المجتمع الفاضل في القرآن الكريم
كتبه: أنور عزّالدين
حرر في: 2014/05/05
القراءات: 903

لعل الهدف الأبعد والأسمى للشرائع الإلهية، والتي اكتملت بالقرآن الكريم، هو صنع المجتمع الفـــــــــاضل في الأمــــــــة المتفوقة والمتقدمة.

يمكن تصور هكذا مجتمع ايماني حينما تسوده العلاقات الايجابية والاخــــــــلاق الطيبة، وآنذاك تنبثق سلطة صالحة، لأن القاعدة العقلية بهذا الصدد تؤكد أنه «كيفما تكونوا يولّ عليكم»، هذه السلطة الصالحة ستعين المجتمع على إستشراف الحق والتمسك بالصلاح ووصوله الى الهدف المنشود، {..وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} (سورة الاعراف آية 58)

وكانت الانطلاقة العظيمة من الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، عندما جاهد حق الجهاد في سبيل صياغة الامة التوحيدية، ولا تزال تلك الصياغة تتردد اصداؤها في كل مكان.

وما عند المسلمين من نعمة في العصر الراهن، إنما هي شعبة من تلك النعمة الكبرى.

في «سورة الفرقان» الآيات من (67- 75).

يحدد القرآن الكريم ثلاثة أسس وقيم يقوم عليها المجتمع الفاضل والناجح:

 

* الأساس الاول: النظام الاقتصادي

بما ان الاقتصاد يُعد أحد اركان الحياة لــــــــدى الشعوب والدول، فان الاسلام يقدم صورة متكاملة للاقتصاد الناجح الذي يكون فيه الفــــــــرد والمجتمع في بحبوحة من العيش الكريم، وفق القاعــــــــدة القرآنية: {لا تظلمون ولا تظلمون}، والقــــــــــــــــاعدة الفقهية: (لا ضرر ولا ضرار) ومن ابرز مقومات الاقتصاد الناجح، هو تكريس ثقافة الإنفاق بين افراد المجتمع.

والانفاق لا يُقصد بالضرورة دائماً أعطاء المبالغ المالية للفقراء، إنما ينصرف الى أبعاد واسعة في حياة الفرد والمجتمع، لذا جاء التنظيم لهذه القيمة المقدسة من خلال التقويم.. {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}.(سورة الفرقان آية 68) ويبدو ان لا حدود شرعية لمدى الإسراف والإقتار في أغلب الحالات، لأن الله تعالى، جعل عقل الانسان هو الذي يحدد طبيعة الإسراف والإقتار، وهذه الأهلية والقدرة على التقويم تُعد من صفات «عباد الرحمن» التي جاءت في سياق الآيات المباركات.

هنا يبدو اننا أمام عملية توازن في التصرف والسلوك، وفق ميزان من الحكمة، فالتصرف الحكيم في مسألة العطاء يُعد من عوامل نجاح النظام الاقتصادي السليم، بمعنى أن الاسلام يهدف الى تربية الفرد الصالح في أجواء مجتمع صالح، وضمن نظام اقتصادي فاضل، لأن مثل هذا النظام هو الذي يضمن حياة سليمة، نظراً لأن النظام الاقتصادي يؤثر مباشرة على حياة الفرد والمجتمع، حتى أن كثيراً من تصرفات الفرد في الحرب والسلام تعود في حقيقتها الى افرازات النظام الاقتصادي.

فحينما يستشري الطمــــــــع والاحتكار والغــــــــش وأكل المال الحرام، من جهة، ومن جهة اخرى التطرّف في الانفــــــــاق لتحقيق اهداف غير نبيلة، لايمكن تصور حياة اجتماعية هانئة للناس، وما هذا الاضطراب الحاصل في عالم الاقتصاد، حيث الناس في العالم، بين آكل ومأكول، إلا دليل على الفوضى والضياع.

 

* الاساس الثاني: الانسان

هنالك علاقة بين انتهاك حرمات الانسان في نفسه وماله وعرضه، وبين الشرك بالله تعالى.. هذا ما تبينه لنا الآية الكريمة في سياق الحديث عن معالم المجتمع الفاضل، و"عباد الله" {الَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا}. (سورة الفرقان آية 68)

ومــــــــن الواضح أن الانسان - في شرع الله - محترم مهما كان عنصره ومذهبه وانتماؤه الجغرافي، فالحرمة سارية في كل الاحوال، إلا ان يعمد هذا الانسان نفسه الى انتهاك هذه الحرمة، فيكون عقابه استلاب الحياة منه، بمعنى أن الحق هو الذي يشرّع مدى حرمة الحياة والنفس.

