الشعوب الناجحة بين أحلام التقدم وعوامل التغيير الجذري
كتبه: أنور عزّالدين
حرر في: 2016/05/04
القراءات: 381

الدورات التاريخية التي نراها عادة عبر التاريخ البشري، حيث ان الأمم تنشأ ثم تتقدم ثم تنكمش، ثم تتحدى ثم تنكسر، وقد يحدث في بعض الحالات انها تنبعث من جديد، ثم تتقدم، ثم تنتهي؛ هذه الدورات التي غالباً ما نجدها صحيحة في تاريخ الحضارات، لا تقع بطريقة واحدة في كل مكان، ولا يمكن ان نعتبرها قضية مطلقة كالقضايا الرياضية التي قوامها القوانين المجردة والكلية، مثل: (2×2=4).

تحتفظ الدورات التاريخية بالجانب الانساني فيها، وهو الجانب الارادي المتميز، حيث ان كل عامل يؤثر في ظرف تاريخي معين بمقدار مختلف عن تأثيره في ظروف اخرى.

ويمكننا ان نقسم المراحل الحضارية للتاريخ بصفة عامة الى ما يلي:

 

 أولاً: المرحلة البدائية

وهي عبارة عن وجود مجموعة من البشر، اجسادهم مجتمعة و افكارهم متفرقة، لا يحملون رسالة، ولا يطمحون لتحقيق هدف، ولا يبحثون عن تقدم، ولا يعنيهم إلا الحصول على ضرورات معاشهم، هذه المجموعة البشرية تبقى هكذا عبر مئات السنين، تعيش في عزلة عن العالم، كالعرب في الجاهلية وشعوب اخرى غيرهم.

 

 ثانياً: المرحلة الرسالية

ثم تنبعث فيها فكرة رسالية، عادة ما تكون مستوحاة من نبي بعث اليهم مباشرة من قبل الله -عزوجل- او رسالة نقلت اليهم عبر وسيط بشري من غير الانبياء، وحين تنبعث فيهم هذه الرسالة، فانها تقوم بدور اشعارهم بوضعهم المتردي الذي يتوجب عليهم تغييره، و إعطائهم رسالة هي فوق تطلعاتهم المادية الضيقة، حيث يتشبثون بها ويتمحورون حولها، ويفجرون طاقاتهم من اجل تحقيقها، و أخيراً، تحدد لهم برامج ومناهج وسلوكيات وأحكاماً وأنظمة معينة يسيرون على هداها، وهنا تنغرس النواة الاولى للمدنية التي لا تلبث ان تنمو حتى تحقق مدنية جديدة.

 

 ثالثاً: مرحلة الاصطدام

هذه المدنية، تصطدم بدايةً نموها، بما حولها من أفكار ومجتمعات صدمة عنيفة، قد تؤثر فيها تأثيراً سلبياً، فتنهزم امام جيوش الاعداء وتصاب بنواقص كثيرة، وقد نبّه القرآن الكريم الى ذلك في الآية الكريمة: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ}، (سورة البقرة: 155)، هذه الآية تشير الى المشاكل التي تنشأ بعد نمو الحضارة وتكون الامة على اساس الرسالة.

وقد تسبب هذه الصدمة، وهذا التحدي انكماشاً في هذه المدنية، حتى ليبدو للذي يرى الصراع من بعيد، هذه الرسالة وهذه الحضارة التي ابتنيت عليها، قد انتهت، ولم يبق لها فرصة للانتصار على اعدائها، وذلك بسبب الظروف الصعبة التي تعيشها والخلافات الداخلية التي تهزها.

ولكن مع هذا الانكماش، فان هذه المدنية تتميز في هذه المرحلة بالشجاعة و روح الاقدام والتضحية من اجل الاهداف التي تحملها.

كما انها في هذه المرحلة لا يهتم ابناؤها بالاسلحة والتنظيم والوسائل العلمية والطبيعية من اجل كسب المعركة، وانما يتحركون في الارض تحركاً ارتجالياً من اجل تحقيق اهدافها.

 

 رابعاً: مرحلة المراجعة والتنظيم

ولكن هذه الرسالة لا تلبث ان تجدد نفسها بعد سنين قد تطول وقد تقصر، ويتجدد ايمان اتباعها بها، لأنهم بعد ان ينهزموا شيئاً ما امام الصعوبات والاعداء، فانهم يعودون ليقيموا اوضاعهم ويطرحوا على انفسهم هذه الاسئلة: لماذا انهزمنا؟ وما هي الثغرات؟ وكيف نتقدم؟

وهكذا تنبعث فيهم الروح مرة اخرى فيتحركون، ولكن في هذه المرحلة تتميز انطلاقتهم بعدم الاعتماد على الايمان وحده، بل يتوجه الاهتمام الى التطوير والتنظيم وتهيئة الوسائل والسعي الى زيادة الحلفاء والحصول على الاسلحة، و الأخذ بكل الاسباب العلمية والمادية للبناء والتقدم، وذلك اعتباراً بما حصل لهم من دروس مُرّة، ومن انتكاسات صعبة؛ وتدوم هذه المرحلة فترة طويلة نسبياً، تنمو خلالها الحضارة وتتقدم، وتحتفظ ذاكرتها بعبرها السابقة لكي لا تتكرر التجارب الفاشلة مرة اخرى.

