القيم المُثلى ومعايير سلامة طلب العلم
كتبه: حسين محمد علي
حرر في: 2014/05/11
القراءات: 973

كما ان جسد الانسان يتألف من مجموعة مختلفة من المواد، كذلك روحه ونفسه تتكونان من طائفة واسعة من القيم، وكما ان المواد المفيدة والمغذية تجعل جسد الانسان سوياً ومعافى، كذلك القيم، فحينما تكون سليمة سوية فان نتائجها ستكون ايجابية على صعيد بناء شخصية الانسان ونفسه وثقافته.

 

* القيم الزائفة تنعكسعلى سلوك الانسان

أما اذا كـانت قيم الانسان زائفة فان هذا الزيف سينعكس على شخصيته وشاكلة روحه، وبالطبع فان هناك فارقاً بين الجسد السوي والروح السوية؛ فاذا كان هذا الجسد سوياً ظهرت ملامح استوائه وعافيته جلية، فاذا وقفت أمام المرآة استطعت من خلال نظرة واحدة ان تكتشف انك معافى او مصاب بمرض.

لكن الامر يختلف بالنسبة الى الروح، فامراضها لا تظهر الا عندما يواجه الانسان المواقف الصعبة في حياته، وللأسف فان هناك الكثير من الناس يزعمون ان نفوسهم سوية، وقلوبهم طاهرة ونقية، ولكن سيئاتهم وعيوبهم سرعان ما تظهرعندما يتعرضون للبلاء والفتنة.

 

* الابتلاء غاية خلق الانسان

من هنا؛ فان الله - تعالى - إنما خلق الانسان ليعرف (وهو يعرف مسبقا) هل سيستقيم على الطريقة أم انه سيتنكّب عنها..؟ ففلسفة وحكمة خلق الانسان في هذه الدنيا تتلخص في ان يتعرض للامتحان والابتلاء في الدنيا، ليعرف مدى مقاومته للانحرافات المختلفة.

وفي هذا المجال يقول القرآن الكريم: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} (سورة فصلّت /30)، وقد استخدمت في هذه الآية كلمة «الاستقامة»، وفي سورة الحمد استخدمت هذه الكلمة ايضا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. (سورة الفاتحة /6)

 

* لماذا الاستقامة ؟

وهنا قد يتبادر الى الاذهان السؤال التالي: ما الفرق بيـن كلمة «القـويم»، وكلمة «المستقيم»، ولماذا هذه الزيادة في الحروف (اضافة حرف الالف والسين والتاء)، بحيث يصبح المصدر من باب الاستفعال؟

يقول: النُحاة في هذا المجال: ان صيغة «الاستفعال»، تعني طلب الفعل، فالاستعطاف يعني طلب العفو، والاستكتاب يعني طلب الكتابة، وهكذا الحال بالنسبة الى الاستقامة فانها تعني طلب الطريق القويم.

وعلى هذا فان كلمة «استقاموا»، التي جاءت في الآية تعني انهم طلبوا الطريق القويم، وهذا يعني ان الاستقامة ترتبط بسعي الانسان وارادته وحركته ونشاطه، فهو الذي يجب ان يسعى وراءها ليحصل عليها.

فالاستقامة - اذن - من الانسان، واذا ما استمر هذا الانسان في السير على الطريق القويم فحينئذ ستتنزل عليه الملائكة، وهذا يعني أن الناس يعطون من قبل الله - تعالى - اقداراً متساوية من العقل والهدى والتوفيق، فنحن متساوون بادئ ذي بدء، في مدى عطاء الله لنا من العقل والهدى والتوفيق، ثم نختلف بعد ذلك في مدى الاستفادة من هذه المواهب، فالذين يستغلونها الاستغلال الصحيح سوف يستقيمون على الطريق، في حين ان البعض الاخر يُهملها، فتكون نتيجة هذا الاهمال ان يضلهم الله - تعالى -، ويبعدهم عن رحمته، ويقيض لهم قرناء من الشياطين، وفي المقابل نرى ان المستقيمين على الطريق تتنزل عليهم الملائكة.

فالاختيار يكون أولا من قبل الانسان، وبعد ذلك يأتي دور العون والتأييد الالهيين، او الخذلان، وهذا هو حال الانسان في الحياة الدنيا.

