الاستقرار السياسي في حكومة الامام علي «عليه السلام»
كتبه: حسين محمد علي
حرر في: 2012/08/17
القراءات: 5241

قدمت حكومة الإمام علي عليه السلام نموذجاً في الحكم والإدارة لم يشهد له التاريخ مثيلاً، إلا في عهد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، فقد كانت تجربته عليه السلام، مليئة بالدروس والعبر على الرغم من قصر مدتها، ذلك أنها دخلت في مخاض عسير، وفي تجارب جمّة، لم تتوفر لأية حكومة أو لأي كيان سياسي خلال تاريخ الحكومات والدول في العالم.
فأصبحت هذه التجربة الفريدة من نوعها تمّد الباحثين الاسلاميين بل وغير الإسلاميين بالدروس والعبر الكثيرة في فن الإدارة وفي التعامل مع الأزمات.
وقبل أن نتناول هذا الموضوع نشير إلى تعريف مصطلح «عدم الاستقرار» في المفهوم السياسي، ولا نعني بالاستقرار، هو عدم وجود المشاكل والأزمات في حكومة ما، بل الاستقرار يعني مواجهة الحد الاقصى للحوادث والأزمات، مع قدرة الحفاظ على الكيان السياسي، والاستمرارية في الحكم، وعدم تزلزل اركان النظام السياسي للدولة في أي حال من الأحوال.
أما «عدم الاستقرار» فيعني عكس ذلك تماماً، أي إن الحكومة غير المستقرة، هي الحكومة التي تنهار امام الحوادث والأزمات وتفقد  قدرة استعادة السيطرة على الوضع.


* عوامل عدم الاستقرار في الكوفة
كان الإمام عليه السلام، يعتمد اعتماداً كلياً على جماهيره، وكان يعدهم الذراع الأيمن لحكومته، فكان يقول لهم: «اني انتخبت الكوفة مركزاً للخلافة لعلمي بولائكم ومحبتكم للنبي صلى الله عليه وآله..» ، لكن لم يستمر هذا الولاء من قبل أهل الكوفة، بل انقلب الى فتن وحروب، ولم تكن الكوفة وحدها تتملص من ولائها للإمام عليه السلام، بل امتد ذلك إلى سائر البلدان.
وقبل أن نتطرق إلى عوامل عدم الاستقرار في حكومة الإمام علي عليه السلام، يجب أن نُنبّه بأنه كانت هناك عدة عوامل وأكثر من أرضيّة واحدة لعدم الاستقرار آنذاك، ولكن الأمر الملفت للانتباه هو اجتماع هذه العوامل مع بعضها وتأثيرها المضاعف في الأمن والاستقرار.
أما بالنسبة لهذه المؤثرات والعوامل فتنقسم إلى داخلية وخارجية وأخرى عوامل وأسباب قيميّة.


* العوامل الداخلية
وهي التي نشأت من داخل المجتمع جراء اسباب كثيرة فكانت هي من أبرز بواعث عدم الاستقرار، مثل التركيبة النفسيّة والاجتماعية والاتجاه المادي والنزعة المادّية السائدة آنذاك، ففي المجال الاداري كان الإمام يفقد الكثير من الكادر الاداري الأمين الذي من الممكن ان يعتمد عليه، لأن الاتجاهات والوجوه البارزة إبان خلافة الرسول وما بعدها شابها التغيير في الرؤى والاهداف، فتحولت من تمثيل المبادئ الى تمثيل المصالح المادية والدنيويّة والتكالب على السلطة.
ومن جانب آخر فإن الحقبة التي سبقت خلافة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وبالذات في الأيام الأخيرة لعثمان، تركت آثارها السلبيّة في المجتمع الاسلامي، فخلقت الفتن بكافة أنواعها، وعملت على ايجاد الانقسام بين المسلمين. فالسياسات القمعية والتعسفية التي اتبعها ضد اصحاب النبي الاكرم صلى الله عليه وآله، وضد سائر المسلمين في الامصار، والاستئثار بأموال المسلمين للمصالح الشخصيّة والعائليّة، وتنصيب الولاة غير الجديرين، وغيرها، كانت من أهم تلكم العوامل الداخلية.
ومن جانب آخر فإن نزوح المعارضة إلى مركز الخلافة و إجماعهم على قتل عثمان بدون وجود أي مقاومة تذكر، هو بحد ذاته يشكل دليلاً صارخاً على وجود الانحراف في خلافة عثمان، فكان مقتله قضيّة أخرى ومؤشراً لتفاقم الوضع.
 ففي مثل هذه الظروف تسلّم الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، زمام الخلافة الإسلاميّة، فهو عليه السلام كان يواجه مخلفات الوضع القديم، ومتطلبات الوضع الجديد، على أكثر من صعيد وفي أكثر من مجال داخل حكومته.


