شهر رمضان .. شهر التبليغ والتعبئة الروحية
كتبه: الشيخ عبد الحسن الفراتي
حرر في: 2012/08/16
القراءات: 1211

حينما تتوخى التقوى في فريضة شهر الله الفضيل ألا وهي فريضة الصوم لقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»1 وبما ان التقوى تحظى بمكانة رفيعة في تعاليم الإسلام اذ تُعد من حدود الشريعة الإلهية لقوله تعالى: «تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ»2 كما تعد التقوى مخ العبادة كما يقول تعالى: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»3، من هنا ينبغي الاستعداد وشحذ كافة الطاقات وتعبئة النفوس لجعل شهر رمضان المبارك موسما للتبليغ الديني والتعبئة الروحية في صفوف الامة من قبل رجال العلم وأبناء الحوزة العلمية.
إن تسليط الضوء على خطبة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وآله والائمة الأطهار عليهم السلام بشأن شهر رمضان وفريضة الصوم، بإمكانه أن يفتح افقاً واسعاً في نفسية وعقلية الأمة بحيث يتوجب على المبلغ الديني استثمارها لإعادة شخصية الإنسان المسلم من جديد ورأب الصدع الذي لحق به خلال الأحد عشر شهراً الماضية.
فيقول الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله في جملة خطبته الكريمة في وصف هذا الشهر العظيم: «شهر دعيتم فيه الى ضيافة الله وجعلتم فيه من اهل كرامة الله، « انفاسكم فيه تسبيح ونومكم فيه عبادة وعملكم فيه مقبول ودعاؤكم فيه مستجاب» ثم يقول صلى الله عليه وآله: «يا ايها الناس، ان انفسكم مرهونة باعمالكم، ففكوها باستغفاركم، وظهوركم ثقيلة من اوزاركم، فخففوا عنها بطول سجودكم» ثم يستطرد  عليه الصلاة والسلام بعرض جملة من اخلاقيات الامة المؤمنة بقوله: «ايها الناس، من حسن في هذا الشهر خلقه، كان له جوازاً على الصراط يوم تزل فيه الاقدام، ومن خفف في هذا الشهر عما ملكت يمينه خفف عليه حسابه، ومن كف فيه شره، كف الله عنه غضبه يوم يلقاه، ومن اكرم فيه يتيما، اكرمه الله يوم يلقاه، ومن وصل فيه رحمه، وصله الله برحمته يوم يلقاه، ومن قطع فيه رحمه قطع الله عنه رحمته يوم يلقاه، ومن تطوع فيه بصلاة، كتب الله له براءة من النار .. «الى آخر خطبته صلى الله عليه وآله.4