 

* القيم تحدد عاقبة الانسان

وفي هذا المجال قد يتبادر الى الاذهان السؤال التالي:

نرى بعض الناس يبدؤون حياتهم الايمانية بداية طيبة، ولكن عاقبتهم تنتهي الى السوء، فينحدرون الى أسفل سافلين، ترى لماذا تؤول حياتهم الى هذه النهاية السيئة؟، وفي المقابل نرى البعض الاخر على العكس من ذلك تماما، فما هي المعادلة التي تحكم مثل هذه الحالات ؟

وجواباً على ذلك؛ ان هذه المعادلة هي معادلة القيم في حياة الانسان، فالقيم هي التي تحدد اتجاهه، وهي التي تدخل في تركيب نفسه، فتجعله يختار طريقه، وتؤثر على مسيرته في المستقبل.

وتعتبر لحظة الاختيار، والتردد بين الحق والباطل من اللحظات الصعبة والحرجة، فالانسان في هذه اللحظات لا يمتلك مزيدا من الوقت للتفكير، لأنه في لحظة الاختيار لا تسنح له مثل هذه الفرصة، فهي لحظات سريعة وخاطفة يتردد فيها الانسان بين الجنة والنار؛ ترى كيف يختار الانسان طريقه، وما الذي يجعله يختار الجنة على النار، والاستقامة على الانحراف ؟ وما الذي يدفعه الى القيام بعكس ذلك؟

ان الذي يسهم ويتدخل في عملية الاختيار انما هو تركيبة نفس الانسان، والمواد التي صيغت منها شخصيته؛ فهل كان يتجه خلال حياته الى القيم السليمة أم الى القيم الفاسدة؟ وكيف كانت قيمه في الحياة؟، ان هذه القيم تؤثر خلال لحظة اختياره؛ فاذا كانت نفسه ممتلئة بالحقد، والحسد، والاغلال، والشك، والريب، فأنه سيختار النار بدون شك، وسيكون من أصحاب النار، وعلى العكس من ذلك اذا كانت نفسه مفعمة بالايمان وروح التضحية والفداء، وحب الله والخير للاخرين، والتوكل، والتواضع، واليقين.

ان الانسان متعرض لامتحانات صعبة للغاية، وكلما تصدى هذا الانسان لمهام ومسؤوليات اعظم، كلما كثف الشيطان من توجيه جنوده اليه، فتنزل عليه الفتن كقطع الليل المظلم، فتحجب فكره، وتدعه متحيراً، وفي هذه اللحظات لا تنفعه إلا قيمه، وطهارة قلبه.

 

* كيف ننمي القيم السليمة في انفسنا؟

وقد نتساءل: كيف ننمي القيم السليمة في انفسنا؟،

ان القيم الداخلة في تركيبة الانسان الداخلية قد تكون سليمة، وقد تكون فاسدة، والسبب في ذلك ان الدنيا هي دار تطبيق القوانين والسنن الطبيعية، فلا يمكن لأي انسان ان يصبح عالماً في ليلة وضحاها، وحتى النبوة تحمل بعض الارهاصات، صحيح انها جعل إلهي، وابتداء من الله - تعالى - ولكنها بحاجة مع ذلك الى خلفيات وارهاصات، فالله - تعالى - يختار من الناس الرجل الصالح لحمل رسالته: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ. (سورة الانعام /124)

فكما انك لايمكن ان تصبح عالما او غنيا مرة واحدة وانما بالتدريج، فكذلك الحال بالنسبة الى الامور الروحية، فالقيم الصالحة تنمو لدى الانسان شيئا فشيئا ؛ فنحن اذا بدأنا حياتنا انطلاقا من حب الاخرين، والتعاون، والاندماج معهم، فان هذه القيم الصالحة سوف تكبر معنا كلما تقدمنا في العمر، وعلى العكس من ذلك تنسحب من نفوسنا القيم الصالحة لتحل محلها القيم الفاسدة.

ومن مصاديق هذه المعادلة، مسيرة طلب العلوم الدينية، فان كانت النوايا سليمة ومتصلة بالسماء، فان ذلك العلم الذي يدخل في قلوبنا، يغدو جزءاً من تركيبة القيم الصالحة في نفـوسنا، اما اذا كانت النوايا فاسدة، فان هذا الفساد سيسري الى العلم، والتعلّم، ثم القلب.

