الحوزة العلمية .. والريادة في التغيير
كتبه: الشيخ عبد الحسن الفراتي
حرر في: 2014/05/04
القراءات: 940

من الواضح، أن الدين هو مشروع لتغيير حياة الامة، فالاسلام لم يأتِ ليغطّي البعد الفقهي أو العقائدي أو الروحي فحسب، وإنما هو مشروع لتغيير حياة المجتمعات بكاملها، فهو معني بكل الابعاد التي تهمّ حياة الامة، كما تضم أيضاً الابعاد العقائدية والفقهية والفكرية، اضافة إلى الابعاد الادارية والاجتماعية والعلاقات الدولية مما يهمّ الانسان في حياته.

ومن الملاحظ في القرن الأخير، أن المجتمعات الغربية، لم تنشأ فيها مرجعيات لبناء الامة في هذه الابعاد المذكورة، أو اذا نشأت فإنما تكونت في أطر ضيقة كالكنيسة التي شهدت تراجعاً عن قيادة المجتمعات، فتقدمت عندئذ الجامعات لتتبنى حركة التغيير الى الامام هذا في العالم الغربي.

أما في مجتمعاتنا الشيعية، فقد كانت الحوزات في القرون الماضية تُعنى بجميع الجوانب والمجالات، وتعالج وتدرس مختلف التخصصات، الى جانب العلوم الدينية، كمجال الرياضيات والطب والهندسة والفلك وغيرها..، ولكن في مائة السنة الأخيرة التي دخلت فيها الجامعات الغربية مجتمعاتنا، انفصلت هذه العلوم، ولأسباب موضوعية، عن كيان الحوزة شيئاً فشيئاً، وان من أهم هذه الاسباب أن الحوزات ترتكز في دراستها لتكلم العلوم على البعد التجريدي، في حين ان هذه الاختصاصات ترتكز على الاساس التجريبي.

في ضوء ذلك، تمحّضت الحوزات في اطار تفسير الدين، فكانت مهمتها الاساسية تفسير الدين، ونعني بالدين: تلك المنظومة المتكاملة التي عُنيت بها الآيات والروايات، أي الدين في إطاره العام، فكان نتاج تلك الطبقة آنذاك شاملاً لجميع العلوم، فكان من يكتب الفقه، هو الذي يكتب في العقيدة والتفسير والاصول وهكذا، كما نلاحظ ذلك في تراث الشيخ الطوسي والسيد المرتضى والشيخ المفيد والعلامة الحلي والمحقق الحلي وأضرابهم.

إذاً، دور الحوزات العلمية هو أنها المفسر الرسمي للدين ومصدر تحديد النظريات الدينية، فمن يريد فهم الدين لابد ان يسأل هذه الجهة الرسمية، فهي في هذا تشبه المراكز والجامعات المعنية بتفسير الامور العلمية التجريبية.(1)

 

* أفكار لابد أن تغيير

من هنا يمكن لنا القول أنه؛ لا يمكن تحقيق المشروع التغييري في الامة إلا من خلال اجراء عملية التغيير في داخل الحوزات العلمية، ولا تغيير في الحوزات العلمية الا بإجراء تغييرات في الفرد والجماعة، وقد تشمل عدة أمور:

أولاً: القناعات

فما لم تتغيّر القناعات والمفاهيم والافكار، من الصعب إجراء تغيير عملي على صعيد الواقع، مثلاً يجب تغيير الفكرة التي تقول أنه: «لا مشكلة في الحوزة»، فلو بقيت هذه الفكرة في الاوساط الحوزوية، لايمكن اجراء اصلاح مناهجي فيها.

كما يجب تغيير الفكرة القائلة: «إنَّ الحوزة افضل من أيّ مؤسسة علمية اخرى في العالم بحيث لا تحتاج إلى أحد..»، كما يجب تغيير الفكرة القائلة: «إنّ المشاكل كلها يمكن حلّها بالرجوع فقط إلى الآيات والروايات دون مساعدة العقل الانساني في وضع الخطط والبرامج».. إلى غيرها من عشرات الافكار التي تعشعش في الوعي الحوزوي العام، رغم تراجع الكثير منها في العقود الأخيرة.

إن الكثير من الفشل يكمن في وجود مفاهيم مُعيقة للتقدّم، ولهذا يكون الاصلاح الفكري مقدمةً لزحزحة هذه المفاهيم، كي يمكن بعد ذلك السير في خطى التقدّم والرقيّ، وربما يكون هذا هو ما قصده بعض فقهائنا الكرام، من ذهابهم الى ان اصلاح الثقافة الحوزوية الشائعة يجب ان يسبق اصلاح النظام التعليمي.

