الحوزات العلمية.. مسؤولية التصدي والتجديد
(1-2)
كتبه: الشيخ عبد الحسن الفراتي
حرر في: 2012/05/04
القراءات: 1101

تعيش امتنا الاسلامية آفاق التحدي الحضاري، ومع تنامي الصحوة الاسلامية يزداد هذا التحدي عمقاً واتساعا.

فلا تزال آلة الحضارة الغربية الضخمة تواصل ضغوطها الثقافية، والاقتصادية، والسياسية وحتى العسكرية ضد الامة، وفي هذا الجو المحموم، تتصدر القضايا الاساسية قائمة الاولويات، ومن ابرزها البحث عن العلاقة بين الاصالة والانتاج.

ثم ان الغرب بهجماته المستمرة ضد الاصالة، شجع ويشجع المسلمين على الانطواء والانكفاء، ذلك لانهم يخشون ان تذهب تلك الهجمات بشخصيتهم المتميزة وتذوبهم في مصهرة الحضارة الحديثة.

وفي ظروف مشابهة، حيث كان المسلمون قد تعرضوا للهجمات الصليبية، ثم للاعصار التتري، انغلقوا على انفسهم وقاوموا أي تطور، بل و جمّدوا حركتهم الحضارية حفاظاً على شخصيتهم، ولكن السؤال؛ هل يمكن للمسلمين ان يفعلوا اليوم، ما فعله أسلافهم بالأمس، كما يحلو للبعض، حيث يبالغون في تكريم السلف الى حد التقديس، ويتشبثون بتقاليد الماضي الى حد الجمود؟ وبالمقابل؛ هل يمكن ذلك في هذا العصر المجنون في تطوره والعملاق في قوته التقنية والعملية، والنافذ في اغرائه وارهابه؟!

 

الحوزات والمعاهد.. الدور المفصلي

ويأتي الحديث عن المعاهد والحوزات العلمية، لتعاظم تأثيرها في الحياة بعد ان تفاعلت اكثر من اي يوم مضى، مع الظروف وتصدت لقيادة الامة في اكثر من بقعة. وقد تميزت المعاهد والحوزات العلمية بالاصالة حيث تخصصت في فقه الشريعة الاسلامية والعلوم التي تتصل به. وفي الظروف الصعبة التي مرت على الامة بعد تعرضها لهجوم غربي شامل، وقف العلماء ومن ورائهم الحوزات العلمية، يذودون عن حرمات الدين كالطود الشامخ، حتى انحسر الهجوم وعادت الامة الى وعيها وشخصيتها. وفي ذلك اليوم كانت الحاجة الى الاصالة اكثر من الحاجة الى الانفتاح والتطوير، أما اليوم حيث قررت الامة النهوض من سباتها ودخلت معركة التيار الحضاري، فان على المدارس الاسلامية ان تقوم بدورها الريادي في وضع البرنامج الرسالي الذي يواكب العصر واعطاء الزخم الحضاري اللازم لتنفيذ ذلك البرنامج.

وهكذا فان الحاجة الى التطوير والانفتاح على مكاسب ومعطيات العصر تزداد للقيام بهذا الدور، وكان لزاما على الحوزات العلمية، ان تقوم بدورين متكاملين: الاول: دور المحافظة على حدود الشريعة واصالة الامة، والثاني: تطوير الحياة وتنمية المجتمع، ومعروف مدى صعوبة الجمع بين هذين الدورين المختلفين، لكن ثراء تراث الامة ومرونة برامج الحوزات العلمية، كل ذلك كفيل بتجاوز هذه الصعوبة بعد التوكل على الله سبحانه.

وفي اطار فهم منطلقات المعاهد والحوزات العلمية، لابد من التأكيد على ان للحضارة الاسلامية خصائصها وقنواتها، ومن ثم علينا ان نتعرف عليها من خلال هذه الخصائص والقنوات. اذ لا يمكننا ان نجزئ حضارة قامت على اساس رسالات الله تعالى، فنأخذ منها بعضا ونترك البعض الآخر، او نلتزم بمحتواها دون الحدود، كما لا يمكن ان نعكس الامر فنتمسك بالظواهر دون المحتويات.

