الرؤية القشرية وغياب (أولي الالباب) وراء ضياع الفرد والمجتمع
كتبه: حسين محمد علي
حرر في: 2012/07/09
القراءات: 1877

من الحالات التي يعالجها القرآن الكريم في نفس الانسان، حبّه للظواهر وابتعاده عن الاساس والجوهر، وواضحٌ جداً، حكمة البارئ عزوجل في هذه الالتفاتة الكريمة، أن يشير على الانسان الى ما يحفظ حاضره ومستقبله في آن، في وقت نجد هذا الانسان يحاول المكابرة، ويقتصر في رؤيته الى الحياة على ظواهر الامور، فاذا كانت جذابة ومثيرة وتلبي رغباته، آمن بها، وإلا فلا.. ولذا نجد القرآن الكريم يوجه الخطاب بشكل خاص الى «أولي الالباب» في ست عشرة آية كريمة، منها الآية الكريمة: «يؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ» (سورة البقرة /269)، والذين يقصدهم القرآن الكريم، هم أولئك الذين لا يقتصرون على المظاهر، إنما يبحثون عن الجذور والمضامين و الحقائق.

و ليرَ الانسان.. اذا اراد اصلاح بيته – مثلاً- فهل يكتفي بالطلاء البراق والنقوش الجميلة على الجدران والسقوف، وهو يعلم ان أساس بنائه مهزوز وضعيف؟ انه لن يتمكن من الجلوس تحت سقف هذا البيت، لانه يعلم بعدم وجود ضمان وأمان لئلا يسقط عليه السقف او يهوي الجدار، او في اقل الفروض تسرب المياه من الشقوق وغير ذلك..

والقرآن الكريم يحدثنا عن الحياة برمتها، حيث حياة الفرد والمجتمع، وما يتخللهما من نوازع نفسية و إرادات وتفسيرات لمختلف شؤون الحياة. وهذا ما نلاحظه في الآية الكريمة التي تقرن عمران المسجد الحرام، وليس بناءه بالكامل، مع الايمان بالله تعالى.. «إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ» (سورة التوبة /19)، فالبناء الظاهري للمسجد مهما علا وكبر، ليس أمراً مقدساً في الاسلام، بقدر ما يكون روح المسجد وفاعليته هو المهم و المطلوب، وكذلك الحال بالنسبة للصلاة التي «عمود الدين إن قُبلت قبل ما سواها وان رُدت رد ما سواها» ، ولا يحدثنا القرآن الكريم عن ظواهر الصلاة إلاّ قليلاً، انما يبين لنا اهمية جوهرها وحقيقتها. فخلال قراءتنا و تدبرنا في آيات الذكر الحكيم حول الصلاة، نجد الدعوة الى الخشوع: «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ» (1-2/ المؤمنون)، وفي آية اخرى يحذرنا القرآن الكريم: «فَوَيْل لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ» (4-5 الماعون)، أي ان الويل والثبور لمن يغفل عن صلاته بسبب انشغاله بامور اخرى. أو أولئك الذين يجعلون من صلاتهم مجرد (ديكور) و مظهر دون محتوى، فهي لا تنهاه عن الفحشاء والمنكر، ولا تقربه الى الله تعالى.. ربما يكون البعض من المصلين، لكنه لا يزكّي ولا يعمل الصالحات، بل و يرائي ويتكبر على الناس من خلال هذه الصلاة، ان صلاة كهذه اشبه بصلاة الجاهليين التي تحدث عنها القرآن الكريم: «وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً» (الانفال/ 35). وكذلك الامر بالنسبة الى الزكاة،  فالزكاة التي تدفع لغير سبيل الله، لن توفق في رفع حالة الفقر عن الامة، ولا تحقق المساواة في المجتمع، وهكذا سائر الاحكام والممارسات العبادية والدينية، فالقرآن الكريم، ومن بعده النبي الاعظم واهل بيته صلوات الله عليهم، ومن بعدهم العلماء الاخيار، يؤكدون على أهمية ومحورية بناء الحقائق والأسس، وليس الاكتفاء بظواهر الامور.

