الوحدة والتعايش و تحقيق السلم الاجتماعي
كتبه: الشيخ عبد الحسن الفراتي
حرر في: 2013/10/23
القراءات: 2605

ان السلام والتعايش لا يعني غياب الصراعات والحروب فحسب، وانما يتطلب أيضاً عملية تشاركية ايجابية تشجع على الحوار، ومن خلالها تُحل الصراعات بروح التفاهم والتعاون، إذ ان الربط بين «الثقافة» و»السلام»، أمر في غاية الاهمية، وهو ضرورة حيوية لترسيخ السلام في عقول البشر، قبل استتبابه على الارض، ولتعزيز الثقافة البانية للانسان وللحضارة.

ان السلام الحقيقي القائم على اسس العمل والتفاهم والتعايش والاحترام المتبادل، هو الذي يدعم الثقافة ويفتح امامها الجيال الواسع للابداع في مختلف المجالات، في ظل الحرية وتكافؤ الفرص، كما ان مفهوم ثقافة السلام من المفاهيم الجديدة التي عززت منظومة مفاهيم الفكر الانساني المعاصر التي تُعد من روافد القانون الدولي.

هذه القيم والمواقف وانماط السلوك واساليب الحياة، تتفق جميعاً مع التوجهات الاسلامية، وليس فيها ما يمكن الاعتراض او التحفظ عليه، مما يؤكد للباحثين المنصفين، أن الاسلام كان رائداً وسباقاً الى توجيه الانسان نحو الحياة الكريمة التي تسود فيها قيم الخير والصلاح والتفاهم والتعايش والسلام.(1)

في هذا الخضم، يمر عالمنا الاسلامي - والعالم العربي بالذات- بمرحلة خطيرة ودقيقة جداً، والتي يحاول فيها الغرب الاستكباري ان يحدد مستقبل الشعوب الاسلامية لقرن من الزمن او اكثر.

 

* مكائد المستكبرين

لقد استطاع هذا المستكبر أن يحدد مصير الامة الاسلامية خلال القرن العشرين، بما حبكه من مكائد ودسائس في أواخر القرن التاسع عشر، والتي بلغت أوجها في الحرب العالمية الاولى، عندما تمكن من إيهام القادة والزعماء العرب اثناء هذه الحرب وقبلها أن بامكانهم ان يثوروا على الدولة العثمانية والاستقلال عنها، ثم وانشاء الخلافة العربية، وكانت النتيجة ما يعرفه الجميع، وهو تقسيم البلاد العربية في الشرق نتيجة اتفاقية «سايكس بيكو» واحكام القبضة الاستعمارية على بقية الدولة الاسلامية في افريقيا بما فيها دول الشمال الافريقي، وعلى الشعوب الاسلامية في الشرق الاقصى. وهذا الامر كلف المسلمين غالياً، حيث انطلقت ثورات تحريرية في كل مكان، من اجل الاستقلال والحرية والوحدة، اذ رغم كل صنوف القمع واساليب القهر كان الجميع في العالم الاسلامي يمتلك مشاعر واحدة، في الحاجة الى الى الحرية والوحدة والتضامن. وقد تحقق التحرر، ولكن بصورة شكلية، لأن الاستعمار عرف كيف يتسلل من جديد و يحكام القبضة اقتصادياً وسياسياً وحتى ثقافياً، بالتحالف مع النخب التي صنعها والتي تلتقي معه في المصالح والافكار.

واليوم، حيث بدأت الشعوب تتحرك من جديد، فقد تحرك التحالف القديم بين النخب العميلة والدوائر الاستكبارية والمخابراتية.. وبما ان المسيرات والتحركات تنطلق بداية من المساجد و الزوايا والحسينيات، كما هو ملاحظ، فان المخطط هو استهداف الاسلام مرة أخرى بوسائل القمع والتهميش والمحاربة بوسائل عديدة، مثل نشر ثقافة التكفير والتصفية الدموية!

ومما لا شك فيه، إن مما يثير حفيظة اعداء الاسلام قديماً وحديثاً هو:

أولاً: الدين الاسلامي، مع كونه ديناً يقاوم ويجاهد، إلا انه منفتح ومتفتح ويتجه الى الناس جميعاً.

ثانياً: دين يدعو الى العدالة الاجتماعية ومحاربة الاستغلال والاحتكار والربح غير المشروع.

ثالثاً: دين الشورى والديمقراطية ومحاربة الاستبداد والطغيان.

