أحداث اليمن مثالاً.. (الحمية الجاهلية) تعود لتحارب شعباً يريد الحرية
كتبه: أنور عزّالدين
حرر في: 2015/05/07
القراءات: 634

لماذا تنتصر الثورات بالرغم من كل العقبات والعراقيل التي تعترض طريقها؟

ولماذا اكتسح المسلمون، العالم المحيط بهم في فترةٍ قياسية؟

ولماذا تُخطئ التنبؤات والتحليلات، وما وراء ذلك من الاستشراف المستقبلي، فيما يرتبط بحركة الجماهير، وحركة الأمة؟

هذه أسئلة حيّرت المفكرين، واستوقفت العلماء والمصلحين، بيد أن نظرة متبصّرة ومتدبرة في القرآن الكريم، تتيح امكانية الوصول الى إجابة صحيحة. ونظراً الى أن القرآن الكريم يمثل المرآة الشفافة والصادقة للتاريخ البشري وتجارب الأمم السابقة، فان التاريخ تحول بالنسبة لنا، بمنزلة المدرسة العظيمة للتجارب والعبر، حتى بات بإمكان الإنسان أن يستلهم دروس التاريخ، وأن يعيش ظروف الأجيال الماضية، كما لو أنه كان معهم، لذا فهو لا يقتصر على ما يملك من تجارب ذاتية، أو ما جرت عليه من حوادث وقضايا خاصة، إنما يعد نفسه امتداداً لمسيرة مئات، بل آلاف السنين.

لذا فإن الذي يأخذ الأمور من ناصيتها بقوّة ويوجه الحياة توجيهاً جيداً، فاعرف أنه قد تعمّق في بصائر التاريخ، والقرآن الكريم يختصر لنا هذه البصائر في عديد آياته الكريمة. من هذه البصائر؛ ما انطلق منه المسلمون، حيث الموقع الجغرافي المحدود، والامكانات البسيطة، ثم أصبحوا أمةً يُخشى جانبها، وما تزال أصداء هذه الأمة تتموج في العالم.

 

* درسٌ في تصفير قوة العدو

واقعة فتح مكة، التي يعظمها القرآن الكريم، ويخلدها التاريخ، لما حوت على دروس حضارية، لم تحصل من منطلقات عسكرية بحتة، كما حصل في الغزوات والحروب التي خاضها النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، إنما كانت وفق خطّة ذكية لم تخطر على بال أحد. فبعد خمس سنوات على الهجرة النبوية، وخوض المسلمين معارك ظافرة ضد المشركين، أبرزها «بدر» و»الخندق»، رأى النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، أن يطرق أبواب مكة، هذه المدينة التي تضم بيت الله الحرام، وهي مسقط رأسه ومنطلق دعوته، وهي في الوقت نفسه، معقل الشرك والجاهلية. فهو لم يخطط عسكرياً، إنما مدنياً - إن صح التعبير- فقد دعا أصحابه الى أداء مناسك العمرة، وهم في نفر قليل، وتوجهوا صوب مكة، بيد أن كفّار قريش، منعوهم من دخول المدينة. آنئذ؛ توجه النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، الى شجرة في الطريق، واتكأ تحتها، وقال لمن معه - ما معناه: نحن جئنا حتى نعتمر، والجماعة يعارضون ذلك، وهو ليس من حقهم، لأن شرعية الذي يحكم مكة، من خدمته المسجد الحرام، أو بيت الله الحرام، لذا أرى ان نخوض معهم القتال...». ثم دعاهم، صلى الله عليه وآله، الى البيعة مجدداً، فتهافتوا على ما سُمي فيما بعد «بيعة الشجرة»، وكانت المناسبة التاريخية التي أنزل الله - تعالى- سورة كاملة تحت عنوان «الفتح»، وفيها الآية الكريمة: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً).(سورة الفتح/18)

الخطة التي اتبعها النبي الأكرم، والدعم الإلهي المباشر، جعل قلوب المؤمنين، كزبر الحديد، فباتوا لا يخشون شيئاَ من قوة العدو وعدته وامكاناته وتحالفاته. فجاءت النتيجة باهرة، وهي اقرار مشركي قريش لأول مرة بوجود قوة عسكرية وسياسية للمسلمين، عندما وافقوا، أمام قوة متماسكة ومستميتة لم يعهدوها من قبل، على إبرام اتفاقية هدنة تحت عنوان «صلح الحديبية». على أن يأتي المسلمون في العام القادم الى بيت الله الحرام.

 

* «حمية الجاهلية» أم الغيرة على الدين؟

مما نستفيده من هذه الواقعة التاريخية، أن المسلمين لم ينتصروا بعدتهم وعددهم، ولم يمتلكوا يوماً عنصر «الردع»، كما يحرص على هذا، الدول التي خوض الصراعات والحروب في العالم، فهي تسعى لامتلاك السلاح النووي او التكنولوجيا النووية لاتخاذها وسيلة لردع المخاطر وايجاد توازن في القوى العسكرية. بالمقابل، نلاحظ أن المشركين كانوا يمتلكون وسائل الهجوم والردع آنذاك، بيد أنهم هزموا أمام جيش المسلمين المؤلف من امكانات بسيطة. فما هو مصدر هذه القوة؟