* شهر التبليغ
من هذا المنطلق تنطلق الحوزات العلمية عبر طلابها ومبلغيها الى شتى المناطق المختلفة لتوظيف هذه الاجواء المباركة لصالح بناء الإنسان وإعادة شخصيته من جديد وعلى أسس قيم الوحي الإلهي .
فالإنسان ـ بطبيعته ـ خاضع للغرائز والعواطف والميول المتدفقة من خلف اللاشعور، ولا بد له أن يسايرها ضمن نطاق، تختلف الأديان والمبادئ في تحديده، ولولا الحوافز المعنوية التي تكبح جماحها، لكان على الإنسان أن يتقمص سيرة الحيوانات!
وحيث أن الموائد المادية الخلابة، منبسطة في كل مكان لترعى الانتباه و تغري العواطف العاتية والعبادات اليومية - رغم نتاجها الفعال ـ لا تدع الإنسان يلمس ان القوى المعنوية مسيطرة على القوى المادية .. فالصلاة لا تصد الفرد عن التشبع من رغبات البطن والجنس ـ اللذين تنطلق منهما قوة المادة وتمثلان الشراهات المادية في قمتهاـ حتى تكون دليلا عمليا على إن الروح فوق المادة، وان الاستجابات الروحية أقوى من الاستجابات المادية .. 
فالإنسان ـ بطبيعته التي لا تزداد سيرا إلا وتزداد انحرافا وبعدا عن خطة العقل والدين، يحتاج في كل حقبة الى تجربة عنيفة ترده الى سواء السبيل، وتقتحم في واقعه شعورا آخر، يطارد الشعور العلمي السابق.
وهذه فلسفة اعترف بها الجميع، غير أن بعض الأديان الأخرى كالمسيحيين ـ وان هضموا هذه الفكرة ـ لكن أعياهم العلاج الناجع، حيث استقلوا بأنفسهم فوضعوا «أسبوع التبليغ» لينطلقوا فيه بحملات تثقيفية جماهيرية واسعة النطاق، لترميم ما انهار من العقائد، والقضاء على طغيان المادة وعتوها وتكبيلها بحدودها غير أنهم باؤوا بالفشل في نهاية المطاف، لأمور:
1ـ ظهر إن مجاميع الناس لا تستطيع تأجيل الحياة العادية لمدة أسبوع، حتى يحضر الكنائس وصالات التبليغ لمجرد الإنصات الى الخطب المتتابعة الطوال.
2ـ إنهم كانوا يحاولون مكافحة رواسب السنة في أسبوع، ولا يمكن إبادة رواسب السنة خلال أسبوع، لان مؤثرات النفس لا تُزال إلا بمؤثرات أقوى، والنفس لا تتأثر بسرعة، ولا تسلخ انطباعاتها السابقة بسهولة.
3ـ إنهم استخدموا ـ في أسبوع ـ الخطب الرنانة، والمواعظ البليغة، فاقتصروا عليها ولم يلتمسوا الوسائل العملية.
واما الإسلام، فانه استطاع أن يعالج هذه المشكلة المستعصية على ضوء الحقائق، فقد شرع لمكافحة هذه السيطرة المادية: «شهر التبليغ من خلال ما يأتي:
1ـ أن لا يحاول إلغاء الحياة وتقييد المجتمع في إطار القضايا الروحية ولا يناقض طبائع النفوس.
2ـ ان يقدر واقع الناس فيراهم أبناء المنطق والتجربة معا، فبينما هم لا يوحدون المنطق، و إلا لنشأت «المدينة الفاضلة» ولآمن من في الأرض جميعا .. ولهذا الواقع توصل الإسلام في رمضان الى المنفذين معا، منفذ المنطق الخالص، والتجربة المحسوسة، فشهر رمضان، زيادة على انه موسم الخطب والمحاضرات الإسلامية، والصلوات والأدعية والأذكار، يعتمد أكثر ما يعتمد، على التبليغ الملموس المتجسد في الصيام ـ الذي يحدد غلواء المادة ويأخذ من عتوها الأهوج، بعمليات بيولوجية وسيكولوجية كما تفعل سائر العبادات المفروضة والمستحبة في هذا الشهر، كالزكاة، والصلاة، وإحياء الليالي، ولا سيما ليالي القدر المباركة.
وهكذا يكون رمضان، شهر التبليغ .. وهكذا يعالج الإسلام مشكلة الإنسان الكبرى، ويزوده بطاقات تؤكد له النصر في صراعه مع سيادة النفس، واستبدادها بحكومة الإنسان .. ذلك الصراع الدقيق الخطير الذي عدّه الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله: «الجهاد الأكبر».


