البنت العابدة والأم الصامدة .. مريم ابنة عمران
كتبه: السيد سجاد المدرسي
حرر في: 2017/02/13
القراءات: 188

 

-1-

من هي المرأة؟

ما هي هموم الفتيات في عصرنا الراهن وما ينبغي أن تكون؟

وما هي مسؤوليتهن في حركة المجتمع؟

إطلالة بسيطة على واقعنا اليوم تكشف - بنسَبٍ متفاوتة - عن التالي:

الفتاة مولودةٌ غير محببة إلى أهلها بادئ ذي بدء، فبالرغم من القرون التي تفصلنا عن الجاهلية التي كافحها النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، نجد العنصر الأنثوي، في نظر البعض، عنصراً مثيراً للمتاعب بعكس الذكر، لسبب واحد ربما يختزل التصور العام؛ وهو أن البنت والمرأة تأخذ أكثر مما تعطي، بينما العكس تماماً في الولد والرجل.

وما يثير الآباء وأرباب الأسر في عالمنا اليوم، ما بلغ من الانحطاط في مكانة المرأة في بلاد عدّة بالعالم، بسبب التحلل التام من القيم الانسانية التي أهدرت كرامة المرأة والفتاة وألقتها في دهاليز الاتجار بالبشر والرقيق الأبيض واستخدام خلق الله - تعالى - لتسويق المنتجات بشكل مُقرف ومُهين، حتى بلغ الأمر بتعرض فتيات في بلدان فقيرة في العالم للاختطاف ليتم تهريبهن إلى دولٍ أخرى واستعبادهن جنسياً، فطبقًا لتقارير الأمم المتحدة فإنه في عام ٢٠١٢ وصل عدد ضحايا الإتجار بالبشر إلى ٢.٤ مليون شخص، تم خطف وبيع أكثر من ٨٠% منهم للقيام بأعمال جنسية(1).

 

-2-

نعم؛ ليست الصورة بهذه البشاعة؛ ولكنها بنسبةٍ أو بأخرى تمثّل الواقع الراهن في القرن الحالي، ولست هنا بصدد مناقشة الإحصائيات ولا بصدد المقارنة بين تعامل الغرب مع المرأة، وتعامل الإسلام معها، بل بصدد بيان تأثّر شريحة واسعة من بنات حواء في عالمنا الاسلامي بالصورة الجديدة والنمطية للمرأة التي رسمها الآخر ليبعد عنه شبهة التحلل والميوعة والسقوط الذي لا يجهله حتى الطفل الصغير.

فحتى تحقق المرأة والفتاة شخصيتها وذاتها في المجتمع، وتحديداً في محيط التعليم والعمل في بعض الدوائر الرسمية وغيرها، فإنها تحرص على تزيين نفسها بأنواع الزينة لا لشيء إلا لكي لا تكون «قبيحة» في نظر زملائها! وإن لم تكتفِ بالتزين، تدخّر الأموال لتصرفها على عمليات التجميل المختلفة للغاية ذاتها، ولكيلا تكون «متخلفة» تقوم بالبحث عن علاقات «صداقة» مع الرجال علّها تجد بينهم رجل أحلامها، ولكن...!

 

-3-

أمام هذا التيار الهادر الذي يثير في النفوس حب الظهور والتبرّج والتأثير على الآخرين بكل ثمن، تكون الفتاة والمرأة على المحك، إما أن تختار العفّة وتكسب كرامتها وشخصيتها من خلال صون نفسها من الانجراف مع الإثارات والضغوطات، أو ان تنحني لهذه الضغوطات النفسية والرغبات والشهوات الداخلية وتنجرف مع تيار التحلل والميوعة.

المهمة صعبة للغاية، بيد أنها ليست مستحيلة بأن تقف المرأة، أمام ضغوط المجتمع من حولها، وعندما نطالع بعض التجارب المضيئة لبنات حواء في التاريخ نعرف أن لها الامكانية الكبيرة في تحقيق ذلك، والدليل؛ ما خلده التاريخ من ذكرى نسوةٍ قاومن كل الضغوط وتحملن مسؤولياتهن الرسالية والإنسانية فنحت التاريخ أسماءهنّ في سماء المجد ، ومن تلك النسوة الخالدات؛ السيدة الجليلة، مريم ابنة عمران، عليها السلام، تلك الفتاة التي خلّد القرآن الكريم ذكراها وذكر قصتها في أكثر من موقع ، بل جعل الله اسم سورةٍ من سور كتابه باسمها.

