الحوزات والمعاهد الدينية: مسؤولية التصدي والتجديد «2-2»
آفاق التجديد
كتبه: الشيخ عبد الحسن الفراتي
حرر في: 2012/07/11
القراءات: 1191

مازال يدور في خلد الكثيرين ضرورة تنظيم الحوزات وفق الاسس التي تتطلبها المرحلة الراهنة، مواكبةً مع تطورات العصر وتقدم الزمان، ومنذ اكثر من خمسين سنة مضت، تتردد هذه الدعوة من قبل كبار العلماء ومازالت تتكرر مرات ومرات. 
ومن هنا كان على كل منأوتي حظاً من الحكمة ونصيباً من العلم، ان يُدلي بدلوه في هذا المجال، ويبدي خبرته وفكرته ورأيه بمايتناسب واهمية هذا الموضوع عسى ان يتحقق باحسن وجه.
فقهاؤنا في الحوزات كانوا يصنعون المعاجز، او ما اشبه المعاجز في معالجتهم لأدق المسائل العلمية والفلسفية والفقهية والتشريعية والاصولية، ومن يقارن بين الفقه الاسلامي الذي تطور على ايدي فقهائنا الاجلاء، وبين الفقه الغربي، يجد البون الشاسع بينهما، كما ان من يدرس علم النفس او علم الاخلاق عند علمائنا، يدرك ان فهم الغربيين في علم الاجتماع او النفس او العلوم الانسانية لايمكن ان يبلغ فهم علمائنا.
من هنا؛ فان اهتمامنا بتنظيم الحوزات العلمية لا يعني ابدا الانتقاص من قيمة هذه الحوزات، او تجاهل دورها الكبير والفعال في تطوير العلم وفي الابقاء على جوهر الحضارة الاسلامية.
وهنا نود ان نشير الى بعض آفاق التجديد والتطوير في الحوزات العلمية:

أولاً: الاستقلالية عن  أصحاب النفوذ والثروة

رغم ان هذا الافق، من الآفاق الاصيلة والعميقة تاريخياً في عمر الحوزة العلمية، الا انه مازال ينبض بالحيوية، ويخضع بين الفينة والاخرى للجدل والنقاش والدعوة الى اعادة صياغته وبلورته من جديد. ويكتسب أفق استقلالية الحوزات اهمية كبيرة،نظراً الى ان مرتكزات العلم والتفقه والبحث في هذه المؤسسة، ترتبط بشكل مباشر وشبه مباشر بكتاب الله المجيد وبصائر الوحي ومن هنا فان اي عامل سياسي او اقتصادي او ما شابه يمارس ضغطا على مناهج وسلوكيات الحوزة ورجالاتها، فهو بمنزلة ناقوس خطر قد يهدد الدين ومقوماته برمته.
أما على صعيد معاهدنا في عالمنا الاسلامي، فينقل آية الله الشهيد مرتضى المطهري (رحمه الله) عن احد علماء ايران، الذي انتخب ضمن لجنة التقريب بين المذاهب الاسلامية، انه زار مصر بعد (ثورة يوليو) عام 1952 في مصر، ولدى دخوله الى مكتب امام الازهر الشريف الشيخ محمود شلتوت، تفاجأ برؤية صورة جمال عبد الناصر معلقة في غرفة امام الازهر، وفوق رأسه، فسأله: سماحة الشيخ..! كيف تعلق هذه الصورة وانتم و مقامكم الديني وما تعرفون من صراع زعيم القومية العربية جمال عبد الناصر مع الاسلاميين في مصر..؟! فأجاب الشيخ شلتوت:متبسماً و ملوحاً باصابعه، القضية، فلوس..!! فأجابه رجل الحوزة الشيعي قائلا: وهذا هو الفرق بيننا وبينكم،نحن الشيعة، نوفر المال من بركات فريضة الخمس، ومنها نغطي حاجة حوزاتنا وطلابنا مالياً، ونمنع تدخل الحكومات في شؤوننا!
ولكن عاد الجدل بعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران حول هذا الموضوع، فقد أوصى مؤسس الجمهورية الاسلامية الراحل آية الله العظمى السيد روح الله الموسوي الخميني بضرورة بناء الحوزة ومناهجهاالمألوفة بعيدة عن الحكومة، وكذلك تأكيده على ربط موقوفات المذهب السني ومدارسه في ايران ضمن نطاق قانون الوقف، واستمرار صرف رواتبهم، ويرى بعض الفقهاء ان الوضع يختلف بعد انتصار الثورة الاسلامية.
بينما نقرأ رأياً آخر لأحد علماء الدين في ايران.. ففي معرض اجابته على سؤال وُجه له من مجلة «البصائر» الفصلية عام 1985بشأن العلاقة الصحيحة التي ينبغي ان تقوم بين الدولة الاسلامية، والحوزة العلمية، وعلاقة علماء الدين بمؤسسات الدولة يقول سماحةآية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني ما نصه: «هذا السؤال كان من المنطقي طرحه قبل نجاح الثورة الاسلامية في ايران، أما بعد نجاحها فلا مجال لطرحه..! اذ ان الحوزة العلمية تعد الان وفي ظل الوضع الجديد، جزءاً من الدولة الاسلامية، والذراع الفكري لها، خاصة اذا عرفنا ان الدولة الاسلامية يقودها فقيه اسلامي جامع الشرائط، وان نظام الدولة هو الاسلام، وهو يحتاج،خاصة في جملة مؤسساتها ومرافقهاـ الى مختصين في العلوم الاسلامية كمجلس الشورى والقضاء وقسم الاعلام وغير ذلك).
اما سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي،فقد أخذ منحى آخر بالاجابة على نفس السؤال: «اننا نعتقد ان الحوزات العلمية ينبغي ان تكون دائما مستقلة عن الدولة، حتى عن الدولة الاسلامية، وان تحتفظ بطابعها الشعبي، وهذا لا يحول دون اعداد العلماء والفضلاء لاحراز المناصب السياسية في الدولة الاسلامية».