لكن كيف يؤدي الشرك بالله الى الانزلاق نحو القتل والاعتداء على الاعراض واستلاب الاموال؟

رغــــــــم تخصيص القــــــــرآن الكريم آيات كثيرة جداً لموضوع الشرك وعبادة غير الله، إلا ان هذا الموضوع لم يحظ بكبير اهتمام من قبل الدارسين والباحثين في الشــــــــأن القرآني، ذلك لأن الحكام الطغاة، لا يجدون حرجاً في الحديث عن التوحيد وعن ايجابيات الدين، ولكنهم في الوقت ذاته يتوقفون عند الحديث عن المحرمات والحدود الإلهية، لأنهم في الحقيقة يرون الحديث في الشقّ الثاني مساساً بسلطتهم ومصالحهم السياسية.

جاء في الحديث عن الامام الصادق، عليه السلام، «إن بني أمية أطلقوا للناس تعليم الإيمان، ولم يطلقوا تعليم الشرك، لكي أذا حملوهم عليه لم يعرفوه». (1)

وهكذا كان معاوية ينهى الصحابي الجليل أبا ذر الغفاري، من تلاوة الآية التي تمسّه عند قصره في الشام، فقد كان منهجه مصداقاً للآية الكريمة التي تنهى عــــــــن اكتناز الذهب والفضة، وتهديد أولئك الذين لاينفقونها في سبيل الله، بعذاب أليم ..

وللحقيقة نقول: اننا مثقلون بالثقافات الشركية التي تميل بنا الى تحاشي الحديث عن الشرك، لان هذا النوع من الحديث غالباً ما يمسّ افكارنا وبعضاً من ممارساتنا، أما الحديث عن الايمان فليس فيه بأس عندنا.

وهذا يُعد ظاهرة خطيرة في الثقافة العامة، بل هو سبب لعشرات الانحرافات التي ينزلق نحو البشر.

ولكن ما هو الشرك؟ وما هي حقيقته؟

واضح ان من يسجد للصنم مشرك، ومن يعتقد بإله مع الله مشرك أيضاً، ومن يؤمن بعدم الفارق بين الخالق والمخلوق، وأن كليهما أزلي، فهو الاخر مشرك. ثم هنالك شركٌ خفيّ يصاب به المرء اذا اعتمد غير الله، أو مارس الرياء. ومن ذلك ايضاً، الطاعة لغير الله ، ولغير من أمر الرب بطاعته، كأن ان يسلّم الانسان أمره لشيء ما أو قانون ما، او حزب ما.

بالمقابل؛ قد تكون الطاعة امتداداً لطاعة الله تعالى، مثل طاعة الرسول والأئمة المعصومين، عليهم السلام، ومن بعدهم العلماء الربانيين والوالدين. ولا ريب أن اكثر البلاء الذي يحلّ بالمسلمين اليوم، هو بسبب الاسترسال في طاعة غير الله، ولا فرق بين ان يهجر المرء أوامر الله وتعاليمه بداعي هوى النفس من جهة، او غرور وتكبّر، وبين الاستجابة لشهوة ضاغطة او مالٍ مغر..

وهذا يقودنا الى حقيقة؛ أن المسؤولية الملقاة على عواتق قادة المسلمين عظيمة جداً، وهي السعي لتطهير الامة من هذا النوع من الطاعة والالتزام، لذا يمكننا ملاحظة مصاديق الآية الكريمة الآنفة الذكر؛ {الَّذِينَ لَايَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ..}، في العلماء والقادة الرساليين، فهؤلاء لايريدون التمرد على النظام الاجتماعي، إنما لا يخضعون لهذا النظام بصورة مطلقة.

يبقى السؤال هنا؛ لماذا جمعت الآية الكريمة، هذه الموبقات الثلاث في حزمة واحدة؛ الشرك، القتل، الزنى...؟

إن استفحال الطغيان لدى الانسان، وبلوغ حالة الكبر والتعالي على الآخرين، من شأنها ان تؤدي بالانسان التجاوز على الحرمات والحقوق. هذا التجاوز ربما ينصرف عند البعض على الاعمال المشينة بشكل مباشر. فالقتل لن يكون بالضرورة التصفية الجسدية والقضاء على حياة انسان، كما الزنى لن يكون بالضرورة انتهاك جسد امرأة، إنما للانتهاك مصاديق عديدة في واقعنا، مثل قتل الشخصية والسمعة، ودفع المرأة لفعل كل شيء للحصول على فرصة عمل او تحقيق حاجة ماسّة لها، فتكون نهباً للنظرات الخائنة والمضايقات، وما أكثر ما نعاني هذه الظاهرة المؤسفة في مجتمعاتنا.