 

-4-

السطور ليست كافيةً للإحاطة بحياتها، كيف؛ والقرآن الكريم لم يكتفِ بذكرها المرةً والمرتين، وفي كلّ موردٍ يذكّرنا بجانبٍ مشرقٍ من حياتها، ولكنا سنكتفي ببيان ومضات من ذلك بغية الاقتداء بها.

ولا يمكن للباحث عن حياة السيدة مريم، عليها السلام، إغفال دور أمها العظيمة ، بل ربما لا نجانب الحق إن قلنا أن مريم لم تكن لتصل إلى هذا المستوى لولا تلك الأم العظيمة التي عرفت واجبها الأساس في الحياة وهو تربية الجيل الصالح، وهكذا نجد القرآن الكريم يبتدئ الحديث عن قصة السيدة مريم بالحديث عن أمها حيث قال: {إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في‏ بَطْني‏ مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّميعُ الْعَليم‏ * فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى‏ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى‏ وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجيمِ*}، (سورة آل عمران: 35 - 36).

كانت الأم مرتا (وبالعربية وهيبة)(2) تتوقع مولوداً ذكراً ليكون محرراً (أي خالصاً للمعبد)(3) فلم تفكر في أن يكون للمولود شأنٌ مادي أو يكون معيناً لها، «بل فكرت في رسالة الإنسان في الحياة، وهي عبادة اللّه، والعمل في سبيله»(4)، ولكن كانت المفاجأة أن المولود أنثى، والنتيجة كانت أن الله سبحانه تقبل من أم مريم هذه الوليدة حيث قال سبحانه: {فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً}، (سورة آل عمران: 37).

وبعد دور الأم الصالحة كان دور الكفيل الرباني، الذي تكفّل مريم، ولم يكن سوى نبي الله زكريا، عليه السلام، الذي رسخ قواعد الإيمان والطهر في شخصيتها بعد أن غرست تلك القواعد أمها العظيمة.

ولم تكتفِ البنت بهذين الخصلتين العظيمتين، بل ترجمتهما إلى واقعٍ عملي، فصارت تلك الفتاة المتعبدة لله سبحانه في المسجد والتي لازمت محراب العبادة دون أن تهتم بأي شيء مادّي حتى الحاجات الضرورية لها كالطعام، فتكفّل الله سبحانه لها بذلك حيث قال سبحانه: {كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِساب‏}، (سورة آل عمران: 37).

و اصطفاء الرب - سبحانه - لها لم يكن ليخلي كاهلها عن المسؤولية، بل بالعكس تماماً كان ذلك موجباً للمزيد من المسؤوليات، حيث قال ربنا سبحانه: {وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى‏ نِساءِ الْعالَمِينَ * يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ}، (سورة آل عمران: 42-43).

فلا يعني «اصطفاك» انك غير مسؤولة عن عمل، ولا مكلفة بواجب، بل بالعكس تماما تتضاعف مسؤولياتك وأعمالك، فالخضوع للّه والتسليم لأوامره، والتجرد عن الذات (القنوت)، ثم التطبيق العملي لهذا الخضوع (السجود)، ثم التطبيق الاجتماعي له (الركوع مع الراكعين)، هو الواجب المضاعف على مريم، الذي استتبعه اختيارها للرسالة»(5).

 

-5-

الاصطفاء الإلهي والتربية الصالحة ومن ثم العبادة المخلصة والعفة والطهر، كلها أوصلت مريم، سلام الله عليها، إلى مصافّ الصديقين، فكانت مهيأة لتتحمل مسؤوليةً أكبر وهي أن تكون أمّاً لحامل الرسالة الإلهية بعدما كانت بنتاً عظيمة.