ومن ابرز خصائص الحضارة الاسلامية، هذه الحوزات العلمية التي لا ندعي انها التطبيق الوحيد لتعاليم الاسلام والافتراض الوحيد لاحتواء التعاليم. كما اننا لسنا ممن ينسب الكفر الى المعاهد والجامعات الاكاديمية، اذ ليس من مذهبنا التكفير واتهام الناس بالنفاق، بمجرد ان يخالفوا آراءنا او سلوكنا وطرقنا، فالاسلام دين السماحة، كما لا يجوز ان نحلل ونحرم حسب اهوئنا، فمن أعظم الذنوب ان ننسب حكماً الى الله تعالى، ونفتري عليه مالم ينزل به سلطاناً.

ومع ذلك فان ما نستوحيه من مجمل تعاليم الاسلام وسيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وآله واهل بيته عليهم السلام، هو ان الحوزات العلمية تمثل الوعاء الافضل لهذه التعاليم، والتطبيق الانسب لها، وان خريجي هذه المراكز المباركة قد نالوا الحظ الاوفر من الروايات الشريفة على لسان المعصومين عليهم السلام.
عن ابي عبد الله الصادق عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا الى الجنة، وان الملائكة لتضع اجنحتها لطالب العلم رضىً به، وانه يستغفر لطالب العلم من في السموات ومن في الارض حتى الحوت في البحر، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم في ليلة البدر، وان العلماء ورثة الانبياء وان الانبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ولكن ورثوا العلم، فمن اخذ منه اخذ بحظ وافر".

وعنه عليه افضل الصلاة والسلام: "انظرو علمكم هذا عمن تأخذونه، فان فينا اهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين".

وبالطبع، لا ندعي ان هذه المعاهد والحوزات الدينية منزهة عن الاخطاء والنقص وانها قد بلغت الكمال المطلق، ولانها على اية حال تمثل ارادة الانسان، ومن هنا انبرت الروايات الشريفة لوضع الشروط والحدود واطلاق التحذيرات ممن يدعي العلم والدين.

عن محمد بن يعقوب، عن علي بن ابراهيم، رفعه الى ابي عبد الله الصادق عليه السلام انه قال: (طلبة العلم ثلاثة فاعرفهم بأعيانهم وصفاتهم، صنف يطلبه للجهل والمراء؛ وصنف يطلبه للاستطالة والختل؛ وصنف يطلبه للفقه والعقل. فصاحب الجهل والمراء مؤذٍ ممار، متعرض للمقال في اندية الرجال، بتذاكر وصفة الحلم، قد تسربل بالخشوع، وتخلى عن الورع، فدق الله من هذا خيشومه، وقطع منه حيزومه. وصاحب الاستطالة والختل، ذو خبّ وملق، يستطيل على مثله من اشباهه، ويتواضع للاغنياء من دونه، فهو لحلوانهم هاضم، لدينهم حاطم، فاعمى الله على من في هذا خبره، وقطع من آثار العلماء اثره. وصاحب الفقه والعقل ذو كآبة وحزن وسهر، وقد تحنك في بُرنسه، وقام الليل في حندسه، يعمل ويخشى، وجلاً، داعياً، مشفقا مقبلا على شانه، عارفا باهل زمانه، مستوحشا من اوثق اخوانه، فشد الله من هذا اركانه، واعطاه يوم القيامة امانه".

من هنا؛ اذا اردنا ان نجدد حضارة الاسلام فلا بد ان نهتم بهذه الحوزات والمعاهد الدينية، مستمدين منها القوة والتوجيهات والتعاليم لحياتنا: هذه التعاليم التي استطاعت عبرها المحافظة على جوهر الاسلام و روحه خلال تلك الانعطافات التي كانت في مسيرة المسلمين على امتداد الف واربعمائة عام، ففي خلال تلك التطورات الهائلة التي حدثت عن المسلمين، والانحرافات التي غزت ادمغتهم، كانت الحوزات العلمية تتحدى وتقاوم وتبلور النظرية الاسلامية الصحيحة، ومن ثم فانها كانت تحافظ على جوهر الاسلام.


ارسل لصديق