مقام الإمام المهدي عجل الله فرجه في كربلاء المقدسة..
صرحٌ متصل بالسماء .. و مهوى لأفئدة المنتظرين
كتبه: حسين محمد علي
حرر في: 2012/07/12
القراءات: 2919

البناء .. وتاريخه
قبل الحديث عن المقام كصرح تاريخي، علينا أن نعرف أن العلاقة بين الإمام الحجة المنتظر عجل الله فرجه، وبين كربلاء الحسين عليه السلام، تتميز بخصائص القضية الحسينية، فهو «الطالب بدم المقتول بكربلاء»، وله بصمات غائرة في (الوجدان الكربلائي)، وهو الذي من المؤمل أن يحضر  إلى مرقد جده الحسين الشهيد عليهما السلام، ويستخرج الطفل الرضيع المذبوح عطشاناً، ويعيد التساؤل المدوي عبر التاريخ والاجيال: «بأي ذنب قُتلت»...؟ وبذلك يحيي اهداف الثورة الحسينية بإحياء النفوس وإيقاظ الضمائر وإنارة الفكر والعقيدة. ولذا فهو متفاعل وحاضر مع أي حركة صادقة في هذا الطريق، منها حضوره في (موكب عزاء طويريج)، بتأكيد المرجع الديني الكبير والراحل السيد مهدي بحر العلوم الذي رآه بأم عينه، فالقى عصاه ارضاً وسارع للحاق به، ومنها حضوره أمام الخطيب الشهيد عبد الزهراء الكعبي في داخل حرم الامام الحسين عليهم السلام، فيما كان الشيخ الكعبي يقرأ قصيدة رثاء معروفة للمرحوم السيد صالح العرندس الحلّي: «أيقتل عطشاناً حسينٌ بكربلاء وفي كل عضو من أنامله بحر».
هذه العلاقة العميقة والخاصة، هي التي جعلت المؤمنين والموالين لأهل البيت يعتزون ويهتمون بشكل خاص بهذا المقام رغم عمقه التاريخي القليل، فقد تشرفت هذه البقعة من الارض بحضوره المقدس وصلاته، واستنارت بوجوده، حيث تحول الى مهبط لملائكة الرحمة، ومهوى قلوب المؤمنين ومنتظري إشراقة مَحياه الوضّاء.
يطلّ المقام حالياً على الضفة اليسرى من نهر الحسينية، بجوار القنطرة التي تؤدي إلى مقام الإمام جعفر الصادق عليه السلام الذي يبعد عنه بنحو 200م شمالاً، كما يبعد المقام عن حرم الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ بنحو 800 م جنوباً. 
وحسب مركز الدراسات الخاص بالامام المهدي عجل الله فرجه، فان تاريخ البناء لا يتجاوز قرناً واحداً، بدليل عدم ورود أي ذكر للمقام وتاريخه في الكتب المختصة بسيرة الإمام المهدي عجل الله فرجه أسوةً بذكر غيره من المقامات المنسوبة إليه كمسجد السهلة ومقاماته في الحلة و وادي السلام والسرداب المقدس، وغيرها من الأماكن المنسوبة إليه. 
وايضاً عدم ورود أي ذكر للمقام في ديوان السيد نصر الله الحائري المتوفّى سنة 1168هـ، بينما ذكر مقاما الإمام المهدي -عليه السلام- القائمان في الحلة و وادي السلام، وهذا الديوان كتبه تلميذه السيد حسين بن مير رشيد التقوي سنة 1155هـ. والدليل الآخر والاقوى، عدم ورود أي ذكر للمقام في واقعة (علي هدلة) سنة 1294هـ، وهي واقعة تمرّد فيها بعض أهالي كربلاء على الدولة العثمانية وفروا فيها إلى مقام الإمام جعفر الصادق عليه السلام، ومقام الإمام المهدي عليه السلام، كائن في طريقهم، فإن كان في تلك الفترة، كان من المؤكد ان يرد ذكره في تلك الحادثة. وبمعنى أن المقام لم يكن مشيّداً في القرن الثالث عشر الهجري. وإلا من غير الممكن ان يتغافل عنه المؤرخون والعلماء في كتبهم .
