إلا على أيدي أناس لا يكتفون بظاهر الحياة وإفرازاتها وانما يشتملون بنظراتهم ظاهر الامور وباطنها؛ على المديات القريبة والبعيدة، وقد وصف القرآن الكريم، المؤمنين بأنهم: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ}، (سورة الحج: 41).

هذه التعاليم هي هدف السياسة، أما اذا خلت الأخيرة منها، فإنها لا تسوى شيئا، فما قيمة سياسة تجر وراءها المتاعب والصعوبات وتدخل الناس في اتون الحروب؟! قال عبد الله بن عباس: «دخلت على امير المؤمنين، عليه السلام، بذي قار وهو يخصف نعله، فقال لي: ما قيمة هذا النعل؟ فقلت: لا قيمة لها! فقال، عليه السلام: والله لهي أحب إلي من امرتكم، إلا أن أقيم حقا، او ادفع باطلا).

لذا فنحن اذا كان هدفنا من السياسة، القيم السماوية ورضى الله -جل وعلا- وإلا فلنتركها ونتحول الى عمال مزارع في بعض القرى النائية أجدى لنا. لذا يجب ان نكون جديين في أعمالنا، فلا نخطو خطوة إلا ونحسبها لمن؟ ولماذا؟ وأي شيء تخدم؟


ارسل لصديق