 

* الاساس الثالث: الصبر

ضمن التسلسل في الآيات الكريمة حول صفات «عباد الرحمن»، يأتي الصبر، ليكون المحطة الاخيرة لخطوات يرفعها الانسان نحو الفلاح والسمو على صعيد الفرد والمجتمع، وصولاً الى بناء المجتمع الفاضل. {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا}. هذا الصبر يأتي بعد  خطوة «التوبة»، {وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا}. وبعد خطوة الحذر من «شهادة الزور»، {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا}. ومرحلة «البصيرة الايمانية»، {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا}. ومرحلة «طلب الذرية الصالحة»، {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}.

الملاحظ من هذه المراحل والخطوات التي جاءت بشكل متتابع، أنها ترسم لنا «خارطة طريق» نحو المجتمع الفاضل المتشكل من الافراد الصالحين. كيف؟

ان فطرة الانسان تبقى فضاءً نقيّاً لانعكاس سنن الله تعالى في خلقه عليها، ومن هنا فهي تظل تبحث عن أمرين أساسين:

الاول: التكامل والنمو (جلب المنفعة).

الثاني: تجنّب الاخطار (دفع الضرر).

إذ الفرد يريد النمو، وفي الوقت نفسه لا يريد الضرر، ولكن كيف يحصل البشر على هذين المطلبين؟

بالعمل والدعاء معاً.. فترى المؤمنين لا يكتفون بالعمل ولاهم يكتفون بالدعاء، من هنا فان جزاءهم تحقيق كلا المطلبين، فهم يجزون «الغرفة» ويجزون بالتحية والسلام يوم القيامة.

أما الغُرفة، فهي البيت الرفيع والكيان السامي. ومن حيث الصورة المادية، فان الغرفة يراد بها ذلك البناء المشيّد.

ولكن لماذا يُجزى هؤلاء الغرفة؟ وأي غرفة هذه..؟

إنها غرفة في الدنيا، وغرفة في الآخرة.

فأما التي في الدنيا، فهي مهبط الرحمة الالهية، وهي من الناحية الاجتماعية تمثل مجمع الأسرة المؤمنة، ويبدو ان هذه الغرفة هي استجابة لدعائهم في الدنيا: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَاهَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ}

والجمع هذا أحد أوجه الهبة الإلهية المرجوة، لانه تجسيد مثالي للتسلسل الايماني.

أما الغُرفة في الآخرة، فهي مقام سام يجتمع فيه ابناء الأسرة الايمانية بإذن الله، حيث يقول تعالى: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ..}. وهكذا فان دعوتهم في الدنيا باجتماع اسرتهم على التقوى، تتجسد في الآخرة ايضاً حيث يلتئم الشمل على مائدة الرحمة الإلهية.

من هنا نكتشف حقيقة كبيرة وهامة من القرآن الكريم؛ بأن الصبر، سيد الاخلاق وانه المعيار الاساس في بناء الاسرة الفاضلة، وفي المبادرة الى إمامة المتقين، وفي مواجهات التحديات. فالصبر، صبرٌ على الأذى، وصبرٌ على الشهوات، وصبرٌ على مواصلة العمل الصالح.

وعليه؛ فان أهم صفة ينبغي ان يتحلّى بها المؤمن في تربية ابنائه وأداء دوره الرسالي في مجتمعه حتى يكون إماماً لهم، هي صفة الصبر والتأنّي، وعدم التسرع في اتخاذ المواقف مما يمكن ان يضيع فرص النمو والتقدم.

لذا يمكن القول: ان قائد الاسرة الناجحة هو قائد الامة الناجحة ايضاً، اذ الاسرة نواة المجتمع ومنها تنطق الحركة باتجاه الدوائر الاجتماعية الاكثر اتساعاً، ولذلك حكى ربنا تعالى عن عباد الرحمن، أنه يدعونه ان تكون لهم من أزواجهم وذرياتهم قرة أعين، وأن يجعلهم للمتقين إماما، فكأن الانسان القائد يعد المجتمع كله بمنزلة أسرته وعائلته، وهذا ما يحتاج الى صبر وأناة وسعة صدر.

* مقتبس من كتاب «بينات من فقه القرآن - سورة الفرقان»

---------------

(1) - الأصول من الكافي: ج2 ص415


ارسل لصديق