{إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ ...} بين شروط الانتصار ومحاذير الهزيمة
كتبه: أنور عزّالدين
حرر في: 2016/09/17
القراءات: 346

القرآن مصدر نور يضيء دروب الإنسان في الحياة، فهو المصباح الذي يهديه إلى السبيل القويم، والنور الذي يستنير به في العثور على ضالّته في الحياة، ليصل إلى الحقائق كاملة وشفافة، وإنّ أولئك الذين استبصروا بالقرآن الكريم، واهتدوا بنوره وهداه لم يضلّوا، ولم يقفوا حيارى في طريق سيرهم التكاملي، فهم ينظرون إلى مستقبلهم، كما ينظرون إلى حاضرهم، وكما خبروا ماضيهم من قبل، ذلك أن في القرآن الكريم أخبار الماضين، والعِبَر التي ينتفع بها الجيل الجديد والأجيال القادمة.

وقد رسم الله - سبحانه وتعالى- السنن، وشرع القوانين، وأقام أسس الأنظمة السائدة في هذا الكون، لذا فإنه تعالى أجدر بأن يرشدنا السبيل إلى معرفة سننه والنظم التي تنطوي عليها، ويدفعنا إلى التحرك والسير عبرها نحو الأهداف التكاملية.

وقد ضَلَّ ضلالاً بعيداً أولئك الذين يدعون الى غير القرآن، ولا يغتنمون الهداية بنوره الوضّاء، فيكون مثلهم كمثل الذي يصفه القرآن الكريم: {...كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ}، (سورة الرعد: 14)، أو كتائهٍ في ظلمات يُعبِّر عنه تعالى في قوله: {...ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ}، (سورة النور: 40)، وهكذا فإن النور الذي يهتدي به الإنسان إلى طريقه، وينقذه من مُضلاّت الحياة ومتاهاتها إنما هو من الله -عزّ وجلّ- هذا النور الذي يتجلّى بهيّاً وساطعاً في كتابه العزيز.

ومن ميزات القرآن الكريم أنه كتاب خالد لا يخلق بمرور الأزمنة والدهور، والسر في ذلك أنه لا يعالج المتغيرات، إنما السنن والقوانين التي تنظم حياة الانسان، فهي الثابتة والتي تقرر مصيره ومصير الأمم، لذا نجد القرآن لا يحدثنا عن المظاهر الخارجية للحقائق، إلاّ بشكل مقتضب، بل يحدثنا عن القيم والسنن، وعن الخلفيات والقواعد الحقّة، فإذا حدّثنا الله - تعالى- عن مواجهة الإيمان والمؤمنين للكفر والكافرين، لا يحدّثنا عن طبقة معينة في مكان محدد، بل يفصّل لنا القول عن الإيمان كإيمان، والكفر ككفر، ويحدِّثنا عن واقع الإيمان والكفر وحقيقتهما، لا عن مظاهرهما ومصاديقهما.

 

 القرآن يكشف عن الحقائق

نعم، من الممكن أن يضرب لنا القرآن الكريم أمثلة واقعية، ولكننا إذا أمعنّا النظر في آياته فإننا سنكتشف أن حديثه مركّز على بيان الحقائق، ومن هنا نلاحظ أن الله سبحانه يؤكد بين الحين والآخر على أنّ سننه لن تتغير، وأن الإنسان لن يجد لها تحويلاً، وأن الكافرين الذين اُهلكوا عبر التأريخ لا يختلفون عن أية مجموعة أخرى من الكافرين، كما يشير إلى ذلك قوله - تعالى- ﴿...وَ لِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا، (من سورة محمد: 10).

فمتى، وأينما، وأنّى كان هؤلاء الكفار فإنّ تلك الحقائق سوف تتكرر، وتلك السنن سوف تتجسد مرات ومرات، فلا ينبغي القول إن الزمان قد اختلف، حيث السيف مثلاً كان سيد الموقف بالأمس، واليوم ظهرت الطائرات الحربية، والدبابات المتطورة، والأسلحة الالكترونية، فالإنسان الكافر يبقى كافراً، سواء تسلح بالسيف أم بالمدفعية أم بالأسلحة المتطورة، فهو كافر في جميع الأحوال، متبع لطريق الضلال، وهذه حقيقة أثبتها الله تعالى، وأكدها التأريخ.

فلننظر، ولنقرأ التأريخ على صفحات الطبيعة، وعلى ما تبقّى من آثار الأولين، كما يدعونا إلى ذلك الخالق - تعالى- في قوله: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}، ( من سورة يوسف: 109)، فلندرس التأريخ حتى نعرف أنّ هؤلاء الذين مضوا كانوا يمتلكون القوة المادية في العصور الغابرة، حتى كان الرجل منهم يسحر أعين الناس، ويهتف «بعزة فرعون» لا باسم الله!