رابعاً: دين للناس كافة.. من هنا جاءت محاربته للعنصرية والعصبية والطبقية والطائفية والمذهبية الضيقة.(2)

 

* دولة الرسول (ص) .. رمز الانسانية

ان دولة الرسول الاكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، جامعة لكافة الاجناس، لذا يشعر الجميع بدفء عدالة الاسلام، وانهم يستظلون بروح الاخوة الاسلامية، فكانت مشاعرهم متجاوبة، وأحاسيسهم متوافقة مع هذا الدين الحنيف، فحققوا بذلك قول الرسول، صلى الله عليه وآله وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد..»، فكان المسلم في الشرق يألم الما يصيب أخاه المسلم في الغرب، كما كان أخوه يبادله نفس الشعور، وكان هذا الشعور يحقق تضامناً ايجابيا بين المسلمين، فكنت ترى حشودا من المجاهدين تندفع للتطوع في جيش الاسلام، لرد كيد الاعداء وحماية دعوة الخير، وصيانة العقيدة من المتحاملين عليها .

كما ان الدعوة الاسلامية، هي دعوة عالمية عقدية، كما انها عالمية وحضارية، ويصعب الفصل بينهما، إذ الفصل بينهما هو مسار الصراع بين الناس اليوم، هذه الدعوة الانسانية العالمية، هي التي اشار اليها الكاتب والباحث مرسيل بوازر، في كتابه «إنسانية الاسلام»، فيقول في كتابه:

«ان الاسلام، بوصفه ديناً ومنهجاً اجتماعياً في وقت واحد، لابد أن يفصح بشأن العالمية عن خصائص شتى تبعاً لأربع وجهات نظر محتملة: الوجهة الماورائية، والوجهة الدينية، والوجهة الاجتماعية، والوجهة السياسية.. ولا يمكن بالطبع ان ينتج عن هذه الرؤى الاربع مفاهيم متباينة تبياناً اساسياً، لأنها صادرة عن مصدر واحد، غير ان التعبير عن الفكرة يمكن ان يتنوع بوصفه رد فعل منطقياً على وضع من نوع خاص». (3)

 

* مخطط طائفي -  تكفيري

غير ان خصوم الاسلام لم يقتنعوا بما وصلوا اليه من نتائج، بل استمروا في تآمرهم، و واصلوا العمل في إعداد المؤامرات وحبك الدسائس وافتعال الازمات لمزيد من التمزّق والتشضّي بين المسلمين، وبمرور الزمن دبّ الوهن والفتور الى النفوس، فضعفت الروابط التي تجمع الامة الاسلامية على الخير، وغلبت الطائفية على كثيرين، وتحكم التعصب لهذا المذهب او ذاك، فشجع ذلك الاعداء والخصوم على الامعان في حبك خيوط التآمر وتوسيع الشقّة، فنُسبت الاقوال لهذا الطرف او ذاك، كما تم تأليف الكتب والمقالات، ونظم القصائد و إسنادها الى غير قائلها إذكاءً لنار الفتنة وزيادة في تعزيز عوامل الفرقة والشتات، وساهمت وسائل الاعلام الحديثة كالانترنيت والفضائيات وصفحات التواصل الاجتماعي في إشعال الاجواء اكثر من قبل، فضلاً عن فتاوى التكفير و الذبح..!

فرغم اندحار الصليبيين، فان النتائج المترتبة على هذه المعارك لم تكن في مستوى الانتصار الذي حققه المسلمون، بينما شكلت هذه المرحة، نقطة تحول في الحياة الدينية والعقلية لدى الغربيين، فانها بالنسبة للمسلمين انتجت عكس ما كان مأمولا، اذ اتجه المسلمون الى التواكل، و إهمال الوسائل الكفيلة بنهوضهم واستعادة الوحدة التي اصيبت في الصميم. (4)

ولذلك، فلا نستغرب ان يظهر ذلك في التصريحات التي يدلي بها قادة بعض البلدان الغربية في مراحل مختلفة، فهم اعتبروا احتلال البلدان الاسلامية هو استمراراً للحروب الصليبية! وهو ما صرح به الجنرال البريطاني «اللنبي» الذي هتف بعد انتزاع فلسطين من الدولة العثمانية ومن المسلمين نهائياً: «اليوم انتهت الحروب الصليبية».