* العوامل الخارجيّة
نقصد بها، موجات الحروب والفتن التي تمثلت بحروب وتآمر الفئات الثلاث، أي القاسطين والمارقين والناكثين، واجتماع الطامعين والمنحرفين والمغرر بهم ضد الإمام ليشنوا الحروب ضد حكومته الفتيّة، فكان الإمام لا يرى منفذاً إلاّ الدفاع وقتال هؤلاء، مع قلّة إمكانياته في العدّة والعدد، ومع فقدان روح الدفاع والقتال لدى جيشه.
فهو يقول عليه السلام: «فانتم عباد الله، و المال مال الله يقسم بينكم بالسوية لا فضل فيه لاحد على احد، و للمتقين عند الله غداً احسن الجزاء و افضل الثواب، لم يجعل الله الدنيا للمتقين اجراً و لا ثواباً ، فإن عندنا مالاً نقسمه فيكم و لا يتخلفن احد منكم عربى و لا عجمى ...».
يقول ابن ابي الحديد المعتزلي في هذا المجال: كان هذا الكلام يغضب المعارضين ويزرع في قلوبهم الضغائن والأحقاد تجاه الإمام أمير المؤمنين وبالنسبة لحالة الانسجام في صفوف جيش الإمام، يقول احد المؤرخين: إن أهل الكوفة ذهبوا مع الإمام الى «صفين» أخوة منسجمين في نصرته عليه السلام  ولما عادوا تحولوا إلى أعداء لدودين.


* العوامل القيميّة
كانت نظرة الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه، إلى المفاهيم السياسية نظرة قيمية، فهو على خلاف بقية الحكام والسلاطين، يجعل السياسة في خدمة الدين، وليس العكس ومن هذا المنطق، لم يستعن الإمام في تسيير شؤون حكمه وإدارته السياسية بأساليب المكر والخداع، كما كان يفعل الآخرون الذين يمكرون ويخدعون وينقضون العهد والميثاق، فكان واضحاً عدم تنازل الإمام عن مبادئه وقيمه في سبيل تحقيق الاستقرار لحكمه، إذن فإن السياسة والحكم ليسا هدفاً عند الإمام عليه السلام، بمقدار ما هما وسيلة للوصول الى رضوان الله تعالى.
فعلى سبيل المثال، عندما تولى الامام الخلافة، بادر الى عزل معاوية من بلاد الشام، في حين أشار اليه بعض وجوه القوم، أن يؤخر هذا القرار الى حين، حتى تستقر حكومته ويأخذ بزمام الامور جيداً، وبعد ذاك بإمكانه عزله بمنتهى الهدوء وتفادياً للأزمة، ولكن الإمام أبى أن يبقي معاوية يمثل الدولة الاسلامية و والياً يتحمل مسؤوليته يوماً واحداً.
وفي قضيّة أخرى أحسّ الإمام برائحة التآمر من جانب طلحة والزبير، فعندما أرادا أن يغادرا الكوفة قالا نريد الذهاب إلى العمرة، فقال لهم الإمام عليه السلام «إنما تريدان الغدرة».
هذا التعامل لا يجدي في عالم السياسة، فالساسة والحكام يقضون على معارضيهم بمجرد الظن، فهم يمارسون العقوبة قبل وقوع الجريمة، فهذا معاوية يقول لشرطته: «خذوهم بالظنّة واقتلوهم بالتهمة»!
فكانت تلك الأسس والمبادئ القيميّة والأخلاقية، والالتزام بها، تشكل مانعاً امام تحقق الاستقرار السياسي بالمعنى الظاهري لحكومة أمير المؤمنين عليه السلام.
ولكن في الواقع، هذا الأسلوب الفريد من التعامل مع المعارضين، كان بحد ذاته مؤشراً واضحاً للاستقرار السياسي بالمعنى الحقيقي. وأكبر دليل تاريخي على ذلك، عدم وجود أي حركة معارضة في الدولة الاسلامية ضد حكم الامام عليه السلام، وما حصل ليس لسياساته الداخلية، بل لاغراض واهداف شخصية واضحة، مثل قضية «قميص عثمان» أو الطمع بالخلافة من قبل طلحة والزبير، بينما القاعدة الجماهيرية أو ما يسمى بـ (الشارع العام)، كان يرى في حكم أمير المؤمنين، كل الانصاف والعدل والكرامة. هذه الحقيقة اقرّ بها المؤرخون المسلمون وحتى غير المسلمين في دراستهم للحقبة السياسية التي تلت عهد الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله.

وبمعنى آخر؛ لو لم يخرج طلحة والزبير الى البصرة، بطمعهم في الحكم، ولم ينخدع أنصاف المتدينين والمصلين بالمصاحف المزورة لعمرو بن العاص، لكان بإمكان الامام علي عليه السلام، ان يوفر أروع اجواء الامن والاستقرار في الدولة الاسلامية، وتكون المثال والنموذج لنا ولكل العالم.


ارسل لصديق