وعلى هذا فإن القرآن الكريم يحدثنا عن القيم، وعن الحق الذي قد يتجسد في شخص أو جماعة أو أمة، أو في بلد معين، ولكن القرآن لا يحدثنا إلاّ عن ما يجسده الشخص، وعن ما يوجد في هذا البلد من قيم وحق، ومشكلة الإنسان أنه يبحث عن المظاهر؛ فالعين ترى المنظر، والأذن تسمع حركات هذا المنظر، ولكن العقل هو المسؤول عن التعمق والنفاذ بالبصيرة إلى الواقع الكامن وراء هذا المظهر.

 

 الانتصار لكل ما يتصل بالله

وهنا نتوقف عند حقيقة عرفانية تتجلى لنا من خلال قوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ، (من سورة محمد: 7)، فالملاحظ أن القرآن هنا يعبِّر عن الحقيقة بلفظة ﴿الله، فهو لا يقول تعبيرات من مثل «إن تنصروا الدين» أو «إن تنصروا الكتاب أو الرسول، «بل يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ}؛ (سورة محمد: 7) فالحديث هنا ليس عن شخص، ولا عن جماعة، ولا حتى عن قيم، بل القرآن أعلى وأسمى من أن يحجِّم رسالته بتلك المفاهيم، بل يستخدم لفظة ﴿الله بكل جبروته، وعظمته.

ترى ماذا تعني هذه الكلمة، ولماذا لم يستخدم القرآن ألفاظاً أخرى؟

في هذا المجال يقول المفسرون: إنّ المعنى إن تنصروا دين الله، أو إن تنصروا كتاب الله ورسوله والخط الصحيح في منهج الرسالة، بلى؛ إنّ هذه بعض معاني كلمة ﴿الله، ولكنها ليست كل المعاني التي تحويها لفظة الجلالة، فمن المعلوم أن الله تعالى هو الذي أنزل الكتاب، وأرسل الرسول، وأيّد الحق، وأمر بالشرائع، ومع ذلك يظل اسم الله، أشمل وأوسع تأثيراً في قلوبنا.

والسبب في ذلك أن كلمة ﴿الله تعني: خالق السماوات والأرض، والمودع سُنَنَه فيهما، وهو المدبر والمباشر لأمور الناس جميعاً في كل لحظة، وطرفة عين، فهو المهيمن علينا جميعاً، وهو الذي أعطانا القدرة على التحدث، والاستماع، وألهمنا القول والفهم، وله الولاية على الخلق جميعاً، فهو الحيّ القيّوم، الشاهد علينا أينما كنّا.

وإضافة إلى ذلك فإنّ لفظة الجلالة لها أبعادها الإيمانية والعرفانية والوجدانية المؤثِّرة في قلوب البشر على اعتبار أنّ كل قلب يتعطش إلى ربّه، وكل شيء يسبح بحمده، ومع كل ذلك تبقى كلمة ﴿الله لها معناها الأوسع.

إنّ الله - عزّ وجلّ- لم يعدنا بالنصر إذا نصرنا الرسول بل قال: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ، ذلك لأن كلمة ﴿الله أوسع وأشمل من كلمة «الرسول»؛ وبتعبير آخر؛ فإنك، أيها الإنسان، إن نصرتَ شيئاً معيناً يتصل بالله، ثم لم تنصر الشيء الآخر، أو نصرتَ كتاب الله، ولم تنصر الرسول، أو نصرت الرسول والكتاب ولكنك لم تنصر الخليفة الشرعي للرسول، أو نصرتهم جميعاً ولم تنصر أحكام الله، فإن الله تعالى لا يعدك بالنصر، وهذا يعني أننا يجب أن ننصر كل شيء يتصل بالله عزّ وجلّ.

 

 نظرية «نحن ولا غيرنا» وعوامل الهزيمة

وفيما يلي سوف نحاول اكتشاف المعاني الخفية الكامنة في تلك الآية الشريفة؛ يقول سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: «من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة»، ومن تجليات معاني هذا الحديث الشريف أنّ الإنسان لابد أن ينصر كل أولياء الله، لأن نصرة ولي الله هي من نصرة الله عزّ وجلّ، أما أن يتقوقع كل واحد في حدود جماعته وفئته وخطه وحزبه ثم يمكر بالمؤمنين ويتآمر عليهم بدلاً من أن ينصرهم وينتصر لهم فإنه سوف لا يحقق مفهوم «نصرة الله».

