الأنبياء وتجارب الإصلاح مع الأمم (2)
بنو إسرائيل وتبرير الانسلاخ عن أحكام الله
كتبه: السيد سجاد المدرسي
حرر في: 2018/03/04
القراءات: 293

 

-1-

في المعارك، وخصوصاً إذا كان القتال في أوجه، لن يُغتفر أي توانٍ في الامتثال للأوامر الصادرة من قادة الجيش، حتى وإن كان المخالف من الضباط الكبار، حيث يؤدي عدم الامتثال بصاحبه، إلى محكمة عسكرية، وأحكام تكون أهونها السجن.

ترى؛ لماذا يكون هذا مصير المتواني في الامتثال للأوامر العسكرية؟

ببساطة؛ لأن في ذلك إضعافاً للجيش، وربما خسارةً للمعركة كلها، وفيه أيضاً فتح باب التمرد والفوضى، وفيه أيضاً ما فيه من محاذير.

ويصدق ذات الأمر على من يتهاون في الالتزام بقوانين الدولة، والقرارات التي تصدرها الحكومة، او حتى القرارات التي تصدرها الشركات او المؤسسات الإنتاجية او المهنية، فليس الإعفاء من المنصب سوى أيسر العقوبات المتوجهة للمقصّر، أليس كذلك؟

وتزداد العقوبات شدةً إذا صاحب المخالفة حالة التهاون واللامبالاة، لأن المخالفة قد تكون بسبب الغفلة والنسيان والخطأ، فربما أمكن التسامح فيها، ولكنها قد تكون بسبب عدم المبالاة بأهمية القضايا، ومن ثم عدم الاكتراث بالآمر والقائد.

 

-2-

وإذا صدقت هذه الحالة على أوامر البشر بعضهم تجاه البعض الآخر، فهي أصدق إذا ظهرت في المرء تجاه أوامر الله سبحانه، لأن الأوامر الإلهية مضافاً إلى أهمية الآمر ومقامه الرفيع، كونه الخالق والرازق والمحيي والمميت لهذا العبد الذليل، مضافاً إلى ذلك؛ فهي تهدف النفع للإنسان ذاته، فتركه للأوامر الإلهية إفسادٌ وعصيان، بينما مخالفته للأوامر البشرية قد تكون مجرد عصيان ليس إلا.

ويزداد العصيان قبحاً حين يتصف باللامبالاة العامة تجاه أوامر الشرع، لأنه مخرجٌ للمرء من إطار الطاعة لله سبحانه، فتارك الصلاة قد يتركها طلباً للراحة وإتباعاً للشهوة، وقد يكون انطلاقا من عدم اكتراثه بمجمل الشريعة، فحينئذ يدخل اسمه في عنوان الفاسقين وربما الكافرين.

وبازدياد أعداد هؤلاء النفر من الناس في المجتمع يبدأ وباء الميوعة بالتفشي في أوساط الناس، فترى بعضهم يهوّن العصيان على الآخر ويشجعه على ترك الامتثال والطاعة، بل ويسعى للاستهزاء من تعاليم الشريعة بغية حمل الناس على الجُرأة على تركها، وبعبارة أخرى؛ يتواصى أبناء المجتمع على هذه الحالة كي لا يحس المريض بمرضه، ولا يوخزه ضميره بذلك.

نعم قد لا يخالف البعض الأوامر الإلهية بشكلٍ صريح لكيلا يخرج من دائرة الإيمان والتدين، فيقوم بدلاً عن ذلك بتحريف الشرائع أو تحريفها عن روحها، حيث يضمن بذلك ظاهر الدين مع مصالحه في الواقع.

 

-3-

بنو إسرائيل، وبعد أن زال شبح الخوف عن قلوبهم بإغراق الله سبحانه لعدوهم فرعون بتلك الطريقة الإعجازية، طالبوا نبيهم أولاً بأن يجعل لهم إلهاً كما للآخرين آلهة حجرية أو بشرية يعبدونها، وقد جابه النبي موسى عليه السلام ذلك بما ذكرنا سابقاً.

وبمرور الزمن وظهور الرخاء في العيش، بدأ مرضٌ جديد ينتشر في هؤلاء القوم، وهو تناسي القيم التي آمنوا بها وضحّى الكثير منهم في سبيل ترسيخها، ومن ثم الميوعة في الشرع واللامبالاة بأحكامه، ذلك المرض الذي كان منشؤه الأساس ضياع البوصلة في المسيرة الحضارية، وحب الدنيا والركون إليها، وقسوة القلب.