 

* الاهتمامات والقدوات

ثانياً: الاهتمامات

فما لم تصوّب اهتمامات الطلاب والاساتذة والكادر العام، فمن الصعب اجراء تغيير حقيقي.

فمثلاً؛ اذا سيطر الاهتمام الفقهي والاصولي، على اهتمامات الحوزويين، شكَّل كارثة، لأنه سوف يتسبب بتلاشي العلوم الدينية والانسانية الاخرى كالعقائد والاخلاق والعرفان والتاريخ والسيرة والمنطق وعلوم القرآن والحديث، وغيرها، فضلاً عن الدراسات الجديدة، كما أنَّ تركيز الاهتمام كلّه على الصراع مع تيَار بعينه في الامة - كالتيار السلفي مثلاً - يوجب ضمور طاقاتنا أزاء سائر الجبهات كالتيار العلماني مثلاً.

فمـــــــن الضــــــروري رفــــــع مســــــتوى الاهتمامات والطموحات من جهة، وايجاد تنويع فيها وتوزيع للأدوار، بحيث تقدر الحوزة، نتيجة ذلك على تغطية مساحة اكبر من مجريات الساحة.

ثالثاً: القدوات

 وهذه نقطة خطيرة ولها حساسيتها الداخلية، فيجب أن تحدد للطلاب والاساتذة، القدوات التي ينبغي الاتصاف بما تحلّت به من صفات حملتها الى مراقي النجاح، وايضاً الاستفادة من تجاربها في مختلف مناحي الحياة.

وقبل هذا وذاك؛ فان القدوات المُطلقة هم المعصومون لا غير، وكلّ من سواهم يكون الاقتداء به مقيّداً، وما نريده هو تعميم أكثر للقدوات النافعة لنا في هذا العصر.

وهذا لا يعني بني فكرة «القدوة الذي لا يخطئ»، أو أننا لا نختلف معه في بعض افكاره أو في كثير منها، أو أنّ ما أتانا به - علماً وعملاً- صار كافياً لنا، إنَّما نبحث في «القدوة»،  الاساس الصالح للانطلاق نحو المزيد من التطوير والتقدم، وهذا ما يجعل ارتكاب الخطأ في تحديد القدوة أمراً بالغ الخطورة، وينطوي على عواقب وخيمة.

 

* الانفتاح لازمة الحوزة الناجحة

رابعاً: المهارات

 إن الحوزة العلمية اليوم بحاجة، إلى ثورة في المهارات على مختلف الصعد ذات الصلة بعملها ونشاطها، للخروج بجيل فاعل ونشط وحركيّ وفياض بالعمل والانتاج، فتغيير المهارات من مبادئ التطوير ومن مجالاته ايضاً.

خامساً: العلاقات

 ينبغي إحداث تغيير في شبكة العلاقات، فبدل أن تظلّ علاقات الطلاب منحصرة ببعضهم البعض، لا سيما في مرحلة تصديهم للبحث والدراسة في الحواضر العلمية الكبرى التي يسافرون إليها مثل مدن النجف الاشرف وكربلاء المقدسة وقم ومشهد المشرفتين، ينبغي المواظبة دائماً على مدّ جسور العلاقات مع شرائح علمية مختلفة من الجامعيين، و أهل الشعر و الادب، والفن والتجربة لتتسع مداركهم وعقولهم، وكذلك سائر الحوزات في العالم.

وقد لاحظنا في الفترة المتأخرة - ومع الاسف الشديد- كيف أنَّ طالب العلم صار يبني شبكاته الاجتماعية على اساس الانتماءات السياسية والفكرية والثقافية، فتقلصت علاقاته حتى في الداخل الحوزوي، وهذا ما يساعد على المزيد من ضيق الأفق.

ان السفر الى خارج محيط الحوزة ضرورة بالغة.. فكم هي مفيدة تنظيم رحلات علمية - استكشافية لطلبة العلوم الدينية، للتعرف على الأزهر في مصر، أو جامعات ماليزيا او تركيا او الشمال الافريقي وغيرها، في سبيل الاستزادة من التجارب والعبر، وتحقيق المزيد من التواصل بين المسلمين، وتحديداً بين علمائهم. وربما تشمل وجهة الرحلات، مراكز العلوم الدينية في الغرب، فيكتسب الطالب المزيد من المعرفة و يثبت في المقابل حضوره حيث يذهب.

