عاشوراء و فلسفة الثورة ضد الفساد
كتبه: الشيخ عبد الحسن الفراتي
حرر في: 2014/12/02
القراءات: 1251

لاشك أن ثورة الإمام الحسين، عليه السلام، في عاشوراء كربلاء عام 61هـ، قدمت النموذج الاروع والأنقى والأشمل في مقارعة الفساد بكل أشكاله وألوانه، فكانت بحق، الثورة التي تستحق الوقوف عندها بإجلال، و الاسباب عديدة، على رأسها؛ كون حامل رسالة التغيير ومناهضة الفساد، ليس رجلاً عادياً، إنما هو «قديس» بما تحمل الكلمة من معنى ويستحق أن يُطاع ويقتدى، و أن تتحول عناصر نهضته و أبطالها الى قدوات مضيئة، لمن يرغب في حمل رسالة التغيير في العالم أجمع.

إن القراءة السريعة لما تحدث عنه مفكرو وثوار العالم - مع اختلاف مشاربهم ومعتقداتهم- تشير الى ان الامام الحسين، عليه السلام، وثورته، ثورة تستحق التدويل والعولمة، ليس في حقبة محددة من الزمن، إنما تتجاوز عامل الزمان والمكان بشكل مطلق.

 

* كلمات بحق الإمام الحسين، عليه السلام

* الأديب الفرنسي الشهير، فيكتور هوجو: «اصبحت مبادئ الثورة الحسينية منهاجاً لكل ثائر يريد ان ينتزع حقه من ظالميه».

* محرر الهند، غاندي» فيقول: «تعلمت من الحسين، كيف أكون مظلوماً فأنتصر».

* الرئيس السنغالي، لوبيد سنغور: «كان الحسين بن علي، مثلاً أعلى في التضحية من أجل الباطل ومحاربة المستبدين».

* المؤرخ الفرنسي، جاك بيرك، يؤرخ للإمام الحسين، عليه السلام، بالقول: «إن حركة الحسين في التاريخ باتت تكشف كل سلطة حاكمة جائرة واستمرت روح هذه الحرية الى يومنا هذا».

* الـــــزعيم الفـــــيتنامي، هوشـــــي منـــــه، يخاطب جنوده للاستلهام من شجاعة الامام الحسين، بقوله: «ايها الجنود الشجعان وانتم في خنادقكم انظروا الى ذلك الرجل الشرقي؛ الحسين العظيم، كيف زلزل الارض تحت أقدام الطغاة»؟

* المفكر والروائي الروسي، تولستوي، يزيح الغبار عن بعض الشكوك قائلا: «مما لاريب فيه ان الحسين كان من أعظم الرجال الثائرين من اجل تقويم الحكام الذين انحرفوا عن جادة الصواب فنال بوقفته تلك، الشهادة التي طالما يتمناها الاحرار».

* يقول الكاتب، جورج لوكانش: «كانت مفاهيم الحسين، مرتكزة على فطرة حرة هدفها ان يكون ابناء ملته سعداء في حياتهم حتى تمكنوا من الوقوف بوجه الحكام العتاة الذين تسلطوا على رقابهم والذين تصدى لهم الحسين، عليه السلام، بكل قوة وعزيمة».

* اما الثائر الكوبي، الارجنتيني الأصل، «جيفارا» فانه يوجه دعوة لأحرار العالم قائلاً: «على جميع ثوار العالم الاقتداء بتلك الثورة العارمة التي قادها الزعيم الصلب، الحسين العظيم، والسير على نهجها لدحر زعماء الشر والاطاحة برؤوسهم العفنة».

* وأما الامام الخميني الراحل- فيقول: «كل ما لدينا من محرم وصفر»، مشيراً الى ضرورة الاستلهام من دروس العزاء والمجالس الحسينية.

* المفكر الاسلامي، والمرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي يقول: «ان الحسين، عليه السلام، ليس شخصاً بل هو قضية وقيمة ومدرسة ومنهج، وهو، عليه السلام، كالنبي إبراهيم كان يمثل أمة».

* أمـــــا الزعيم البحـــــريني المعـــــارض، والـــــذي لا يزال في سجن آل خليفة، الشيخ العلامة محمد علي المحفوظ، يصدح من سجنه قائلاً: «الامـــــام الحســـــين، عليه الســـــلام، ملهم الاحـــــرار في كل زمان وقائـــــد الثوار في كل مكان ترى هل نستطيع ان نتعلم من مدرسة عاشوراء معنى الحرية والكرامة»؟

* أما الشيخ نمر باقر النمر، رمز التحدي والمقاومة في الجزيرة العربية، والذي يواجه الحكم عليه بالاعدام من قبل سلطة آل سعود، فيقول: «نحن اخترنا طريق الحسين، عليه السلام، وتبرأنا من طريق يزيد بن معاوية الفاسق المنحرف ولا يجوز ان نبايع أي حكومة ودولة تنأى بعيداً عن الحسين، عليه السلام، ونهجه الطاهر».

 

* وارث رسالة الانبياء

هذه الكلمات المشرقة لبعض زعماء ومفكري العالم تشير الى حقيقة التدويل والعولمة الحسينية وضرورة التأمل في مدياتها، وكيف يتحول الامام، عليه السلام، الى رمز عالمي لمقاومة الفساد بكل أشكاله وأنماطه.