ولا يزال هذا النهج هو الذي يسير عليه الغرب، فكلما ظهرت بارقة أمل في توحيد الصف الاسلامي واستعادة المسلمين لشعورهم الاصيل في الوحدة والمصير والعيش المشترك، كلما تحركت العناصر التي تعمل في الظلام، لمواجهة احتمال اليقظة والنهضة، و أبرز شاهد على ذلك، قمع ثورة شعبية منتصرة تعيش أجواء الحراك والربيع العربي، كما هو حاصل في البحرين والمنطقة الشرقية من العربية السعودية بعد إلصاق تهمة «الطائفية» عليها، او محاولة اسقاط نظام مقاوم لاسرائيل تحت ذريعة «الديمقراطية» في الوقت الذي تعيش بلدان اخرى مجاورة لهذا البلد التخلف السياسي والبداوة في نظام الحكم. وفي الآونة الاخيرة، حيث برز الشعور الاسلامي متأججاً في النفوس، كانت النتيجة، ما نشاهده اليوم من إحياء النعرات القبلية والقومية التي عفا عليها الزمان، و إذكاء نار الحرب الطائفية، كما نراهم يعيدون شعارات يعلمون جميعاً إنها من وضع المتآمرين على المسلمين منذ القدم. وهكذا نرى الاقلام من هذا الجانب وذاك، قد صُقلت لرمي الاطراف بعضها ببعض بالكفر والالحاد والمروق عن الدين، كما نشطت حركة التأليف الطائفي، و وقع البحث عن الاقوال الشاذّة في هذا المذهب او ذاك، لنشرها و إذاعتها بين الناس، واذا كان من يفعل ذلك عن حسن نية واعتباره قربة يتقرب بها الى الله، فإن النتيجة - والوضع السياسي على ما هو عليه- لن تكون في صالح وحدة المسلمين على أي حال. بينما لا أحد يبحث اليوم عن إجماعيات المروي عن الرسول الاكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، التي تسمو فوق الطائفيات، مثل قوله، عليه الصلاة والسلام:

«المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يدٌ على من سواهم».

 

* التعايش مع غير المسلمين

ولم تقتصر المعارك الطائفية بين المسلمين، بل امتدت بنفس الثقافة المتطرفة، تزعزع التعايش المشترك بين المسلم واهل الكتاب، متناسية قوله تعالى: [آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ] (سورة آل عمران/ 64)، وقوله تعالى: [وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ] (سورة العنكبوت /46).

بل من أوجه التعايش الاجتماعي، جواز زواج المسلمين من نساء أهل الكتاب، وايضاً جواز طعامهم، و جواز طعام المسلمين لهم، كما قال تعالى: [الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ]. (سورة  المائدة /5).(5)

 

* الحج.. مؤتمر التعايش والوحدة

وهب الله تعالى، والشريعة المقدسة، أمة الاسلام وخاتمة الرسالات الالهية، تشريعاً مباركاً، له الدور الاكبر في وحدة الصف بين المسلمين كافة، وتدعيم ركائز التعايش الاخوي بين جموع المسلمين كافة، من خلال هذا المؤتمر الوحدوي - الالهي، التي تبرز اجلى منافعه عبر التعارف والمعايشة الايجابية في الديار المقدسة، و أداء طقوس الحج التي تزخر بالدروس والعبر.

ان تخلّي الحاج عن ملابسه المعتادة للإحرام، وارتداء قطعتين من القماش الابيض الخالي من المخيط، يمثل أبرز صورة وأروع صورة للتوحّد والتعايش، ونبذ التمييز بين الناس، سواءً من الناحية القومية او الاجتماعية، والانطلاق من مواقيت الإحرام، صوب الكعبة المشرفة، حيث مهبط الوحي التي أرسى قواعدها رجل التوحيد الاول، ومهدم الاصنام ابراهيم الخليل عليه السلام، فتشتمل على دروس التلاحم والمؤاخاة والمواساة.

كما ان الطواف حول الكعبة المشرفة، والصلاة خلف مقام ابراهيم، يشكل تكريماً وتعظيماً لمقامات الاولياء والصديقين في كل بقاع الارض، وفي الوقت نفسه تحدياً لكل محاولات النيل من هذه المقامات وايضاً الأضرحة المقدسة، من قبل رجال التكفير.

و السعي بشكل جماعي بين الصفا والمروة، هو سعي الى الله تعالى، بمعية المسلمين كافة، وفي تشريع الافاضة من عرفات والمزدلفة، وفي أعمال منى، يؤكد الرب تعلى على ضرورة الحركة الجماعية المنسجمة توقيتاً وموقعاً وذكراً، حيث يقول تعالى: [ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] (سورة البقرة / 199).

ان شعيرة الحج افضل نموذج يقدمها الرب تعالى لنا في هذه الدنيا للتزود بالشعائر الالهية، التي هي من تقوى  القلوب،  لتحقيق المستوى الثقافي والاجتماعي والسياسي المتقدم وبشكل موحد، ثم لتكريس قوله تعالى: [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] (سورة آل عمران / 110).

---------------

1/ كلمة منظمة (الايسيسكو) لمؤتمر الوحدة الاسلامية في طهران.

2/ الاسلام دعوة عالمية ورسالة انسانية للتعايش والتعاون- محمد السويدي.

3/ أنسانية الاسلام - ص172- الترجمة العربية  ط اولى/ 1980.

4/ الاسلام دعوة عالمية - المصدر السابق.

5/ التعايش الاجتماعي للمسلمين مع غير المسلمين - د. احمد عمر هاشم- جامعة الازهر.


ارسل لصديق