عقبات أمام الاستثمار الصحيح للموارد الطبيعية
كتبه: أنور عزّالدين
حرر في: 2017/03/29
القراءات: 398

كثيرة هي الغرائز التي تولد مع الانسان وتكون متأصلة في ذاته، والبعض من هذه الغرائز ايجابي يمكن توجيهه في سبيل خير ونفع الانسان، والبعض الآخر منها سلبي يحتاج الى تشذيب وتهذيب خلال مسيرة النشأة والتكوين الحياتية.

ولعل غريزة الخوف هي من ضمن هذه الغرائز السلبية التي نلاحظها عند الانسان، فمنذ ان يفتح هذا الانسان بصره على نور الحياة بعد مغادرته لنعيم الرحم، تراه يصرخ باكيا حين الولادة، وهذا هو أول الخوف، وهو الخوف الغريزي الذي يتخذ صوراً متعددة على مدى الحياة وتطوراتها، فيصبح حينئذ هاجسا يعيشه في حياته، وهذا الهاجس هو الذي يحتاج الى التهذيب والتشذيب.

 

 الحيوان والنبات في خدمة الإنسان

في سالف الزمان حرّم الانسان على نفسه الكثير من الطيبات التي خلقها الله له، من نبت كثير، ومن لحوم الحيوانات في البر والبحر، كل ذلك بسبب هاجس الخوف الذي كان مستولياً على كيانه؛ الخوف من الطبيعة ومتغيراتها، والخوف من الكائنات الطبيعية من حيوانات وأشجار وسهول وجبال وبحار وانهار.

ويقول الباحثون في الطبيعة والتاريخ، ان الانسان كان في بعض العصور الغابرة يقدس ظاهرة من الظواهر الطبيعية متخذا منها رمزا لطقوسه العبادية ضمن اطار المجموعة التي ينتمي اليها، وقد اطلق أولئك الباحثون على هذا الرمز اسم «الطوطم»، حتى سمي ذلك العصر باسمه.

كما ان عصورا اخرى شهدت عبادة مختلف النباتات والأشجار والحيوانات حتى قيل ان البعض من الناس كانوا يعبدون الفأرة او الثعبان او حتى الخنفساء! وكل ذلك بدافع هاجس الخوف المتأصل في كيانهم آنذاك، فهم يتصورون انهم بعبادتهم هذه وسجودهم للموجودات الطبيعية الضخمة او الغريبة سوف يتجنبون شرها، فقد كانوا يعتقدون ان لكل منها شرا يتقونه بالتعبد لها.

وهكذا نرى ان عقائد الانسان القديم بنيت على اساس هاجس الخوف الذي كان يساوره، والغريب في هذه المعتقدات البالية هو ان اصحابها لم يكونوا يعمدون الى تقديس وتبجيل الخير وما هو سبب الرحمة والعطاء والرزق، في حين انه أولى بالتقديس والتعظيم، بل راحوا يقدسون مصادر الشر والأذى، فبعضهم بادر الى عبادة الشيطان وهو يعلم انه كائن شرير عدو له، معتقدا انه بعبادته له سيتركه وشأنه، ولن يتعرض له بالأذى والفتنة، وانه سوف يتخلص من شره بالتقرب اليه.

وانطلاقا من هاجس الخوف هذا، فان هؤلاء حرموا على انفسهم الكثير من الطيبات واللذائذ التي احلها الله من نبات مختلف انواعه ولحوم وصيد في البر والبحر، وهم لم يكتفوا بذلك فحسب وإنما راحوا يعترضون على صيد الحيوان وذبحه ويستنكرون ذلك أيما استنكار، في حين ان الله سبحانه خلقها لأجل هذا الانسان لتكون سبباً لبقائه واستمراره في الحياة كمصدر من مصادر الرزق، ومنح الحرية في ممارسة ذلك الا ما بلغ حد الإسراف والتبذير، فهذا مما حد من فعله ومنعه بالتحريم، ومن ذلك ـ مثلا ـ صيد اللهو، فهو حرام ان كان لمجرد التمتع من دون الاستفادة من لحم الصيد.

وقد ترتب على هذا التحريم أحكام في الفقه منها ـ مثلا ـ ما قيل حول اتمام الصلاة او قصرها في سفر صيد اللهو، ومثل صوم شهر رمضان، لان الله ـ سبحانه ـ يبغض اللهو والإسراف كما يقول: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا، (سورة الأعراف: 31).

وعلى هذا الأساس؛ هناك نوعان من عملية استثمار الانسان لمصادر الطبيعة مارسهما عبر تاريخه، وهما مرفوضان اساسا، احدهما وصول هذا الاستثمار الى مستوى الصفر او ما يقاربه بسبب الخوف من الطبيعة وموجوداتها.

أما النوع الآخر فهو الاستثمار المتجاوز للحد المعقول، وهو ما نسميه بالإسراف والتبذير، وهو ايضا مما لا يرتضيه الله ـ سبحانه ـ وترفضه الطبيعة الإنسانية السوية، فالميزان الصحيح هو الذي يعكسه قوله ـ تعالى ـ: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا، كذلك قوله: ﴿كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً، فالعمل الصالح هو تجسيد الشكر لله ـ سبحانه ـ على منحه تلك الطيبات.