سادساً: التخصصات والمواد الدراسية

وذلك يكون عبر اضافة مواد جديدة إلى المنهج الحوزوي لا تقف عند الفقه والاصول، بل يضاف إليهما علوم القرآن والحديث، والتفسير والتدبر، وعلم الرجال وعلم التاريخ والسيرة، وتاريخ العلوم الاسلامية وعلم المنطق القديم والحديث والاسلامي، والفلسفة بمعناها الواسع الشامل للفلسفة الوجودية والمطلقة، وعلم الملل والنحل والاديان والمذاهب القديمة والحديثة، وغيرها، لتكون هذه المواد الدراسية مع الطالب بحيث يمكن التخصص فيها، وتقام لها في الحوزات مراحل الدراسات العليا والبحث الخارج ايضاً.

ان فتح مجال التخصص في الدراسات الدينية، أمرٌ بالغ الاهمية، وقد أخذت الحوزة العلمية منذ عقد من الزمن بالتوجه نحو هذا المشروع الكبير، وهي تواجه مشاكل متعددة في هذا السياق، كفقدان الكتب الدراسية المخصصة لهذا العلم او ذاك، وفقدان العدد الكافي من الاساتذة لتغطية عدد الطلاب المنتمين الى هذا الفرع الدراسي او ذاك.

من جهة أخرى، لابد ان يطال التخصص، الفقه وعلومه ايضاً، فهناك مجالات في الفقه نفسه تحتاج الى تعمّق وتخصص كالفقه السياسي، وفقه الدولة، والفقه الاجتماعي، والقواعد الفقهية، وتاريخ علم الاصول، وعلم الفقه، والقانون والتشريع والحقوق العصرية، والفقه والاصول المقارن داخل المذاهب والاديان بين الاسلامي والوضعي، وغير ذلك.

إن التخصص لا يعني ان يصير الانسان جاهلاً بالمجالات الاخرى، فهذا المفهوم نعارضه في الدرس الحوزوي لخصوصية الملفات البحثية الدينية، بل يعني أن يحمل الانسان في حياته ملفات يركز جهده عليها، ويتناول البقية بطريقة أخف.

الى جانب ذلك، هناك الموادّ المساعدة التي تساعد الباحثين على تحقيق موضوعات الاحكام وغيرها، مثل علوم الفلك، والطب، والرياضيات، وقضايا الاقتصاد، والبيئة وغير ذلك مما كان العلماء المتقدمون يهتمّون به ويدرسونه، كالهيئة والرياضيات والطب وغيرها، مما يحتاج بعضهم الى دورات سريعة، وبعضهم الى برامج سنوية او نصف سنوية، مثل اللغات.(2)

بناءً على ما تقدم، فان إقامة الندوات والمؤتمرات، و ورش العمل، واجتماع مدراء الحوزات العلمية، وتشكيل المخيمات البحثية والادراية في مجال النهوض بالحوزات العلمية، تماشياً ومواكبة لتطورات العصر وتحدياته المرحلة الراهنة، تأخذ موقعاً وحيزاً مهماً في مشروع التغيير المؤمل إيجاده في حوزاتنا العلمية.

ففي الظروف الصعبة التي مرت على الامة بعد تعرضها لهجوم غربي شامل وقف العلماء ومن ورائهم المعاهد والحوزات الاسلامية يذودون عن حرمات الدين كالطود الشامخ حتى انحسر الهجوم وعادت الامة الى وعيها وشخصيتها، وفي ذلك اليوم كانت الحاجة الى الاصالة أكثر من الحاجة الى الانفتاح والتطوير، ولكن اليوم حيث قررت الامة النهوض من سباتها ودخلت معركة التيار الحضاري، فان على المعاهد والحوزات الاسلامية ان تقوم بدورها الريادي في وضع البرنامج الرسالي الذي يواكب العصر واعطاء الزخم الحضاري الكافي لتنفيذ ذلك البرنامج..(3) بإذن الله تعالى.

------------------

1/ تطوير منهجية البحث العلمي في الدراسات الحوزوية، في حوار مع مجلة فقه اهل البيت(4)/ العدد(35)/ 2011.

2/ التغيير والتطوير في الحوزة العلمية/ موقع (جنوبية)/ د/ حيدر حب الله/ 2013.

3/ كتاب (المعهد الاسلامي.. بين الاصالة والتطوير)/ المرجع السيد المدرسي/ من المقدمة.


ارسل لصديق