 

 خامساً: مرحلة التحجر

ولكن مع استمرار الوقت وطول الزمن، تهترئ الذاكرة الحضارية، وتنسى تجاربها تقريباً، سواء التجارب الايمانية كالشجاعة والتضحية، او التجارب المادية التي حصلت عليها في المرحلة السابقة، ويحذر القرآن الكريم من هذا المآل في الآية الكريمة: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}، (سورة الحديد: 16)

وقسوة القلب عبارة عن التحجر واصابة الأمة بحالة التعب والارهاق، فتصبح في وضع لا تعطي فيه ولا تأخذ ولا تتأثر بحقائق الحياة، ولا تستجيب للعوامل الطبيعية والسنن الصحيحة، فتصبح مثل الحجر الذي لايتفاعل مع ما حوله.

والمقصود بالتعب والارهاق هنا، والذي يعبر عنه القرآن الحكيم بـ»قسوة القلب»، هو التبلّد الفكري والتوقف الذهني وحسب تعبير بعض المؤرخين: «توقف الابداع في عقل الحضارة».

 

 سادساً: مرحلة التغنّي بالامجاد

بعد هذه المرحلة، تبدأ مرحلة الصراعات الداخلية، حيث الانانيات والنزاعات القومية والنعرات العنصرية والطائفية تعصف بتلك الحضارة، وهي مرحلة صعبة، تتشرذم فيها عناصر الحضارة، وربما تصل الى مشارف النهاية، وبالتالي يسقط الكيان ويتفتت المجتمع وتُنسى الافكار.

إلا ان الغرور والكبرياء الناشيء عن الامجاد السابقة يبقى، لأن الامجاد هي آخر ما ينساها الانسان، حيث تتجسد في انجازات بعضها ظاهرة كالآثار المعمارية، وبعضها خفية كالأحداث التاريخية المروية التي لها خطها في تفسير شيء يسميه بعض المؤرخين بطيف الحضارة، أي آخر مرحلة من انتهاء هذه الحضارة.

ان الحالة العاطفية التي تنبع من الانتماء الى الامجاد والمكاسب التاريخية والافتخار بها، تعود لتصنع شيئاً ما وعادة ما يكون ذلك الشيء دولة كبيرة ظاهراً، او الفاظاً ضخمة، ولكن دون ان يكون فيها أي نوع من الابداع والتطوير او العطاء، او حمل رسالة حقيقية، وانما هي فقط طيف الحضارة او حلمها، هذه المرحلة غالباً ما تكون قصيرة الامد، وبعدها ينتهي كل شيء، وبانتهائها تذهب آخر فرصة لهذه الحضارة في البقاء.

ان كل الحضارات عبر التاريخ، وحسب ما يذكر المؤرخون، مرت بهذه المراحل، ولكن هل هذه المراحل حتمية وتكون دائما بشكل واحد؟

كلا، انها ليست حتمية، لأن الحضارة يمكنها ان تستوعب تجارب الحضارات الاخرى في اول مراحلها، فتضم الى روح التضحية والشجاعة والاقدام، الاخذ بالعوامل المادية والسنن الطبيعية التي توصلت اليها الامم السابقة، ولا تدع مجالات للغرور ان يصيبها وبذلك يمكنها ان تبقى فترة اطول.

وهنا لابأس ان نعرض تجربتين لبيان أثر الغرور في الحضارة، دون المقارنة الدقيقة، لان الامثلة التي نسوقها ليس حضارات و إنما هي دول، ولكن يمكننا ان نسوقها امثلة على واقع الحضارات.

المثال الاول: المانيا في عهد «بسمارك» حيث كان رئيسا للوزراء في دولة «بروسيا» (1815- 1898)، فجعل من هذه الولاية نواة لدولة اتحادية كبيرة في اوربا وهي؛ دولة المانيا التي تظهر اليوم على الخارطة، بهذه القوة، بفضل جهوده وبفضل نشاط، وايضاً بحيوية الشعب البروسي.

إلا ان هذا الزعيم لم يلبث ان اغتر بالسكك الحديدية الجديدة والاسلحة الحديثة، والجيوش المنظمة والطاعة التامة والانضباط العسكري الكامل، والتقدم الاقتصادي الذي وصلت اليه المانيا آنذاك، فراح يضرب ذات اليمين وذات الشمال، وخاض حروباً عديدة الى ان ضعفت المانيا سريعاً و اصبحت دولة عادية، بينما كان بالامكان ان تصبح لفترة طويلة مركز الثقل الحضاري في اوربا.