ان الحسين، عليه السلام، استلهم مشروعه النهضوي في مقاومة الفساد من كتاب الله، كونه سبط الرسول، صلى الله عليه وآله، وربيب القرآن الكريم، ومؤكداً على ان حركته هي حركة حياة و ليست، قتل وإبادة، لقوله تعالى: {أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}، (سورة المائدة /32) وهذا هو ديدن الانسان ومنهجهم الذي ذكرهم القرآن الكريم في 50 آية انهم ناهضوا وقارعوا الفساد.

فالفساد في لغة العرب تعني: البطلان فيقال: فسد الشيء، أي : بطل و اضمحل.

والفساد في القرآن الكريم يدل على عدة معانٍ: كالشرك والمعاصي، وما يترتب على ذلك من انقطاع الصيد في البحر والقحط بالبر لقوله تعالى:{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، (سورة الروم/ 41). او بمعنى الطغيان والتجبّر في قوله تعالى: {لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً}، (سورة القصص /83). او بمعنى عصيان اوامر الله، وفي قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا ...}. (سورة المائدة/ 33)

لذا يمكن القول ان الاصلاح ومقارعة الفساد وهو «القاسم المشترك» بين حركة الانبياء جميعاً وحركة الامام الحسين، عليه السلام، ولهذا لقب الامام الحسين، عليه السلام، بـ»الوارث» ونقف امام ضريحه الطاهر ونتلو زيارة وارث المعروفة

فيا ترى ماذا ورث الحسين، عليه السلام، من الانبياء؟ وما العلاقة بين آدم ونوح وابراهيم وعيسى وموسى... والحسين ،عليه السلام؟

وكيف يرث الحسين، عليه السلام، من أنبياء عاشوا في زمان ومكان يختلفان عن مكان وزمان الامام الحسين، عليه السلام؟

للجواب نقول: إن الحسين، عليه السلام، مثّل عُصارة كل جهاد وعطاء ومعاناة وتضحية الانبياء، عليهم السلام، وهو المُصلح ليس في دين جده رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، فحسب، بل» المصلح» في كل ما أفسده الفاسدون في رسالات الانبياء لاسيما اذا اعتقدنا ان الرسالات الالهية كافة هي «المقدمة» لرسالة خاتم الرسل!

 

* اللاءات الأربع

فلو تمعنا في «خطاب الخروج» للإمام الحسين، عليه السلام، صوب كربلاء، للمسنا انه أرسى «القواعد الاربعة» لفلسفة النهضة ضد الفساد الاموي. فمن حقنا ان نتساءل: لماذا بدأ عليه السلام، بطرح «اللاءات» الاربع ولم يبدأ بـ «نعمات»! كمبرر لشرعية الخروج - كما هو ديدن الثوار والمعارضين الذين اعتادوا بذكر كافة مثالب الحاكم صغيرها وكبيرها وفي المقابل تلميع صورتهم ليكونوا هم البديل للحاكم- فلابد ان نقول: ان الحسين، عليه السلام، اراد ان يمنح «شرعية» الخروج له ولنهضته من خلال هذه «اللاءات»، ذلك لأن الناس اعتادوا على خطابات النيل من الآخر المعادي، كما هو خطاب عبد الله بن الزبير ضد بني امية، وخطاب معاوية نفسه ضد الامام علي، عليه السلام، اما الامام الحسين، عليه السلام، وقدم لنا نموذجاً يبدأ بتعريف خطاب الثورة من خلال تنزيه نفسه من الآثام الاربعة التي «قد» يقع فيها حتى المصلحون.

وبعبارة اخرى أراد الامام الحسين، عليه السلام، أن يقدم لنا تعريفاً «للاصلاح» بتنزيه نفسه عن مخترقاته ومواطن الخلل التي قد تتغلغل داخله وتفسده.

ثم ان الامام، عليه السلام، يعرف جيداً ان الاعلام والمكر الاموي قادران على إدانة أطهر وأقدس إنسان في الامة، لذلك استبق الاعلام والدهاء الاموي وحروبه النفسية والتسقيطية، بطرح هذه اللاءات الاربع. فالإمام، عليه السلام، نفى عن نفسه صفة «الأشر» التي تنتاب عادة المتنعّم، والذي يطغى بسبب كثرة توالي النعِم، كما أبعد عن نفسه صفة «البطر»، وهو الشخص الذي يبحث عن المغانم طلباً للعيش الهنيء و البذخ بالنعم، وبعبارة اخرى نفى عن نفسه «البطر السياسي» الذي يصيب عادة الثوار والمعارضين الذين لا يتحملون العيش بعيداً عن الكراسي الكبيرة، والواجهات والاضواء، مهما كلف الثمن، ويؤكد ذلك قول الامام، عليه السلام، «أنا أحقّ من غيّر» ولم يقل «أنا أحق من سيطر»!

ثم نفى عن نفسه الفساد والافساد والظلم للآخر، وبعبارة اخرى اراد ان يوصل رسالة للناس جميعاً؛ بأنه لم يخرج لأنه «زعيم بني هاشم» مقابل «زعيم بني امية»، وإنما خرج بدافع رضا الله، وهذا ما نفهم من خطابه المبارك:

«إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي رسول الله، آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر»، وهذا ما يفسر توالي تُهم «الخروج غير المبرر» له ،عليه السلام، من قبل مناوئيه ومعارضيه، والطريق ممتد ومستمر لاتباع الامام الحسين، عليه السلام، كما أن العداء والتكفير مستمران من بقايا مدرسة الارهاب الاموي حتى هذا اليوم!


ارسل لصديق