الإصلاح في ميدان (الاخلاق)

اذا كان الحديث احياناً عن (الاخلاق) كمفردة ومفهوم ديني عظيم، فانه بالحقيقة يتجسّد في الجوهر واللباب وليس بظواهر الامور وبعض الممارسات والاعمال الظاهرية، مهما كانت كبيرة وجذابة. فالخلق بمعنى جوهر الانسان. من هنا نجد التأكيد الشديد على قيم (الاخلاص) في القرآن الكريم والسنة الشريفة، يقول الحديث الشريف: «يا بن آدم.. اخلص العمل فان الناقد بصير بصير». وقد أكد البارئ في غير آية كريمة: انه «عليم بذات الصدور».. 

من هنا علينا أن نُصلح انفسنا في كل الميادين، ولاسيما في ميدان (الاخلاق)، ونعود الى الجذور ونبحث في الاساس. ربما يكون الظاهر البرّاق والجذاب، احد عوامل الكسب السريع، كما هو الحال في المنتجات الغذائية والدوائية وغيرها من السلع الضرورية، فان تسويق السلعة مع العناية بالظاهر وحسب، يعني اننا سنخوض عالم الغش والتدليس وأكل مال الحرام. وفي ميدان الثقافة، على أهل البيان والقلم أن يكون الحديث في سبيل الله، ويخرج من القلب ليدخل الى القلب مباشرة، وإلا لن يجد طريقه الى ارض الواقع، وهذا كان واقع بعض الجاهليين الذين عاب عليهم القرآن الكريم مقارنتهم سقاية الحجيج وعمارة المسجد الحرام، وهي الكعبة المشرفة، مع الايمان بالله والجهاد في سبيله: «أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ *الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ» (التوبة/ 19-20)، فما الفائدة من توزيع البعض الطعام والماء للحجاج في موسم الحج، ثم يعود بعدها الى ظلمه للناس واخذه الربا والرشوة وغيرها من الانحرافات والموبقات..؟ 

أسباب  وعلل وراء قسوة القلب

ان الاشهر الثلاثة العظيمة: رجب الأصب وشعبان المعظم ورمضان المبارك، تمثل بالحقيقة فرصة عظيمة لا تعوض لأن يؤوب الانسان الى جذوره واصله وفطرته، ويقارنها بالممارسات والمواقف التي يتخذها كل يوم، بل في كل ساعة، فان كانت متعارضة او متباعدة، عليه فوراً النظر في الاسباب والعلل، وكيف حصل ذلك..؟!

ومن ابشع الانحرافات التي نلاحظها اليوم، قتل الاطفال خلال الحروب الاهلية والنزاعات المسلحة التي يقع فيها المدنيون غالباً ضحية بين الطرفين، ومنها ما حصل في مدينة (الحولة) في سوريا، وما يحصل في العراق، وفي فلسطين وافغانستان، وغيرها من البلاد الاسلامية، حيث يقتل الاطفال والمدنيون بدم بارد، لكن هذا لن يحقق للقتلة إلا الزوال والابادة عاجلاً أم آجلاً.. ومثال ذلك الدولة الاموية التي كانت معروفة بقوتها العسكرية والسياسية، لكن الذي هزّ اركانها وهدمها، سهمٌ واحد..! هو ذلك الذي أصاب نحر الطفل الرضيع الذي كان في حجر أبيه الامام الحسين عليه السلام ظهر يوم العاشر من المحرم، وفي كل المقاييس والمعايير، لم يكن هنالك أي مبرر لقتل هذا الطفل الذي كان يطلب الماء وحسب.