ويروي لنا القرآن الكريم صوراً طفحت على السطح من ذلك الداء الاجتماعي القاتل، ظهرت في حوادث مختلفة نذكر أبرزها:

1- الطور، وعدٌ وخُلْف

أكثر من آية في القرآن الكريم تحدثنا عن حادثة رفع الطور (1)، حيث رفع الله سبحانه الجبل فوق رؤوسهم لينزل عليهم العذاب بسبب إتباعهم للشهوات وتضييعهم لتعاليم السماء، ولكنهم طلبوا المهلة فأخذ الله سبحانه منهم الميثاق - الذي يعني عقداً مؤكّدً بيمين وعهد(2) والذي يكون مع المجتمع غالباً- فرفع الله سبحانه عنهم العذاب، قال الله سبحانه:

{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، (سورة البقرة: 63)، والأخذ بالتعاليم بالقوة وذكر ما في الكتاب الذي أنزله الله إليهم يعني النهي عن الميوعة في تلقي التعاليم أو تطبيقها، والقوة في الآية تعني القوة الظاهرية والباطنية، فقد روي عن إسحاق بن عمار قال سألت أبا عبد الله الصادق، عليه السلام، عن قول الله:

 «[خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ] أ قوة في الأبدان أم قوة في القلوب؟ قال عليه السلام: فيهما جميعا»(3).

لكن هل التزموا بما عاهدوا الله عليه؟

جاء في تفسير من هدى القرآن للسيد المرجع المدرسي: «ولكن بنو إسرائيل كانوا كأكثر الأمم حين يهبط عليهم العذاب من ربهم، يجأرون إلى الله ويعودون إلى قيمهم وتعاليم دينهم. وما أن يرفع عنهم العذاب حتى يعودوا إلى سابق عاداتهم [ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ]، (سورة البقرة: 64)، ولكن الله لا يهمل الإنسان إلى الأبد فقد يأخذه بشدة وهو غافل»(4).

وبالتأمل في الآية نستفيد مما آل إليه أمر المجتمع الإسرائيلي حينئذ، حيث كان توليّهم عن الميثاق عاماً - بحسب ظاهر الآية - والذي يعني وجود الاستعداد النفسي للمخالفة الصريحة، أو الضمنية، لتعاليم الله سبحانه مهما سنحت الفرصة، وقد ظهر التهاون مع الكثير من القيم والأحكام في مناسبات عدة منها قصة السبت.

2- السبت، اعتداءٌ وعقوبة

لحكمةٍ خافية على المجتمع الإسرائيلي، ابتلاهم الله بحكمٍ صارم، حيث حرّم عليهم الاصطياد يوم السبت من كل أسبوع، مع إباحتها سائر أيام الأسبوع، فهل كان الحكم بسبب اختلافهم في السبت؟ أو لتنظيم شؤون حياتهم؟ أو لكي يتفرغوا في السبت للعبادة؟ ربما يكون كل ذلك صحيحاً، ولكن المهم أنهم ألزموا بهذا الأمر الصعب، وكانوا قد أمروا بالأخذ بتعاليم الرب بقوة.

ومما زاد صعوبة هذا الامتحان، أن الله سبحانه جعل الأسماك تظهر يوم السبت أكثر من الأيام الأخرى، فهل صبروا في هذا الاختبار الصعب؟

الطمع والجشع إلى المزيد من الثروة دفع لارتكاب للعصيان واصطياد السمك، رغم أن نهي الله سبحانه كان يمثل سداً أمامهم، ثم إن مخالفة أمر الله تعني مخالفة الميثاق والخروج عن الدين، فاختاروا - بزعمهم - طريقاً وسطاً، كان في الواقع موافقاً مع طمعهم وشهواتهم، حيث كانوا يحفرون حفراً تدخلها الأسماك يوم السبت فلا تستطيع الخروج منها إلى عرض البحر، فيأخذونها في اليوم التالي، أو يلقون شباكهم يوم السبت ويرفعوها في يوم الأحد.

وكانت هذه الحيلة سبباً لنزول العذاب عليهم، حيث قال الله سبحانه:

{وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئينَ}، (سورة البقرة: 65).

بلى؛ لم يكن كل أهل القرية على علم بما يجري، فقد كانت هناك بقية مؤمنة لم ترتكب المعصية، فحملوا راية الإصلاح بصورة مستمرة، كما كان هناك جمعٌ لا يرتكبون المعصية، ولكنهم في نفس الوقت يعيشون حالة اللامبالاة فيما يرتبط بالقضية، بل ويحاولون تثبيط المصلحين عن تحملهم المسؤولية، وعن ذلك قال الله سبحانه:

{وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتي‏ كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتيهِمْ حيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَديداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى‏ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئينَ}، (سورة الأعراف: 163- 166).