وعن عمارة المقام المقدس فقد جاء مركز الدراسات، ونقلاً عن الحاج عباس الكيشوان، الذي يعده المركز من (ثقات الكربلائيين) الذين عاصروا كثيراً من الأحداث والتواريخ، أنه كان يسمع من الذين قبله بأن عمارة المقام كانت قديماً عبارة عن مكان محاط ببارية من الحصير والقصب. أما التاريخ المكتوب للمقام، فقد وجدت قصيدة في ديوان السيد عبد المهدي السيد راضي الأعرجي (1327-1358هـ) المخطوط، تنص على وجود أحد المقامات المنسوبة إلى الإمام المهدي عليه السلام، وتاريخ البناء فيها وقع في سنة 1347هـ /1924م، والمباشر لبناء المقام اسمه (جعفر).
والعمارة الثالثة جددها المرحوم الحاج حمزة الخليل وذلك سنة 1378هـ/1957م على ما ذكر السيد سلمان آل طعمة في كتابه (كربلاء في الذاكرة) ص 160، و أرخ تجديدها الشاعر الكربلائي السيد مرتضى الوهاب بأبيات على القاشاني، وهي:
شاد للقائم إذ ضحّى الخليل بيت قدس فيه برد وسلامُ
واعتنى الحمزة في تجديده فاستوى منه عماد و رخامُ
مذ تجلّى نوره أرّخته (ضاء للمهديّ ركن ومقامُ)
والعمارة الرابعة تمت سنة 1391هـ /1970م بهدم جزء من العمارة السابقة، فجددها محسن حميد الملا مهدي الوزني الخفاجي على ما ذكر في كتاب (كربلاء في الذاكرة) للمؤرخ سلمان هادي آل طعمة، وبقي البناء مشيّداً حتى اندلاع الانتفاضة الشعبانية سنة 1411هـ/1991م فتم تهديم العمارة من قبل نظام البعث البائد ليلاً، وسوّيت بالأرض ولم يَبْقَ لها أثر. وجاءت العمارة الخامسة، بعد ان بقي المقام مهدماً لنحو من أربع سنوات، حتى قيّض الله عز وجل، الرجل المحسن عباس صالح بحر من أهالي كربلاء، فبنى عمارته الحالية على مساحةٍ واسعة، وبحلّة قشيبة تتناسب وحرمة المقام الشريف على ما يراها الرائي لها، ومساحة هذه العمارة تقدر بنحو 2000متر مربع، وكان ذلك سنة 1415هـ /1995م. واستمر البناء في هذا المقام نحو ثلاث سنوات.


مسيرة الإعمار جارية
هذا ليس كل شيء عن هذا الصرح العظيم ذي الاشعاعات النورانية الآسرة للقلوب، لأن هنالك جهوداً مخلصة ومساعي حثيثة تبذل لمزيد من التطوير لمقام الامام صاحب العصر والزمان، بما يعين الزائر القادم من كل بقاع الارض أن يوجد ويحكم العلاقة بإمامه الغائب – الحاضر، ويطلب منه ما يهمّه من أمر دينه ودنياه.
وكما أسلفنا، فإن الصدفة، جعلتنا نجمع بين الماضي البعيد في تاريخ عمارة هذا المقام والمقدس، بين الحاضر الذي يشهد تطويراً مستمراً، وهذا ما أكده الحاج عدنان الضعيف خلال حديثه لـ (الهدى)، إذ تحدث عن مشروع الترميم والإعمار الذي يشهده المقام منذ حوالي ثلاثة اشهر، ويشمل المشروع أولاً: إعادة تغليف القبة الشريفة بكاشي جديد من النوع (الكاشي الكربلائي). وثانياً، تغليف جدران المقام من الداخل بالمرمر بارتفاع حوالي مترين مع تبديل البلاط بمرمر جديد، ليكون بحلّة جديدة متكاملة، أما الجدران العليا الى حد السقف فسيتم تغليفها بنقوش المرايا والتزجيج، مع سقوف ثانوية.
