الحاكم الصالح.. ذو القرنين انموذجا
كتبه: السيد سجاد المدرسي
حرر في: 2015/09/27
القراءات: 976

قليلون هم الحكام الذين يذكرهم التاريخ بالصلاح والعدالة والايمان، و أقل منهم من يذكرهم القرآن الكريم بذلك. ولا يذكر القرآن سيرة الملك الصالح إلا لإثبات إمكانية اجتماع الحكم مع الايمان وتحقيق الأهداف السماوية عبر الاستفادة من السلطة والدعوة الى اتباع الحكام الآخرين، سيرتهم والاقتداء بهم، ومن أولئك الرجال؛ ذو القرنين الذي تمحورت مجموعة من آيات سورة الكهف، حول جوانب من سيرته في الحكم وكما قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً}.(سورة الكهف، الآية: 83)

 

 من هو ذو القرنين؟

من هو المكنّى بذي القرنين؟ أهو حاكمٌ في اليمن، أم هو الاسكندر، أم هو كوروش؟ وهل كان اسمه «عياش» أم عبد الله الضحاك؟

اختلفت أقوال المفسرين، وهو أمر ليس بتلك الأهمية المرجوة في المقام، انما المهم هو صفاته وافعاله، وفي رواياتنا بيانٌ لبعض صفات هذه الشخصية و بيانٌ لأن سنته تجري في امة النبي، صلى الله عليه وآله، فقد روى جابر بن عبد الله الانصاري عن رسول الله، صلى الله عليه وآله، قوله: «إِنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ كَانَ عَبْداً صَالِحاً جَعَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ حُجَّةً عَلَى عِبَادِهِ، فَدَعَا قَوْمَهُ إلى اللَّهِ وَ أَمَرَهُمْ بِتَقْوَاهُ، فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنِهِ فَغَابَ عَنْهُمْ زَمَاناً حَتَّى قِيلَ مَاتَ أَوْ هَلَكَ، بِأَىِّ وَادٍ سَلَكَ، ثُمَّ ظَهَرَ وَ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنِهِ الْآخَرِ، وَ فِيكُمْ مَنْ هُوَ عَلَى سُنَّتِهِ، وَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ مَكَّنَ لِذِي الْقَرْنَيْنِ فِي الْأَرْضِ، وَ جَعَلَ لَهُ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ سَبَباً، وَ بَلَغَ‏ الْمَغْرِبَ وَ الْمَشْرِقَ، وَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ سَيُجْرِي سُنَّتَهُ فِي الْقَائِمِ مِنْ وُلْدِي، فَيُبَلِّغُهُ مَشْرِقَ الْأَرْضِ وَ غَرْبَهَا حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهَا وَ لَا مَوْضِعاً مِنْهَا مِنْ سَهْلٍ أَوْ جَبَلٍ وَطِأئه ذُو الْقَرْنَيْنِ إِلَّا وَطِئه وَ يُظْهِرُ اللَّهُ لَهُ عَزَّ وَ جَلَّ كُنُوزَ الْأَرْضِ وَ مَعَادِنَهَا، وَ يَنْصُرُهُ بِالرُّعْبِ، وَ يَمْلَأُ الْأَرْضَ بِهِ عَدْلًا وَ قِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَ ظُلْماً».(1)

 

 قصة ذي القرنين

مكّن له الرب في الأرض، وآتاه من كل شيء سبباً ودليلاً، ويذكر لنا القرآن رحلاتٍ ثلاثاً اتبع فيها بعض تلكم الأسباب التي وفرها له الرب بعد قيامه بالجهاد في سبيل الله مدةً طويلة من عمره، كما ورد في الحديث السابق، وفي حديث آخر يقول الامام الصادق، عليه السلام، بعد بيان سيرته مع قومه: «ثُمَّ بَعَثَهُ إِلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَمَلَّكَهُ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغَارِبَهَا».(2)

ولا يهمنا -هنا- في ذكر تلك الرحلات الجوانب التاريخية والجغرافية، بل يهمنا استلهام مواقف للاقتداء بهذه الشخصية الصالحة التي نصحت لله وعملت لله وتحركت في سبيل الله والدعوة اليه.

 

 الموقف الأول: العدل في الحكم

الطغيان ميراث الغنى والسلطة، أو ليس {الإنسان ليطغى أن رآه استغنى}؟ ومن نتائج الطغيان، الظلم والجور في الاحكام التعسفية تجاه الرعية، وهذا ديدن أصحاب المناصب العالية، الذين يدمرون حياة شعب بأكمله بجرة قلم، تلبية لنزعات نفسية وإرضاءً للغرور والكبر وحب الذات.

في حين ان المطلوب من الحاكم ان يكون عادلاً في احكامه، دقيقاً في إصداره للقرارات، مثلما فعل ذو القرنين، حين وصل الى مغرب الشمس، وقال له الله (وحياً او الهاماً عبر نبي): {... وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْماً قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً}، من أجل ان يبين ذو القرنين منهجيته في الحكم بين الناس، هل ستكون قائمة على التنكيل أم الاحسان - كونهم كافرين- كان امامه، وهو صاحب السلطة، أن يتخذ أحد الطريقين: إما طريق الجور والإرهاب، وأما طريق العدل والإصلاح.