* ذكريات لها دلالات
إن تاريخ شهر رمضان المبارك حافل بالذكريات التي تعد حجر الزاوية في كيان الإسلام، وتعد هذه المناسبات البهيجة منها والأليمة فرصة مؤاتية لخطباء المنبر الحسيني لاستثمارها في فضاء شهر رمضان المبارك الرحب لتبيين الابعاد المختلفة لركائز ومقومات الاسلام من خلال هذه المناسبات العطرة.
فالمسلمون أمة وتاريخ. فهم أمة، لأنهم أصحاب رسالة إنسانية تتركز على عقيدة سليمة .. وهم تاريخ لأن عقيدتهم أحدثت اكبر انقلاب قوّض دولاً واقام دولاً، واشعل ثورة بناءة في العقول لا تزال فتية.. ومن تلك الذكريات ما سبقت تشريع رمضان في الإسلام، ومنها ما توالت بعده، ولكنها جميعا، مما يؤهل هذا الشهر لان يعيشه المسلمون مهرجاناً حضارياً .. واليك بعض المفاخر:5
1ـ الكتب المقدسة: فقد تنزلت في هذا الشهر العظيم كتب السماء، واتصل الوحي بالأرض، ومنها القرآن الكريم، الذي هو بداية اندفاع ثورة فكرية بزغت من خلالها شمس الإسلام.
2ـ مولد النور: وصح إن الله تعالى خلق النور في غضون هذا الشهر ..
3ـ ليلة القدر: فقد خصصت برمضان، هذه الليلة المباركة التي جعلها الله أفضل من ألف شهر، وقرر فيها تصريف أقدار السنة، وأكرم بها محمداً وآل محمد وأثمنها بسورة « القدر» في كتابه المنزل.
4ـ غزوة بدر الكبرى: وفي السابع عشر من شهر رمضان عام (2) هـ أحرز المسلمون اولى انتصاراتهم على الطغيان، في معركة بدر الكبرى، التي هي اول لقاء مسلح بين الإيمان والكفر، وأول تجربة قاسية دارت بين شيعة الحق وأشياع الضلال، وقد قدر الله تعالى ان تكون حاسمة لصالح معسكر الإيمان.
5ـ فتح مكة: في اليوم الحادي والعشرين من شهر رمضان عام (8) هـ كانت «غزوة الفتح» وكانت الانجاز الراشد لذلك المكسب الرابح .. ولئن سجلت «غزوة بدر الكبرى» النصر الاول للمسلمين فان «غزوة الفتح» قررت النصر النهائي للمسلمين.
6ـ المؤاخاة: وفي الثاني عشر من هذا الشهر، عقد رسول الله صلى الله عليه وآله المؤاخاة بين اصحابه، وكانت تلك اللفتة من احكم خطط الرسول الحكيم، فقد أقام صلى الله عليه وآله جسور العلاقة الأخوية بين المهاجرين القادمين من مكة وبين الأنصار في «يثرب» لتذويب الفوارق الظاهرية بين الأخوة المسلمين، كما قام بتقييم الرجال وتثبيتهم في مواضعهم، واعلى مواقعهم في الحياة.
7ـ شهادة بطل الاسلام: حيث استشهد في صبيحة يوم الحادي والعشرين منه بطل الإنسانية الخالد الامام امير المؤمنين (ع) على اثر الضربة السامة التي اهوى بها على ام رأسه المجرم الاثيم عبد الرحمن بن ملجم، بينما كان في الصلاة في محراب مسجد الكوفة عام (40) هـ
8ـ وفاة أبي طالب على رواية، وهو عم الرسول الأكرم ووالد الإمام أمير المؤمنين في السابع عشر من شهر رمضان، عام الهجرة.
9ـ وفاة السيدة خديجة الكبرى: أم المؤمنين وأفضل زوجات الرسول ووالدة الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (ع)، والتي تحدث النبي صلى الله عليه وآله عن مكانتها في الإسلام، فقال: «ما قام ولا استقام ديني الا بسيف علي ومال خديجة».
10ـ ميلاد الامام الحسن المجتبى (ع) عام (2) هـ في النصف من شهر رمضان.
11ـ ميلاد الامام محمد الجواد (ع) عام 195 هـ على بعض الروايات.
12ـ فتح ثغور الاندلس (اسبانيا) على يد موسى بن نصير عام 91 هـ وانهزام الملك «رودريك» وانتهاء السيطرة على اقطار اسبانيا بقيادة طارق بن زياد. 
13ـ بيعة الناس للإمام علي ابن موسى الرضا (ع) عام 201هـ .
14ـ انهزام الافرنج المسيحيين، الذين استولوا على سوريا وضواحيها على ايدي جيوش المسلمين عام 584هـ.
15ـ استنقاذ البلاد الاسلامية، من «التتار» ثلاث مرات، عام 658 و666 و 702.
 16ـ فتح المسلمين جزيرة «رودس» سنة 53 هـ.
17ـ سقوط الدولة الاموية عام 132هـ.
هذه المكاسب والانجازات ، وغيرها كثير، هي بعض ما أحرزه المسلمون في هذا الشهر المبارك ، مما تتفق وكرامته، وما يتطلبه من تهذيب النفس والمجتمع والتوجه الى الله وتجديد الايمان والعزائم لخوض معترك الحياة والارتفاع بالنفس عن عالم المادة والغزائز والشهوات؛ وهنا تعلب المجالس الحسينية والندوات الدينية والمسابقات الثقافية والدورات والمحافل القرآنية والتربوية الدور الاكبر والابرز في القيام بمهمة التبليغ في هذا الشهر الفضيل.
--------------
1ـ البقرة /183.
2ـ البقرة /187.
3ـ البقرة /21.
4ـ حديث رمضان / آية الله الشهيد حسن الشيرازي.

5ـ المصدر السابق.


ارسل لصديق