وعن أهداف مشروع الترميم والإعمار، فقد حدثنا الحاج عدنان عن طموحه بتقديم المقام بشكل يليق بصاحبه الحجة المنتظر عجل الله فرجه، وايضاً بزائريه ومنتظريه، وتحدث عن المساحة الضيقة الموجودة منذ سنوات لقسم النساء، وهو عبارة عن ممر بطول (40) متراً وبعرض مترين فقط، وهو المكان الوحيد الذي كان مخصصاً للزائرات من العراق ومن كل بقاع العالم.. لذا فكرنا مليّاً بالامر – يقول الحاج عدنان- وارتأينا في هذه المرحلة على الأقل، بتخصيص قاعة من القاعات الثلاث المخصصة للرجال سابقاً، لتكون للنساء وتلحق بذلك الممر. كما تحدث عن طموحه الاكبر، وهو توسيع قسم النساء عرضاً، ليضاف اليه (12) متراً، من خلال البناء فوق نهر الحسينية المحاذي حالياً لمبنى المقام، وهذا الطموح ما يزال يرواح مكانه منذ اربع سنوات تخللتها كتب رسمية ومخاطبات بين جهات عديدة معنية ورسمية، وأوضح الحاج عدنان ان آخر خطوة ايجابية في هذا الطريق كانت بوصول لجنة من وزارة الموارد المائية للكشف على المكان وإبداء رأيها بالفكرة، وقد وعدونا خيراً..
وعن المعوقات أمام مشاريع التطوير والإعمار، بدأها الحاج عدنان الضعيف بالتخصيصات المالية، وأوضح أن المقام بالأساس ومن الناحية الادارية كان تابعاً للأمانة العامة للمزارات الشيعية، ولكن من أجل الإسراع في أعمال التطوير والإعمار توجهنا الى الأمانة العامة للعتبة العباسية المقدسة، ومذ ذاك، بدأ العمل على قدم وساق – يتحدث الحاج عدنان- ويضيف موضحاً: ان الشكل الجديد للمقام من الخارج سيكون بالشكل التالي: إغلاق الباب القديمة الخاصة بالنساء واستبدالها بالباب الاولى الخاصة بالرجال. فتح باب جديدة للرجال، والإبقاء على الباب الرئيسية المؤدية الى المحراب مغلقةً، لعدم حصول التقاطع مع الزائرين في الداخل، وهي بمنزلة باب الطوارئ، وتفتح في وقت الذروة. 
كما تحدث مسؤول القسم عن تلبية حاجات المنتسبين من الرجال والنساء، من مسؤولي التفتيش وغيرها، وقال: سيتم إلغاء (كارفان) التفتيش والاستراحة للنساء خارج المقام، وسيكون هنالك مكان مخصص لاستراحة النساء المنتسبات داخل المقام، كذلك سيكون هنالك مكان مخصص لاستراحة المنتسبين والمتطوعين من الرجال، لاسيما في أيام الذروة والزيارات المليونية، حيث يكون الجميع في حالة إنذار، ويضيف الحاج المسؤول، أننا نضطر دائماً للاستعانة بمنتسبين من العتبة الحسينية والعباسية لمد يد العون لإدارة المقام بالشكل الافضل خلال الزيارات المليونية، أبرزها زيارة الخامس عشر من شعبان المعظم، وهي ذكرى مولد الامام الحجة المنتظر عجل الله فرجه الشريف.
أما عن المدّة التي تتخللها أعمال البناء والإعمار، فقال الحاج عدنان الضعيف: بدأ العمل قبل ثلاثة اشهر، ومن المؤمل أن ثلاثة اشهر اخرى تكون كافية لإتمام العمل بشكل نهائي.


ارسل لصديق