طلبة الحوزة وأموال النفط العراقي

وبعد سقوط الصنم في العراق بتاريخ 9/4/2003 م وصياغة نظام جديد لإدارة الموقوفات والشؤون الدينية، بقي هذا الهاجس يراود الكثيرين،نظراً الى ان الاخوة في الوقف السني يعنون بمجمل الشؤون من الموقوفات والمزارات والمساجد وكذلك المدارس الدينية وطلابها. فيما انبرى الوقف الشيعي للاهتمام بشؤون المزارات والموقوفات دون الحوزات وطلابها، كون المرجعية الدينية في العراق احدى مقومات الامة وصمام أمانها، ولايمكن ربطها بدائرة حكومية.
غير ان وضع طلاب العلوم الدينية بقي كما هو عليه، فالطلبة في مدارس ابناء العامة يصلهم من واردات النفط العراقي، الى جانب ريع الموقوفات التابعة للوقف السني، بينما طلاب الحوزات العلمية حرموا حتى من كونهم فئة اجتماعية مستحقة كباقي الفئات من الحقوق والاستحقاقات، مثل توزيع الاراضي والضمان الصحي والاجتماعي. والمشكلة تكمن في الخشية من احتمال هيمنة الحكومة على شؤون الحوزة والتدخل في منهاجها وضرب استقلالها.

ثانياً: ضرورة تعميق الصلة بالقرآن الكريم والنصوص الدينية 

ينبغي ان يكون الاتجاه في الحوزات والمعاهد الاسلامية على نحو الاتصال الاعمق والاقوى بالنصوص الشرعية، فنحن لا نريد ان ننزع انفسنا من واقعنا المتخلف لنعلقها في الفراغ، انما ننتشلها من هذا الواقع الفاسد، لنربطها بالواقع الحضاري المتكامل، وهو واقع القرآن الكريم وسيرة الرسول الكريم واهل بيته عليهم افضل الصلاة والسلام.

علينا ان نتمثل سيرة نبينا (ص) واصحابه المخلصين وسيرة ائمتنا وحوارييهم، فنستلهم هذه السيرة ونحاول تطبيقها في حياتنا، كما علينا ان نعود الى النصوص القرآنية ونكثر من قراءتها ونحاول تفسيرها والتدبر فيها والاتعاظ بها، فنجعل القرآن شعارنا، ونعيش في واقعنا معه، لا ان نتخذ منه دثاراً نتدثر به في اوقات الحاجة، وكذلك الحال بالنسبة الى الاحاديث.
ان دراسة المتون المتداولة قد شغلت حوزاتنا عن دارسة المتون الاخرى، وكأننا لسنا بحاجة الى دراسة نهج البلاغة او الصحيفة السجادية.. وكأن وصايا ائمتنا عليهم السلام ووصايا السابقين من علمائنا التي من شأنها صياغة الشخصية الاسلامية والايمانية المتكاملة، لا تعنينا اساسا.

