الامام المهدي - عجل الله فرجه - .. الإيمان بالغيب ومواجهة مخاطر الإنحراف
كتبه: الشيخ عبد الحسن الفراتي
حرر في: 2013/07/11
القراءات: 1503

ان الحديث عن الامام المهدي الغائب - عجل الله فرجه- والسبب الموصل بين الله والانسان، وحبل الله المتين، يهدف - فيما يهدف- للكشف عن جوانب هامة لهذه الصلة المباشرة بين خلق السموات والارض وبين الانسان.

أن تتجسد هذه الصلة في انسان كامل لا يختلف في بشريته عن غيره، إلا انه حجة الله الذي تجلّت فيه رسالات الله، وصاغته بشراً كاملاً ليكون قدوة وإماماً، ولأن اخترعت البشرية رمزاً وهمياً للبطولة باسم «الجندي المجهول»، أو رموزاً آخرين ليسوا على أرض الواقع، إنما في الخيال، فان يد العناية الالهية صاغت انساناً من لحم ودم، ولكنه رمزٌ لكل فضيلة، ودليل كل سمو، وليكون حجة الله على الانسان، لكي لا يبرر تقاعسه عن بلوغ المقام المحمود بضعفه البشري .

 

* الغيبة.. التطلّع الى الخلاص

إن الايمان بغيبة الامام الحجة -عجل الله فرجه- وانتظار الفرج، هي سنّة الهية تجري على أساسها حياة المجتمعات كالسنن الالهية التي تحكم حياة الشعوب والأمم، مثل سنّة انتصار الحق، و دحر الباطل، وهي السنّة التي يثبتها القرآن الكريم: «وقل جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقاً» (سورة الاسراء /81) .

فما دامت السماوات و الارض قد خُلقت بالحق، وعلى اساس الحق، فان سلطان الحق وحاكميته وسيادته سوف يكون متوافقاً مع مسيرة الكون ونتيجة تكامل حوادثه باذن الله: «ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر إن الارض يرثها عبادي الصالحون» (سورة الانبياء /105) .

هذه الحقيقة التي أكدتها رسالات الله، ليست محدودة بقوم ولا محصورة بوراثة الصالحين بقطعة محدودة من الارض، بل هي بيان السنّة إلهية عامة تتحقق في ثورات الصالحين ضد الطغاة وتتحقق بصورة تامة في وراثة الصالحين لكل الارض والدليل على ذلك:

أولاً: ان الارض جاءت محلاة بالاف واللام، مما يدل على ان المراد بها كل الارض .

ثانياً: ان تأكيد القرآن على ان هذه حقيقة مكتوبة في اكثر من كتاب سماوي، لا يدعنا نشك في انها تشير الى سُنة الهية يسوق الله احداث الحياة وفقها حتى تتحقق بصورة كلية: «ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الارض ونُري فرعو وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون» (سورة القصص /605) .

ان تجارب البشرية  دلّت على ان المسيرة الطبيعية للنظام الحاكم في الارض، لن تصل بها الى تلك التطلعات السامية التي انطوت عليها نفوس البشر من تحقيق مدينة فاضلة تسودها العدالة ويحكم في ارجائها الحق بلا شريك .

إذن؛ ترسانات الاسلحة الذرية والكيمياوية ومؤامرات المستكبرين ضد مستضعفي الارض، وتقهقر البشرية الواضح في ميادين الفضلية والهدى، وتدهورها المرعب الى حضيض الفساد، لدليل واضح على أن السبيل الوحيد الى تحقيق اهداف الانسان هي رحمة الله التي أخرجت الانسان من الظلمات الى النور .

وتلك الرحمة، انما هي في ظهور الحجة الاعظم بقية الله، الامام الثاني عشر من اهل البيت، خاتم الانبياء وقدوة الصديقين عليهم جميعاً صلوات الله، والايمان بهذه الحقيقة الصادقة يبعث في قلوب المؤمنين شعلة خالدة من الأمل الذي يُعد (داينمو) الانسان في مسيرته التكاملية.. هذا الأمل، يختلف عن الأمنية بفارق السعي الذي هو شرط ضروري لتحقيق الأمل الالهي، بينما الأمنية تبرير للكسل والتقاعس.

إنه ذلك الأمل الذي ينتشل الرساليين العاملين، من ظلام الياْس الذي يبعثه الشيطان في نفوسهم باستغلال ظروف الارهاب والقلق والعجز المادي. ذلك الأمل الذي ينعكس على نظرات الفرد ومواقفه، فتصبغه بصبغة التفاؤل الايجابي، ويطرد روح التشاؤم والشك والسلبية والانهزامية التي تسعى أجهزة الطاغوت ووساوس الجبت ان تثبتها في روح العاملين(1) وربما لهذه الحكمة جاء في الحديث النبوي الشريف: «افضل اعمال أمتي انتظار الفرج» .