ونحن هنا بين أمرين لا ثالث لهما؛ إما أن نقول إننا مؤمنون، وإن كافة الناس في الأمة كفار، وهذا ما لا يجوز عقلاً وشرعاً ووجداناً، وإما أن نقول إننا مؤمنون، وإن هناك آخرين مؤمنون أيضاً، ولكننا لا ننصر إلاّ أنفسنا، وهذا الموقف غير جائز أيضاً، فمادام الآخرون مؤمنين، ونحن مؤمنون ايضاً، فإن الجميع إخوة، وماداموا إخوة فلابد أن يتناصروا، والتناصر يعني بالتالي نصرة الله تعالى.

ولكن لنسأل أنفسنا في هذا المجال؛ هل نصرنا الله بنصرة أوليائه، أم نحن ممن قال عنهم الخالق تعالى في الحديث القدسي السابق: «من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة»، وهل نتوقع نصر الله ونحن نخذل إخواننا المؤمنين هنا وهناك؟

إن نظرية «نحن ولا غيرنا»، هي المسؤولة عن كل هزيمة ذاق المسلمون مرارتها عبر التاريخ، لأنهم انشغلوا باختلافهم، وتناحرهم، فسبَّبَ اختلافُهم هذا ذهابَ ريحهم، وزوال قوتهم، كما يشير إلى ذلك - تعالى- في قوله: ﴿وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ، (من سورة الأنفال: 46)، وقد قال المفسرون في معنى هذه الآية أن الريح، تعني هنا السمعة الحسنة، ولكن يبدو أن لها معنى أعمق؛ فهي تعني «الإرادة»، لأن الإنسان عندما يحارب إخوانه فإنه يفقد إرادته وعزيمته وصلابته أمام العدو، فإذا كان هذا الإنسان عزيزاً على إخوانه، فإنه يكون ذليلاً أمام عدوه والعكس بالعكس. وفي آية أخرى يقول عزّ من قائل: {فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}، (من سورة الزمر: 17،18) وهؤلاء هم عباد الله الحقيقيون، فهل نحن منهم أم أننا نغلق في وجوه الآخرين كل أبواب النقد؟

 

 الإنفتاح على تجارب الآخرين

إن من سيرة المؤمنين التشاور، والانفتاح على النقد، وتقبُّل النصيحة، والاستماع برحابة صدر إلى أقوال الآخرين، والاستفادة من تجارب الأمم، وهذه هي سُنّة الله، وهو تعالى لا ينصر إلاّ بِسُنَنه.

ومن سنن الله اتّباع القرآن، ومما دعا إليه القرآن أن يفتح الإنسان المؤمن أذنه وقلبه لينتفع بتجارب الآخرين وأفكارهم، فنحن جميعاً في سفينة واحدة، وإذا رأينا من يخرق هذه السفينة فلابد أن نأخذ على يده، فحالة اللاأبالية، والتفرّج، هي حالة خطيرة تسبب أضراراً كبيرة لنا جميعاً.

إننا لا نعيش في العالم لوحدنا، فهو عالم واسع يعيش فيه المليارات من النفوس، ولدى كل مجموعة منهم أفكارهم ونظرياتهم، ولذلك لابدّ لنا من الانفتاح على تجاربهم وأفكارهم، فلابد أن نسعى لنغير حالتنا الفردية في التفكير والعمل، واتخاذ المواقف، لأن هذه الحالة تؤدي إلى نتائج معكوسة وخطيرة، ولذلك ينبغي التحول إلى الحالة الجماعية في أعمالنا وأفكارنا ومواقفنا، فالمنهجية الفردية، والحالة الحزبية الضيقة، أبعدتنا عن بعض، فعاش كل واحد منّا في وادٍ حتى تعرضنا للأخطار والمآسي والنكسات، وأدّى الأمر بنا إلى هذا الوضع الذي نراه في الأمة.

 إننا نعيش في زمن القهر والتخلف، زمن تحكمه شريعة الغاب، ومن هنا لابد من الرجوع إلى كتاب الله تعالى الذي فيه تبيان لكل شيء.

وحتى إذا انتصرنا، لابد أن نعود إليه لكي نعرف كيف نحافظ على مكسب الانتصار، لكي لا يصيبنا الغرور فهو عدونا بعد الانتصار، أما إذا أصابتنا نكسات مرحلية فإن عدونا هو اليأس والإحباط، والقرآن هو العلاج لكلا الحالتين، فلنعد إليه، ولننفتح على التأريخ، وعلى تجارب الأمم وعلى أفكار بعضنا البعض لكي نضمن بذلك الانتصار.


ارسل لصديق