موهبة العقل و الطريق الى الحكمة
كتبه: أنور عزّالدين
حرر في: 2015/02/01
القراءات: 718

من بين الحقائق التي تنكشف أمامنا بالنظر في العقل من خلال آياته، هي حقيقة الموهبة في العقل، التي نعرف بها ان ضوء العقل لم يكن لدينا ثم فجأة وبدون أي نوع من الاكتساب الذاتي حصلنا عليه، ونفقده حيناً، فترانا نريد ان نتذكر شيئاً فننساه، ونريد ان نعرف شيئاً وقد يكون شيئاً بسيطاً فنجهله، هناك نعلم ان تدبير العقل بيد غيرنا وهو الله سبحانه.

لو كانت موهبة العقل من ذات انفسنا، إذاً؛ ما فقدناها لحظة، وهل يفقد الشيء ذاته؟ ولما كان محدوداً ابداً، إذ المحدود نوع من الفقد الذاتي، ولما عصَت علينا حينما أردناها، أ فتعصي الذات على الذات؟!

ان ذات الأدلة التي تهدينا الى ذاتية العدم فينا، وبالتالي نعرف ان الوجود لا يعدو ان يكون نوراً عارضاً على الاشياء، ولا يعدو ان يكون هبة من خالقه، فان ذات الادلة تأتي لتهدينا مرة أخرى الى ان العقل أيضاً موهبة، بما فينا من قدر خاص منه وانه لا يخضع تماماً لإرادتنا رغم انه يخضع نوعاً ما لها.

وحين جهل البشر حقيقة الموهبة في العقل، راح يتطرف يميناً وشمالاً، ففريق حسب العقل من ذات الانسان، فلم يتصور نفساً «جاهلة» واخرى «عاقلة»، بل العقل والعلم من ذات النفس، التي سمّاها: «روحا علوية مقدسة عن كل نقص»، وقال هذا الفريق: ان النفس البشرية تتطور بصورة آلية حتى تكتمل فلا تجهل شيئا، ومنهم من قال: إن النفس كانت تعرف كل الحقائق فنسيتها ثم تتذكر ايضاً.

وفريق زعم أن العقل مجرد عارض على الانسان الذي يملك فقط أداة استقباله، فالعلم مجرد تجارب والتجارب احاسيس وهي امور مادية صرفة، فلم يتصور الفريق الثاني نفساً تملك رصيداً داخلياً يفترق عن الحيوان ويبني به حضارة سامية.

وهؤلاء «الحسيّون» انكروا وجود مقاييس ثابتة يملكها البشر بعيداً عن التجربة ليقيس بها تجاربه فيميز الصحيح منها عن الخطأ.

وبين هاتين الرؤيتين المتطرفتين يقف القرآن الكريم بقوله: ﴿و وجدك ضالاً فهدى، (سورة الضحى،7)، والآية الاخرى: {...فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} (سورة الانعام،77)، بمعنى أن الهداية التي هي وصول اكبر الحقائق الكونية و اوضحها، إن لم تتحقق بغير الله، فإن غيرها أحرى ألا تكون سوى نعمة من الله العزيز.

وبما ان العقل موهبة، فإنه مفقود من الصبا، ولكنه يبعث فجأة في الانسان حينما يبلغ سن الرشد، قال الله تعالى: {حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن اشكر نعمتك التي انعمت عليّ} (سورة الاحقاف،15)، وهناك يشعر الانسان بضوء باهر يغمر فؤاده، ليهديه الى الحكمة والعلم، فالحكمة تبين له الخير والشر وتعرفه الفضيلة والرذيلة وتدعوه الى الصلاح والسعادة، كما أنها السبيل الذي يهتدي به الانسان الى الله تعالى، فقال تعالى: {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفوراً}، (سورة الانسان،3)، وهي تلهم الإنسان فجوره وتقواه الذي قال عنه الله تعالى: {ونفس وما سواها* فألهمها فجورها وتقواها* قد أفلح من زكاها* وقد خاب من دساها} (سورة الشمس، 7-10).

والحكمة أخيرا هي القيمة النهائية التي نحتكم إليها في تقييم أعمال الشعوب والدول، والتي نجدها واحدة في كل مكان فالصدق والوفاء والصراحة هي الفضائل التي تدعو اليها حكمة العقل في كل مكان وزمان، والكذب والغدر والالتواء هي الصفات التي تنهى عنها حكمة العقل، انى كانت ومتى وجدت.

ومن الحكمة تأتي النفس اللوامة التي توبخ الانسان لما اقترف إثماً ولو بعد حين من عمله، وذلك مثل ان يفقد الفرد اعصابه امام شهوة عارمة فيجترح الفاحشة، او امام غضبه فيرتكب الجريمة، ثم يعود اليه رشده فيأخذ بملامة نفسه من سوء ما عمله.

والحكمة هي العقل العملي الذي يقوم حجة بين الناس وحجة من الله على الناس، وهو الرسول الباطن الذي يحتكم اليه اهل الشرائع السماوية بعد أنبيائهم، والذي جاءت الشرائع مذكرة به ومنبهة له ومثيرة لدفائنه وخباياه.

وقد اتبع القرآن الكريم، الحكمة وسيلة التذكير لإيقاظ هذا العقل في الانسان ليجعل منه مقياسا في افكاره واعماله.


ارسل لصديق