 

* تجربة الغيبة مع الانبياء

ان ظهور النبي عُزير -عليه السلام-  في الديانة اليهودية وعودة النبي عيسى – عليه السلام-  في الديانة المسيحية، ورجعة (بهرام) في المجوسية، سوف تتحقق جميعاً بظهور خاتم الاوصياء المهديين الامام الحجة المنتظر – عجل الله فرجه- وان تفسير خمسين آية قرآنية وعشرات الاحاديث المأثورة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، ومئات النصوص المروية عن أهل البيت عليهم السلام، يتم بظهور الامام الحجة - عجل الله فرجه-  .

لقد تواتر اكثر من ستمائة وسبعة وخمسين حديثاً في الامام المهدي عليه السلام،(2) وقد رواها أعظم اصحاب النبي صلى الله عليه وآله، وقد ألف علماء أهل السنّة حول ظهور المهدي - عجل الله فرجه-  اكثر من (144) كتاباً.(3) وأكد تواتر الحديث كثير من علماء المسلمين من مختلف المذاهب ونظن ان عقدة المسألة تتمثل في قضية طول العمل التي تبقى مشكلة نفسية امام الايمان لحياة الامام .

من هنا لابد ان نقول: اذا كانت ظاهرة الغيبة عامة، فالسؤال عن علّة الغيبة وسببها يكون سؤالاً عاماً ايضاً، كما ان هذا السؤال لا يختصّ بالامام المهدي - عجل الله فرجه-  اذ يجب ان يُقال لماذا غاب عيسى بن مريم؟ (4)

لذا؛ فالغيبة ليست حالة استثنائية تفرّد بها الامام المهدي - عجل الله فرجه-  حيث يشير القرآن الكريم في مواقع متعددة الى ظاهرة الغيبة في حياة الانبياء والاولياء فلعل الانسان اذا قرأ القرآن الكريم بهذا المنظار يجد هنالك اشارات كثيرة في مواقع متعددة، إلى فكرة الغيبة، وما يتعلق بالامام المنتظر. فقد بين لنا القرآن الكريم ان هناك غيبة لنبي الله موسى بن عمران – عليه السلام- كما تقول الاية: «وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه اربعين ليلة وقال موسى لاخية هارون اخلفني في قومي واصلح ولا تتبع سبيل المفسدين» (سورة الاعراف /142).

اذن غاب موسى وهو من الانبياء العظام، أربعين يوماً، واذا كانت غيبة قصيرة فهنالك غيبة  أخرى أطول يذكرها القرآن الكريم، فقد غاب نبي الله عيسى – عليه السلام- عن قومه، بل غاب عن البشر جميعاً، وما يزال، فقال تعالى «وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبه لهم» (سورة النساء / /158) .

والملفت ان عيسى بن مريم – عليه السلام- الذي يعيش حالة الغيبة الى الآن، تؤكد الروايات عن المسلمين كافة انه سوف ينزل عند ظهور الامام - عجل الله فرجه-  ويُصلي خلفه، منها ما رواه البخاري في صحيحه: ج 4 ص143 كتاب «بدء الخلق» ومسلم في صحيحه : ج 1 ص94، وابن حيان في صحيحه : ج 15 ص 213، عن ابي هريرة انه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «كيف انتم اذ نزل ابن مريم فيكم و إمامكم منكم..» و روى احمد في مسنده: ج 3 ص 368 عن جابر: «واذا هم بعيسى فيقال : تقدم يا روح الله، فيقال ليتقدم إمامكم فليصل بكم..».

والسؤال؛ كيف نجزم أن (النازل) عيسى بن مريم – عليه السلام- وهو (غائب) وهو مأموم، أما الامام الذي يصلي خلفه النبي عيسى – عليه السلام- لا يحق له ان يكون (غائباً) !!

كذلك يُثبت القرآن الكريم غيبة نبي الله يونس بن متى – عليه السلام-  «وذا النون اذ ذهب مغاضباً فظن ان لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين» (سورة الانبياء /87)، فيقول بعض العلماء انه بقي اربعين يوماً في بطن الحوت وغاب عن الناس، وعاش عالم الاسماك والبحار، فهل قدح ذلك في نبوته وانتفت عنه بسبب هذه الغيبة ؟!

ويتحدث القرآن الكريم، عن غيبة اهل الكهف ويقول: «ولبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعاً» (سورة الكهف /25)، أي غابوا ثلاث مائة عام حسب السنوات الشمسية وثلاث مائة وتسعة اعوام حسب السنين القمرية .

 

* فلسفة الغيبة

وعن فلسفة الغيبة لابد ان نقول: ان غيبة الامام المهدي - عجل الله فرجه-  تمثل شكلاً من اشكال التمحيص والابتلاء الالهي للعباد، حيث بين القرآن الكريم ان الابتلاء الالهي سنة الله في عباده ويقول: «أحسب الناس ان يُتركوا ان يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين» (سورة العنكبوت /302) .