وبعد مرور حوالي اربعة عشر قرناً من الزمان على تلك الحادثة المريعة التي ما تزال تهزّ الوجدان الانساني، هل يعتقد أحد اننا نخلو من أشباه (حرملة)..؟! من المؤكد ان ذلك المشهد لن يتكرر، لكن الممارسة قائمة، كما نجد في تاريخنا وحاضرنا الكثير من اشباه (حرملة)، في العراق وسوريا وبقاع اسلامية اخرى. فهل نظرنا الى السبب والعلّة وراء هذه الظاهرة الغريبة والبعيدة عن الانسانية..؟ 

خير من يجيب على هذا التساؤل الكبير؛ الامام الحسين عليه السلام، الذي كان لا يكل ولا يملّ عن نصيحة أهل الكوفة وجيش بن سعد، لئلا يلطخوا ايديهم بدمه، لكنهم بالمقابل اخذوا يضربون الطبول حتى لا يسمعوا كلامه، فقال عليه السلام حينئذ: «لقد مُلئت بطونكم من الحرام».. إذن؛ علينا أن نعي ونحذر ونأخذ العبر و الدروس، فحينما تكون الرشوة أساس النظام الاقتصادي لبلد بأكمله ، وحينما يكون الدجل وبيع الضمير اساس التعامل في ذلك النظام، وحينما يسرق الناس بعضهم بعضاً و يخدع بعضهم بعضاً، ويعمّ الغش والتزوير والاحتيال. فمن الطبيعي ان تمتلئ البطون بالحرام، وهذا بدوره يؤدي الى  قسوة القلوب، واذا قست القلوب انحسرت الاخلاق. لذا على الانسان ان يفكر دائماً في مصدر اللقمة التي يعطيها لاولاده واهله، وكذلك في المال الذي يبني به بيته وحياته. لان المال القادم من الرشوة والاحتيال والكذب على الناس، يكون تماماً مثل السمّ الذي يدخل ذرة واحدة في الجسم، ثم ينتشر ليقضي عليه.

في العراق نلاحظ – للأسف- ظاهرة التطاول على الاحكام والاخلاق في التعاملات التجارية والادارية، علماً ان الجميع كانوا في عهد الظلم والطغيان يدعون الله للخلاص من تلك المحنة العظيمة، لكن ما أن يأتي طوق النجاة من الله تعالى، اذا بالبعض، ومن اجل حفنة من الاموال ، التي هي بالحقيقة زيادة على حاجة الانسان، يعمل كل شيء ولا يتورع عن ارتكاب أي شيء. ثم لاننسى أن مسؤولية انحرافات كهذه تقع على الجميع.. فالراشي والمرتشي والساكت عما يرى والمشجع عليه.. كلهم شركاء في الخطيئة، وهذا المآل والذنوب المتراكمة، هي التي تجلب النقم الالهية علينا، وهي التي تزيل النعم، وتمنع السماء قطرها وترتفع البركات، ومن ثم قد تفجّر البلد في واقعه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، اذا لم يتم تدارك الامر ومعالجته جذرياً.

حل مشاكل العراق من الصميم

ان الازمات السياسية في العراق يمكن حلها على طاولة الاجتماعات، ومن خلال الحوار والتشاور مع الحكماء والعلماء، ومن غير المقبول والمعقول أن يبقى الانسان ظمآناً الى جانب الماء، وفي العراق الرموز العظيمة التي تمثل القمة في الحكمة والقيم والمبادئ السامية. نحن الى جانب الامام علي عليه السلام، الذي يُقسم أنه لو أعطي الاقاليم السبعة على ان يسلب نملة صغيرة جلب شعير ما فعل.. ثم ان في العراق علماء افذاذاً و شعباً كريماً. كل هذا، يدعونا لان نأخذ العبر والدروس من الماضين الذين حكموا وغنموا في حياتهم القصيرة والزائلة، لكن نهاية الغرور والطغيان لم تكن سوى حفرة في القبر ولعنة الناس اجمعين. فقد ملّ الشعب العراقي وسئم الوعود والممارسات الترقيعية الظاهرية، إنما ينتظر ممن انتخبهم أن يوسعوا رؤيتهم للواقع وينظروا بإمعان الى جوهر وأساس المشاكل الموجودة لايجاد حل لها، ثم مساعدة هذا الشعب الطامح للوصول الى المراتب العليا من التقدم والازدهار. 


ارسل لصديق