فأجاب ذو القرنين عن ذلك: {قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُكْراً * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً}.(سورة الكهف، الآية: 87-88)، مبيناً - في الإج ابة على الاستخبار الإلهي- طريقته في الحكم، بأنها قائمة على أساس العدل والتفريق بين المحسن والمسيء، والصرامة مع المنحرف الظالم والإحسان الى المؤمن الصالح.

لقد أدى إيمان ذي القرنين بالله واليوم الآخر، إلى اتخاذ السياسة الصحيحة في الحكم والإدارة، وهي اتباع العدل والحق، وخدمة الناس وتسيير أمور الرعية، وتحريرهم من أنماط القهر التي يتبعها الحكام المنحرفون.

من هنا هذه الصورة المختصرة لشخصية ذي القرنين، تتضح لنا حقيقة أن «الإنسان قادر على التغلب على شهواته، وعلى موقعه الاجتماعي، فلأنك من طبقة الأثرياء أو من حاشية السلاطين وشريف من الأشراف، هل يجب عليك أن تخضع حتماً لسلبيات طبقتك أو مركزك أو مالك؟ كلا. إنّ بإستطاعتك أن تنفلت من قيود المادة وإن أحاطت بك، وأن تحلق في سماء القيم، وباستطاعتك أن تكون سلطاناً أو غنياً وتقاوم سلبيات طبقتك، وأن تكون شريفاً ولا يستبد بك حب الشرف والجاه فيخرجك عن طاعة الرب».(3)

 

 الموقف الثاني: خدمة المجتمع

يهدف الحاكم - من كرسيه- الاستحواذ على اكبر قدر ممكن من الخدمات والمصالح لشخصه وحاشيته، في حين ان الحكم الإلهي يوجه نحو خدمة المجتمع وتوفير الخدمات لهم وحل المشاكل المعظلة لديهم، وكل ما يقدمه الحاكم في سبيل ذلك هو مما مكّنه الله سبحانه فيه.

وهذا ما حصل لذي القرنين عندما وصل الى منطقة «بين الجبلين» ووجد قوماً يئنّون من وطأة هجمات «يأجوج ومأجوج»، حتى كادوا لا يفقهون قولاً، وطلبوا منه ان يعينهم في معظلتهم وينقذهم من هؤلاء القوم، حتى لو كان ذلك بأجرٍ مادي يقدمونه له.

لنستمع الى الآيات القرآنية وهي تروي الحادثة والحوار:

{ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً * قَالَ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً}.(سورة الكهف، الآية: 92-95)

وجدير بالملاحظة ان أولئك القوم لم يكونوا مؤمنين، وبالرغم من ذلك لم يمنع كفرهم، ذا القرنين من تقديم الخدمة الإنسانية لهم، وهذا هو المنهج الصحيح للحاكم الإسلامي الذي يسعى لخدمة البشرية.

 

 الموقف الثالث: الإدارة الصحيحة لموارد الدولة

لم يطلب منهم الحاكم المؤمن (ذو القرنين) مالاً وأجراً لقاء إنقاذهم من يأجوج ومأجوج، بل قام بتوظيف الإمكانيات البشرية والطبيعية المتوفرة في تلك البقعة لإيجاد سدٍ منيعٍ أمام المهاجمين، حيث طلب من الناس ان يعينوه بأجسامهم، لتجميع الحديد الموجود لديهم ورصه في حفرة بين الجبلين ثم إشعال النار من حوله، ومن ثم صب النحاس المذاب عليه، قال تعالى عن ذلك: { آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً * فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً}.(سورة الكهف، الآية: 96-97)

 وهذه الخطوة تعد مهمة جداً في أنظمة الحكم والإدارة، حيث لابد من الاستفادة القصوى من كل الإمكانيات المتوفرة في البلاد، دون الاستعانة بالموارد الأجنبية إلا في حالات عدم توفرها.

 

 الموقف الرابع: التواضع للحق والدعوة اليه

الإنجاز العظيم الذي قام به هذا الرجل، لم يؤدّ به الى الغرور والعجب، كما هو حال اكثر المسؤولين والحكّام، حيث ينسبون كل انجازٍ الى انفسهم وكل تقدم الى حكومتهم.

وذو القرنين، اعلنها صراحةً ان ما قام به انما هو بفضل الله سبحانه عليه، وليس من عند ذاته ابداً، وقام في نفس الوقت بالدعوة الى عبادة الله - سبحانه وتعالى- قال سبحانه عن موقفه هذا: {قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاً وكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّا}.(سورة الكهف، الآية:98)،(4)

«لقد شكر ذو القرنين ربه مرتين؛ مرة حينما استخدم القدرة في سبيل منفعة الناس، ومرة حينما استخدم عمله وسيلة لهدايتهم، وكشف للناس أن هذه القوة، مما وهبه الله له من فضله وعرف بأن حاجة الناس إلى الرسالة والهداية أعظم من حاجتهم إلى قوته وسلطته‏».(5)

----------------

1-تفسير نور الثقلين، ج3، ص:295

2-تفسير القمي: ج2، ص40

3-من هدى القرآن:ج5، ص90

4-من هدى القرآن:ج5، ص95

5-نفس المصدر: ج2، ص40


ارسل لصديق