القرآن الكريم في «سورة الفتح» يكشف الحقيقة، في أن العدو كان يحمل «الحمية الجاهلية»، متمثلة في قيم جاهلية، مثل التعصّب والمكابرة، و هذه القاعدة هي التي ألحقت بالجيوش الجرارة، الهزيمة المنكرة عبر التاريخ، سواء في التاريخ القديم، والحديث ايضاً. فمن قال بالأفضلية العرقية او القومية او الهيمنة العسكرية، سقط وانهار، والسبب في ذلك؛ إن أهل «الحمية الجاهلية»، يقاتلون من أجل اهداف محدودة، ربما بالنسبة اليهم تكون ذات أهمية، لتحقيق بعض المصالح، في مساحة من الارض او حدود مائية، او مناطق غنية بالمعادن، او موقع استراتيجي، وغير ذلك، بينما في الطرف المقابل، هنالك من يقاتل من أجل اهداف بعيدة المدى، فهو يقاتل ويُقتل مؤمناً بالله وبقيمه الخالدة في الارض، ثم ينتصر لأنه يمتلك قوة هائلة لا تقهر، يعبّر عنها القرآن الكريم في الآية المشار اليها: (فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً).(سورة الفتح/18) هذه السكينة، هي بالحقيقة، بمنزلة الدعم المعنوي والثقة العالية بالنفس وعزيمة لا تلين، بأن هنالك قوة قاهرة، بيدها الكون والحياة، هي التي تضمن لهم النصر، إن عاجلاً أو آجلاً.

وابرز ما يمكن ان نورده في هذا السياق؛ ما يسطّره أبطال «الحشد الشعبي» في العراق، عندما يهبّون من المحافظات الوسط والجنوب، لمواجهة عناصر التكفير والارهاب في المناطق الغربية من البلاد.

 

* اليمن؛ مثال قادم للانتصار

في بلد صغير جنوب شبه الجزيرة العربية، هنالك شعبٌ يناضل من اجل كرامته وحريته، ولم يتعرض على أحد بعدوان او أذى يذكر، مع ذلك، لاحظنا كيف اجتمعت عليه الاطراف الاقليمية والدولية، وتعرض لأبشع عمليات القصف الجوي من قبل الطائرات السعودية، الاميركية الصنع، واكثر من ذلك، تآزر عليه المجتمع الدولي، وصدر قرار من مجلس الأمن الدولي، يعده ضمن المشمولين بـ «البند السابع»، الذي يسلب من النظام الحاكم على شعبه، حق السيادة وتقرير المصير. وقد تمثّلت «الحمية الجاهلية»، بأقبح صورها، فيما يسمى بالتحالف العربي الذي قادته السعودية، لشن الحرب ضد الشعب اليمني.

وبالرغم من القصف الوحشي على المناطق السكنية، وضرب المنشآت الحيوية، من محطات تحلية مياه ومنشآت طاقة وجسور، حتى قصفوا الشاحنات التي تنقل الحبوب والمواد الغذائية، الى جانب عشرات من الشهداء من الاطفال والنساء، لكن؛ النتيجة لم تنته بما كانت تريده السعودية، فقد أجبرت على وقف إطلاق النار، فيما بقي تنظيم «أنصار الله» هو الماسك للأرض اليمنية، وليس أعوان الرئيس الهارب «عبد ربه منصور هادي» الذي باع بلاده وشعبه، بالمجان للسعودية.

هذا الانتصار فرض نفسه على التعتيم الاعلامي والتحيّز الدولي المقيت، بحيث صمّ العالم كله، آذانه، وأغمضّ عينيه، عن كل الجرائم التي ارتكبت خلال الاسابيع الماضية، مع علم الدول الكبرى بكل ما جرى - ويجري حتى الآن- في هذا البلد. وهذا بحد ذاته يستوقفنا لدراسة الموقف الدولي ومنطلقاته، فالعواصم الغربية لا تجهل بما تقوم به الانظمة السياسية الحاكمة من مجازر وجرائم بحق شعوبها، والشعوب الاخرى، بيد أن مصالح سياسية واخرى اقتصادية، تحول دون الافصاح عنها، والضغط على تلك الدول او الشخصيات الحاكمة، كما فعلوا مع الطاغية صدام، ويفعلون اليوم مع حكام السعودية. انهم بذلك ينطلقون من منطلقات جاهلية، ولا يشعرون، فالانتصار للعصبية الجاهلية والمصالح الضيقة هو الذي جرّ الارهاب التكفيري الى باريس ولندن والمدن الغربية، وتسبب في مقتل العديد من المواطنين الغربيين. بمعنى أن الغرب الذي يموّل السعودية ويمدّه بالسلاح، كما يسهّل عمل الجماعات الارهابية ويمهد الطريق امامهم لارتكاب المزيد من الجرائم بحق الانسانية، يجني من ورائه الكوارث اراقة الدماء والدمار والمشردين عبر العالم، وفقدان المصداقية السياسية في العالم.

واكثر من ذلك، الفضيحة التي مُني بها حكام السعودية بفشلهم في الحسم العسكري، لعجزهم عن التقدم برياً نحو الاراضي اليمنية، فما حصل خلال العدوان السعودي؛ قصف جوي على المناطق السكنية والمنشآت الحيوية، وقد أكد معظم الخبراء والمحللون على خطورة الموقف على الأرض، واحتمال سقوط الجيش السعودي، وحتى الجيوش المتحالفة معها، في مستنقع من الدم فظيع، يكلف شعوبها خسائر بشرية فادحة.

من هنا؛ فان الثورات الشعبية الإيمانية تنتصر. وهذه سنّة التاريخ، وهي قبل هذا، سنّة الله- تعالى- في الارض، إذ ان النصر حليف الذين يقاتلون في سبيل الله والقيم الانسانية.


ارسل لصديق