ان العلم شيء حسن ومطلوب ولكن العلم الذي يتعلمه الانسان لغير الله - تعالى - يتحول الى وبال على صاحبه، فيدخل قلبه ليفسده، بل ليفسد الناس، والى اهمية النية اشار الحديث الشريف المعروف: «انما الاعمال بالنيات»، لذا يمكن القول: إن العمل - بحد ذاته - حيادي مجرد عن الخير والحسن او القبح، والنية هي التي تضفي الصلاح او الفساد عليه.

 

* الشيطان ومحاولات افساد القيم

والشيطان يحاول مـن خلال اساليب ذكية ان يحرف الانسان من خلال تغيير نفسه وقيمه، وعندئذ سوف لا يعود بإمكان هذا الانسان مواجهة الفساد والصمود امامه.

ويتوجه الشيطان الى بعض الناس فيزيل مناعتهم الروحية من خلال ازالة تقواهم. ومساعي الشيطان هذه تنصب بالخصوص على ذوي المسؤوليات، فان كانت لديهم المناعة لمقاومة اغراءات الشيطان فقد افادتهم قيمهم الصالحة، و إلا سقطوا في مستنقع الشيطان.

وهكذا لابد ان نعرف كيف ننمي القيم في انفسنا، ومن القيم المهمة جدا قيمة النشاط؛ اي ان يفضل الانسان الحركـة والنشاط علـى الكسل والتواني والنوم، وقد جاء في الحديث: «ما انقض النوم لعزائم اليوم»، فقد تفكر ان تعمل وتدرس غداً، ولكن عندما يحل الصباح تجد ان من الصعب عليك النهوض فتفضل النوم على اليقظة والعمل والدراسة، وتستمر بك الحال هكذا لتجد نفسك قد خسرت طموحاتك الكبيرة الواسعة.

وعلى هذا لابد من النشاط والحركة، ونبذ الكسل جانبا، وعدم الاستسلام للوساوس الشيطانية التي تدفعنا الى التكاسل، فهذا الاستسلام انما هو تبرير شيطاني.

 

 * لندع الحزن والتعب جانبا

ان نزول الملائكة على المؤمنين المستقيمين يعني عدم الخوف والحزن، كما جاء في الآية الآنفة الذكر: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا}، وعدم الحزن هنا يعني عدم التعب، ذلك لان الحزن يولد التعب، فعندما اقدم بعض التضحيات، واترك اهلي و وطني نتيجة لذلك، فان التفكير في مثل هذه الامور سيسبب حالة الحزن للانسان، وحالة الحزن ستسبب بدورها التعب والارهاق النفسيين اللذين يؤديان الى التعب الجسدي.

في مثل هذه الحالات علينا ان نأخذ بنظر الاعتبار اننا نعمل ونضحي في سبيل الله، ومادام الامر كذلك فان أجرنا مضمون، وتعبنا مؤمن الثواب، والانسان المؤمن الرسالي لا يمكن ان يحس بـالتعب حتى وان بلغ التسعين من عمره، فهو يبقى حيوي الروح ونشيطا، وهذه هي الصورة الحقيقية للانسان المؤمن. وعلى هذا علينا ان لاندع الشيطان يزرع في انفسنا القيم الفاسدة مهما كانت صغيرة لانها ستنمو وتتضخم بمرور الزمن، فاذا خيرنا بين راحتنا والعمل في سبيل رسالتنا فعلينا ان نختار رسالتنا، واذا خيرنا بين انفسنا وبين اخواننا فعلينا ان نختار مصالح اخواننا، وان لاندع ذرة من الحقد والحسد وحب الرئاسة والشهرة في قلوبنا، لأن هذه الذرة ستتحول الى ذنب كبير. فلابد من الاستقامة على الطريق، فمن خلال هذه الاستقامة سيدخلنا الله في عداد المؤمنين الصادقين، وقد نواجه في هذا الطريق بعض الانحراف بسبب ضغوط معينة، ولكن الله - تعالى - سيرفعها عنا، وينزل علينا الملائكة، ويبعدنا عن تلك الانحرافات.


ارسل لصديق