أما المثال الثاني فهو الولايات المتحدة الامريكية، فقد ضمنت الولايات المتحدة فترة طويلة نسبياً العيش بازدهار بعد استقلالها، والسبب في ذلك ان الشعب الامريكي رفض كل المحاولات التي قامت لإقحامه في الحروب، والتدخل في شؤون الدول الاخرى، فقد رفض روزفلت وبكل شدة في سنة 1913م النظرية التي دعت الى احتلال المكسيك، وقد كان سبب انتصاره على منافسه الانتخابي هو رفعه شعار ابقاء امريكا بعيدة عن مشاكل العالم، وقد واجه معارضة من الشعب الامريكي عندما انحرف عن هذه السياسة، وقام بمحاولات عديدة لإدخال الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية.

لقد كان الامريكيون يعلمون ماذا يعني التدخل العسكري هنا وهناك، وتحمل مشاكل «لا ناقة لهم فيها ولا جمل»، وكانوا يعرفون بالضبط ماذا يعني ذلك، وكانت ذاكرتهم لاتزال تحتفظ بالتجارب الاوربية القاسية، لانهم اوربيون انتقلوا الى امريكا، فقرروا ألا يعيدوا التجربة هناك، وظلوا فترة طويلة هكذا، الى ان تم ادخالهم في الحرب العالمية الثانية، وبعدها اصبحوا ورثة الاستعمار القديم، وتدخلوا في اكثرة بقاع العالم، والآن هم يعانون مشاكل معقدة في كثير من المجالات بسبب هذه التصرفات، وخصوصاً بعد الحرب الفيتنامية، فقد اصيب الشعب الامريكي بهزة عميقة في كيانه الداخلي.

لقد كان الشعب الامريكي في فترة، من الشعوب التي لا تقهر، فموارده كبيرة، وقواه عظيمة وانجازاته التكنولوجية باهرة، ولكن ثبت الآن بأن الامريكيين ليس فقط يُقهرون وإنما يتراجعون ايضاً.

وفي حالة هبوط روح الحضارة والمدنية، بسبب قسوة القلب، تتحول الحضارة الى حقيقة جامدة، ولكن بعد ان تقسوا القلوب وتتحول النظرات الرسالية الى توجهات مادية ويحين وقت الانهيار، تكون هنالك فرصة للفكر والثقافة و الارادة بدور هام، فمن خلال تحول جذري داخل الحضارة، وبهمة عالية من بعض ابنائها، يمكن ان يوقفوا انهيارها وتدهورها، مثل ما حدث مع قوم يونس الذين يقصّ علينا القرآن قصتهم:

{فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ}، (سورة يونس: 98).

فقد كان قوم يونس يعيشون في آخر لحظات حضارتهم، ولكنهم تداركوا التدهور الذي كان يرتقب ان ينتهي بصاعقة من السماء، بعد ان هجرهم نبيهم، ولاحت نذر العقاب الشديد، فلجأوا الى علمائهم وسمعوا نصيحتهم ثم غيروا مسيرتهم وأوقفوا بذلك الانهيار المحتوم.

هذه قضية هامة وفريدة في تاريخ الامم، و اهميتها نابعة من انها تدل على ان ارادة الانسان اقوى من مسيرة الزمان وظروفه.

والسؤال الكبير الذي نواجهه في المحصلة؛ هل هناك عامل يجعل الامم تقاوم الانهيار ويغذي فيها محاولات الاستمرار في الحضارة وتحدي عوامل السقوط؟، فهل هي الصدفة أم القضاء والقدر أم ان هناك عاملا آخر يمكن التخطيط له والاستفادة منه؟

إن عامل الارادة البشرية يلعب دوراً جذرياً واساسياً في هذا المجال، ولعامل الادارة قوانينه وانظمته الذاتية والبعيدة عن تأثير العوامل الاخرى.

إن إثارة الاهتمام في المجتمعات البشرية بعامل الارادة، ودوره الاساسي في الحفاظ على المسيرة الحضارية، يعطيها القدرة على الاستفادة من هذا العامل العظيم الذي يعتبر المنطلق الرئيسي لحركات التغيير والاصلاح الجذريين في كل منعطفات التاريخ.

فعملية التغيير الجذري ما هي إلا الاستفادة الجيدة من عامل الارادة البشرية، ومن قدرة الانسان النابعة من إرادته الحديدية على تحدي واقعه الذي قد يكون متجهاً نحو الانهيار، ولكن ليس بالعناصر المادية، وانما بالافكار الأصيلة والقيم.

والامة، التي تعرف سر التغيير والاصلاح الجذريين في واقعها، لا تموت ابداً، لأنه كلما ضعفت العوامل المادية في هذه الامة، تدخل العامل الارادي ليعوض عن النقص الناجم عن ضعف تلك العوامل، وليعطي الامة اندفاعا جديداً نحو الامام، وذلك عن طريق إثارة روح التمسك بقيم الجهاد والعطاء والإيثار والتضحية.

وربما تستطيع القول ان الامة الاسلامية هي من اكثر الامم التي عرفت حتى الآن سر عملية التغيير الجذري واهميتها في مسيرتها الطويلة، والمذهب الرسالي لأهل البيت، عليهم السلام، هو ذلك السر الذي يحمل في طياته أعلى درجات الارادة الرسالية للتغيير، واسمى مراتب العطاء والتضحية والايثار والجهاد.


ارسل لصديق