3- القرية، استهزاءٌ بتعاليم الله

أتاح الله سبحانه لبني إسرائيل قريةً في الشام باسم (أريحا) ليسكنوها ويأكلوا منها شريطة أن يلتزموا بالتعاليم المفروضة عليهم ويستغفروا الله سبحانه، ولكنهم لم يلتزموا بما أمروا، بل استهزأوا بتعاليم الله سبحانه، قال - تعالى-:

{وَإِذْ قيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطيئاتِكُمْ سَنَزيدُ الْمُحْسِنينَ * فَبَدَّلَ الَّذينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذي قيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ}، (سورة الأعراف: 161- 162).

وقد روي أنهم بدلوا القول (حطة) الذي يعني طلب حطّ الذنوب، وراحوا يقولون (حنطة) استخفافا بتعاليم الرب سبحانه.

وكان ذلك أحد مظاهر تبديلهم للقول الذي به استحقوا الرجز من السماء.

يقول المرجع المدرسي - دام ظله -: «وبعد أن هبطوا القرية التي هيأها اللّه لهم، فسدت أخلاقهم، فبدل أن يشكروا اللّه على النعم التي وفرها لهم، وبدل أن يستغفروه - سبحانه - بخضوع وقنوت حتى يتكاملوا عن طريق التعرف على نقاط ضعفهم وأسباب تخلفهم، وبدل أن يتخذوا الإحسان أداة لتنمية علاقاتهم الاجتماعية وتزكية نفوسهم، بدل كلّ ذلك مما أمرهم به اللّه غيّروا وكفروا بأنعم اللّه.

واستكثروا من اللذات ولم ينتبهوا لنواقصهم، الأمر الذي أدّى بهم إلى انتهاء مدنيتهم.

 

-4-

كل تلك الانحرافات السلوكية كانت مظاهر لجذورٍ فاسدة في قلب المجتمع، الذي كان يتجسد في ضعف الإيمان بالله سبحانه الذي يؤدي بهم إلى اللامبالاة بأوامره ونواهيه، ومن ثم عدم الإلتزام بالمواثيق، وقد جمعت الآية التالية كل تلكم الحوادث في سياق الحديث عن انحرافات بني إسرائيل:

{وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِميثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ ميثاقاً غَليظاً}، (سورة النساء: 154).

وواقع الأمة الإسلامية ليس ببعيد عن واقع بني إسرائيل، فالمجتمع الإسلامي أبتلي بمثل هذا الوهن واللامبالاة في تطبيق تعاليم الدين، حتى صارت أوامر الرب أهون من قوانين المرور! وباتت الميوعة، الأصل في حياة بعض الشعوب لا الإلتزام بالدين، وصارت الحيل والإلتفافات حول الشرائع سريعةً وسهلة، حتى بات الدين لا يشكل عند البعض سوى حروفٍ في الهوية، أو قشور خاوية. وعلى سبيل المثال لا الحصر، ترى البنوك والمصارف تمتص جهود الشعوب عبر القروض الربوية، وهي تسمي الربا «فوائد اقتصادية» من دون أية حريجة، أو يأكل التجار الربا عبر بعض الصفقات التجارية الصورية، وكذلك تجد التهاون في الإلتزام بتعاليم الشرع إذا خالفت المصلحة أو الشهوة، وقد تتحول أحكام الله عند البعض إلى قشور لا لباب فيها، فتكون الصلاة حركات رياضية دونما ذكرٍ لله، أو الحج نزهة للميسورين دون روح، أو الصوم مناسبة لتذوق المزيد من الأطعمة دون تحسس بجوع الفقراء، أو الحجاب مجرد زينة لا ستر. إن ذلك كله وغيره يعد أعراض لمرض اللامبالاة بأوامر الله سبحانه والميوعة في تطبيق شرائعه، الأمر الذي هو ناشئاً من ضعف الإيمان بالرب ومعرفته من جهة، والركون إلى شهوات النفس من جهة أخرى.

------------------------------------

(1). في سورة البقرة: الآية 63، والآية 93/ وفي سورة الأعراف: الآية 171 وغيرها من الآيات.

(2). أنظر: المفردات في غريب القرآن/ ص 853.

(3). كتاب التفسير (للعياشي)/ ج1/ ص 45.

(4). من هدى القرآن/ ج1/ ص 190.


ارسل لصديق