ثالثاً: توثيق العلاقة بين النظرية والتطبيق:

لابد من ايجاد العلاقة الوطيدة بين ما يدرس في الحوزة، وما تتطلبه الظروف الجديدة والامور المستحدثة، فليس كل علم نافعا، وليس كل تعليم مطلوبا، فلابد ان نجعل الحاجات العلمية اساسا للتعلم، فلكي نعمل علينا ان نتعلم، ولذلك لا يجب ان نتعلم الا ما ينفع عملنا.
إن من أولى واجبات المدارس الدينية لدى استقبالها لطالب العلم، أن تدعوه ومنذ اليوم الاول، الى الارتباط بالناس والبدء بنشر العلوم الدينية في منطقته، لا ان يعد السنوات تلو السنوات، حتى يفكر بالتبليغ، لان هذا التسويف هو مدعاة للتقصير ونسيان العلم والتواني والتكاسل في العطاء للامة، ثم ان التبليغ ينبغي ان يبدأ من مستوياته البسيطة على الناس لكي يتمرن الطالب ويكتشف الاسلوب الامثل للدخول في قلوب المجتمع لاسيما الصغار في السن.

رابعاً: الاهتمام بالبحوث الاستراتيجية والدراسات العليا

من الضروري الاهتمام بالبحوث والدراسات العليا التي تحتاجها الامة الاسلامية، وثمة عناوين أساس ومثيرة في هذا المجال: هل للإسلام القدرة على ردم الفجوة القائمة بين العالم الثالث والعالم المتقدم؟ وكيف يمكن تحقيق التنمية الاقتصادية في هذا العالم المتداخل اقتصاديا؟
ازاء هذا الوضع نرى اهتمامات علمائنا انصبت على مسائل فرعية لا تخلو من اهمية، ولكنها قد اشبعت بحثا ودراسة من قبل علمائنا السابقين، كالبحث عن الحقيقة الشرعية، واجتماع الامر، والنهي، والدلالات اللفظية وما اشبه ذلك من موضوعات لايمكن ان يضيف اليها الباحثون الجدد الا القليل، في حين ان مسائل اخرى اكثر اهمية ظلت مهملة في حوزاتنا، من قبيل التنمية الاقتصادية والتربية الاسلامية، وإضافة الى ذلك،وهنالك تساؤل اخر: هل للاسلام اسلوب وطريق معينان لاسقاط الطاغوت واقامة حكم الله في الارض؟ لقد قدمت دراسات معدودة حول هذا الموضوع، بل حتى بعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران، لم تصدر دراسة وافية وعميقة في هذا الشأن.
لو اتجهت الحوزة العلمية بهذا الاتجاه، لافادت العالم الاسلامي الكثير، ولو تأملنا الرواية الشريفة عن الامام الحجة عجل الله فرجه، وبالذات عبارة «واما الحوادث الواقعة...» لوجدناها واقعية في قوله عجل الله فرجه: 
«واما الحوادث الواقعة فارجعوا بها الى رواة احاديثنا»،فالمشاكل المستحدثة والجديدة، والقضايا التي لم تحصل سابقا، تحتاج الى استنباط كما قال الله تعالى:»واذ إِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلً» (سورة النساء /83). فالاستنباط لايكون إلا في الامر الجديد وفي القضايا الحديثة التي تطرح لاول مرة، او القضايا التي نحن بحاجة ماسة الى تحديد حكمها.

خامساً: الاهتمام بروح المبادرة 

ينبغي ان نخلق قدوات صالحة للمجتمع، فالذي يؤثر في الانسان، هو القدوة الحسنة لا الحديث والموعظة: «كونوا دعاة لنا بغير السنتكم»، كما يقول الحديث الشريف،ولاريب ان الحوزات والمعاهد العلمية كانت ناجحة في هذا المجال، ولكن ينبغي الاهتمام اكثر، كالاهتمام بتزكية النفس والاخلاق الحسنة كالتواصي والتكافل وما شابه ذلك من امور، لو اهتمت الحوزات العلمية بها، فإن ثورة ثقافية بل موجة حضارية سوف تنبعث من تلك الاراضي المباركة التي احتضنت الحوزات العلمية.
ومن اجل النجاح في هذا المسعى، لن نكون بحاجة الى قانون يصادق نواب البرلمان، انما نحن بحاجة الى ثورة تنبع من داخل الحوزات العلمية.
في كثير من الاحيان نجد انفسنا بحاجة الى حركة ذاتية، والى روح المبادرة، فالحوزات العلمية بحاجة الآن الى حركة جذرية ذاتية تنبع من ضميرها، وتسد النقائص الموجودة فيها، اما اذا انتظرنا الآخرين لكي يأتوا الى الحوزات ويصلحوها، وعلى حساب استقلالها، فهذا ليس بالعلاج الجذري؛ لان استقلال الحوزات، اهم إرث ورثته الاجيال السابقة من فقهائنا الابرار (رضوان الله عليهم).


ارسل لصديق