لهذا ينبغي ان يغيب موسى – عليه السلام- ففي الرواية ان الله تعالى أوحى الى موسى: «أن يا موسى قد فتنت قومك قال وبماذا يارب ؟ قال : بالسامري.. فلو كان موسى -  عليه السلام- موجوداً ولم يغب عن قومه، لم يكن هنالك دور للسامري، لكن غيبته هي التي فسحت امامه المجال ليكشف حقيقته وما في مكنوناته !

وكذلك الحال بالنسبة للامام الكاظم عليه السلام، فاذا لم يغب في ظلمات السجون، كيف كانت تظهر شخصيات مُضللة و أنانية، مثل «علي بن حمزة البطائني» الذي كان من اصحاب الامام الصادق والكاظم عليهما السلام، ثم وقف وتزعّم «الواقفية» بعد غياب الامام الكاظم عليه السلام، وكذلك زياد بن مروان القندي، وعثمان بن عيسى الرؤاسي، الذين فضلوا الوجاهة والمال على الولاية والإيمان.

ثم ان مخطط الغيبة الالهي، يعد خير وسيلة تربوية للبشرية، فنحن نعيش حالياً عهد الغيبة، بمعنى (عهد الفقدان)، كما جاء في دعاء كميل:

«ولابكين عليك بكاء الفاقدين»، فيقوم البار تعالى بتربية البشر وينمي فيهم الكمالات النفسية والفكرية والعملية بالغيبة، فتكون الغيبة بحد ذاتها، وسيلة تربوية صارمة، فنحن نشعر في الزمن الحالي بالفقدان، وهذا له اثر نفسي كبير على الانسان، ولا سيما عندما يجتمع ملايين من المؤمنين في شرق الدنيا وغربها عبر العصور المختلفة ويقرؤون «دعاء الندبة»، بتفجع وتألم على فراق الامام المنقذ فهذا يُعد برنامجاً روحياً وتربوياً و وتعبوياً للبحث عن سبب اختفاء وغيبة القائد عن أتباعه والموالين له.

كما ألمحنا سلفاً عن ظهور شخصيات معروفة بالزهد والاخلاص وصحبة الأبرار، مثل السامري في عهد نبي الله موسى – عليه السلام- وابن حمزة البطائني في زمان الامام موسى الكاظم عليه السلام، وابو مسلم الخراساني مؤسس الدولة العباسية الذي استغل موضوع روايات غيبة الامام المهدي - عجل الله فرجه-  والرايات السود.. كذلك في زماننا، وهو زمن الغيبة الكبرى، ربما يظهر بين فترة و أخرى شخصيات تبحث عن دور لها بـنبش) بعض الروايات، علها تنطبق عليهم لكي يغرروا بالناس البسطاء ويمرروا نواياهم ومخططاتهم ويحققوا مصالحهم الخاصة.

هذا التحدي، يُعد من أخطر التحديات التي واجهتها الحوزة العلمية، خاصة وان اكثر الذين ادعوا (المهدوية) او رؤية الامام، أو ادعى البعض أنه (اليماني) او (مبعوث الامام).. كانوا قد انخرطوا في سلك الحوزة العلمية، ولكن بمجرد افتضاح أمرهم وخروجهم أو طردهم من هذا السلك المبارك، تتضح مدعياتهم الباطلة، كما تكشفهم الأمة التي لن تستغني عن سيرة وكلمات القرآن الكريم والمعصومين عليهم السلام.

ان توظيف قضية الامام المهدي - عجل الله فرجه-  لاهداف خاصة، اخذت ابعاداً اجتماعية وسياسية وحتى مخابراتبة، وهذا يتوجب على علماء الدين ورجال العلم في الحوزة العلمية ان يبينوا للناس معالم وعلائم الظهور والارتباط بالامام الغائب - عجل الله فرجه-  بالطرق المشروعة وإلا سوف يتم توظيف هذه القضية المباركة - بسبب جهل الناس- للقضايا السلبية التي تتخبط بها الساحة الاسلامة، فتبعد الناس عن قضاياهم المصيرية والمركزية او تشيع افكاراً فاسدة كادعاء ضرورة إشاعة الفساد لتعجيل ظهور الامام! فكل هذه تعد منافذ لاعداء الامة لتوظيفها لمصالحهم المشؤومة.

--------------------

1- المرجع المدرسي : (النبي وأهل بيته .. قدوة وأسوة) – ص 516.

2- العلامة المجلسي: (بحار الأنوار)- ج 51 ، 53- وكتاب: (منتخب الأثر)- ص 31 – 60.

3- تجد أسماءهم في كتاب (الامام المهدي) ص 299- 313.

4- الفقيه الراحل آية الله السيد محمد رضا الشيرازي – قدس سره-: (لماذا الغيبة)- ص 13.


ارسل لصديق