ان الإسلام يرى ان هذه الحياة إنما خلقت وأوجدت وجعل كل ما فيها من نعم وخيرات لخدمة هذا الانسان وتحقيق منفعته، فينبغي استنكار ما يقوم به أولئك الذين يحرمون على انفسهم التمتع بطيبات الحياة وخيراتها، فعقيدتهم هذه مناهضة للفطرة الانسانية.

ويأتي هذا الرفض والاستنكار من خلال الآيات التالية من سورة الانعام التي ترسم لنا صورة التمدن الإسلامي: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوْ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}، (سورة الأنعام: 145ـ147).

 

 حرية لا تنتهك حقوق الآخرين

هذا الواقع الخاطئ نراه الى يومنا هذا عند اليهود الذين ما يزالون يحرمون على انفسهم الكثير من الطيبات، ولذلك فقد اتخذت ديانتهم إطارا محدودا وضيقا، وفي نفس الوقت الذي يحرمون فيه الكثير من الممارسات على انفسهم تراهم ينتهكون حرمات الله من خلال قتل الأنفس بغير حق، كما ويبيحون لأنفسهم اكل أموال الناس بالباطل، فيقولون: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ، (سورة آل عمران: 75)، أي انهم يرون انفسهم أحراراً في قتل كل من هو غير يهودي، وسفك دمه ونهب امواله وممتلكاته.

وانها لملاحظة في غاية الاهمية يجب ان لا تغيب عن أذهاننا؛ بأننا نرى تلك المجاميع الشاذة في تصرفاتها وسلوكها في الحياة وغير الملتزمة بالمفاهيم والقيم الخيرة في الحياة تتشبث ـ ومن اجل تبرير تصرفاتها وأعمالها غير المنطقية ـ ببعض القضايا السطحية الضحلة التي تفتقد لأي اساس وعمق.

وكثيرة هي هذه النماذج المتردية في واقعنا المعاش، فيما يحدثنا التاريخ القريب والغابر عن نماذج أخرى كثيرة مثل الخوارج، الذين كانوا يشكلون على تناول تمرة لا يُعرف صاحبها، فيقولون بحرمة تناولها، حتى ان احدهم راح ينتزعها من فم صاحبه الذي عثر عليها في الطريق، بينما لا يجدون حرجاً في قتل صحابي جليل وبقر بطن زوجته الحُبلى، فينتزعون الجنين من رحمها ويذبحونه ثم يذبحونها هي الاخرى!

إن الامة التي تفقد بوصلة القيم والمبادئ الرسالية، يضيع عليها جوهر دينها وعقيدتها، و إن تمسكت بذلك ظاهرياً، فلا ينفعها تمسكها هذا، لان الأعمال بالنيات النابعة من القلب الصادق، فالإنسان الصادق في عقيدته، الطيب القلب والنوايا تراه دوما مستقيما في مسيرته في الحياة، مخلصا ملتزما، لا يسير فيها سيرا عشوائيا.

ولو تأملنا قوانين الاسلام المتجسدة في سيرة النبي الأكرم، وأهل بيته، صلوات الله عليهم، لوجدنا مدى الانسجام بين هذه القوانين من جهة والطبيعة وفطرة الانسان من جهة أخرى، فالقاعدة التي ينطلق منها الاسلام في هذا الصدد لا تترك الانسان وشأنه في تحليل المحرمات، بل ان هذه المحرمات تشكل جزءاً يسيرا وضئيلا من بين النعم الموجودة في الحياة.

ولذلك فان القاعدة والأصل كما صرحت بذلك الاحاديث الشريفة عن المعصومين، عليهم السلام، هما: «كل شيء لك حلال حتى تعرف انه حرام»، ويعزز ذلك قوله ـ تعالى ـ: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً، (سورة البقرة: 30)، وهذه القاعدة شبيهة بالقاعدة الفقهية الأخرى بخصوص الطهارات والنجاسات حيث تقول هذه القاعدة: «كل شيء لك طاهر حتى تعلم نجاسته»، إذ الأصل أو القاسم المشترك بين القاعدتين هو الامتناع وعدمه سواء في الاستعمال أو الاستهلاك أو الانتفاع.

ومن الناحية المعنوية نفهم من تينك القاعدتين ان مجال الحرية مفتوح حتى يصطدم بحدود حرية الآخرين، فحينما يكون المجال مفتوحا وواسعا أمام الانسان، وحينما يتمتع بهذا القدر من الحرية، فانه سيمدّ بصره نحو الآفاق، ويولد وينمو فيه الطموح ودوافعه، لذلك فانه سيبدأ بالعمل والحركة والانتفاع، ويطور بمرور الزمن قابلياته وينمي أفكاره ويخلق ويبدع منطلقا في رحاب الارض الواسعة، وبهذه الحركة والنشاط والعمل تنشأ بعد ذلك الحضارة والمدنية المتقدمة المزدهرة.


ارسل لصديق