فليس سهلاً على المرأة العفيفة التي حافظت على طهرها رغم جمالها(6)، أن تكون أماً دون أن يمسها رجل في أجواء وظروف اجتماعية كالتي كانت تعيشها آنذاك، ولكي تتقبل هذا الأمر لابد أن تكون في مستوىً عالٍ من التسليم لأمر الله سبحانه، وبالرغم من تسليمها وإيمانها بالله، إلا أنها، سلام الله عليها، كانت تتساءل عن كيفية حصول الأمر، وفيما يلي نورد الآيات الشريفة التي تتحدث عن هذه الواقعة بتصويرين رائعين؛ الأول: في سورة آل عمران والثاني: في سورة مريم:

{إِذْ قَالَتِ الْمَلَئكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكلَمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسىَ ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فىِ الدُّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فىِ الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَتْ رَبّ‏ أَنىَ‏ يَكُونُ لىِ وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنىِ بَشَرٌ قَالَ كَذَالِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضىَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ}، (سورة آل عمران: 45-47).

بشروها بكلمة من الله ليكون ابنا لها ويكون من الصالحين، لكن مريم الصديقة ارتاعت وامتلكها التعجب والدهشة، فكيف يرزقها الله ولداً دون زواج، هنا كانت الإجابة بأنه أمرُ الله سبحانه، فكان عليها أن تسلّم لذلك، وفي سورة مريم يبين الرب ذلك أيضاً حيث قال: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا * قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا * قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا * قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لي‏ غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْني‏ بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا}، (سورة مريم : الآية 16-21).

 

-6-

وبولادة عيسى، عليه السلام، المعجزة وما رافقها من معاجز، بدأت صفحة أخرى من صفحات جهاد هذه الفتاة، ولم تكن بأسهل من الصفحات السابقة إن لم تكن أصعب، وكانت تتمثل في مواجهة قومها مع حملها لعيسى، عليه السلام.

فتصديقها بأمر الله بعد مخاطبة الملائكة لها وما شاهدته من معاجز شيء، ومقاومتها لتكذيب مجتمعها واتهاماتهم لها شيءٌ آخر، وليس هيّناً على الفتاة العفيفة أن تتهم في عفتها، لأن ذلك هادمٌ لسمعتها تماماً، ومن هنا أمرها الله سبحانه بصوم الصمت، فعليها أن لا تدافع عن نفسها بلسانها أبداً.

وكان هذا الأمر - هو الآخر- بحاجة إلى تسليمٍ تام، فمن سيدافع عنها وعن سمعتها إن لم تدافع هي عن نفسها أمام البهتان العظيم الذي رماها قومها به الذي قال عنه الرب سبحانه: {وَبِكُفْرِهِمْ وَ قَوْلِهِمْ عَلى‏ مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظيما}، (سورة النساء: 156)؟

كان عليها التصديق بأمر الله، وكان أمر الله مفعولا، وجرت الأحداث كما قال الله سبحانه: {فَكُلي‏ وَاشْرَبي‏ وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولي‏ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا * فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا * يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَني‏ نَبِيًّا * وَجَعَلَني‏ مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصاني‏ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوالِدَتي‏ وَلَمْ يَجْعَلْني‏ جَبَّاراً شَقِيًّا}، (سورة مريم: الآية 26-32).

تكفّل الرب سبحانه أمر الدفاع عن سمعتها بإظهار معجزةٍ أخرى هي تكلّم النبي عيسى، عليه السلام، مع القوم وهو في المهد، وهكذا بيّن لهم أن برّه بوالدته مريم الصديقة من وصايا الرب - سبحانه - له ما دام حياً.

مريم؛ تلك الفتاة الصغيرة تصبح عابدةً لله، وبالعبادة تسمو إلى مرحلة التصديق؛ ومنه إلى تحمل مسؤولية حمل كلمة الله، ومن ثم الدفاع عنه أمام المجتمع الكافر، وبذلك تحولت الى حجة الله - سبحانه - على كل الفتيات على مر الزمن، ممن يرمين بأنفسهن في أوحال الرذيلة، ثم يلقين باللائمة على الشهوة أو الأسرة أو المجتمع، ففي الحديث الشريف عن الإمام الصادق، عليه السلام: «تُؤْتَى بِالْمَرْأَةِ الْحَسْنَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّتِي قَدِ افْتُتِنَتْ فِي حُسْنِهَا فَتَقُولُ يَا رَبِّ حَسَّنْتَ خَلْقِي حَتَّى لَقِيتُ مَا لَقِيتُ فَيُجَاءُ بِمَرْيَمَ، عليها السلام، فَيُقَالُ أَنْتِ أَحْسَنُ أَوْ هَذِهِ قَدْ حَسَّنَّاهَا فَلَمْ تُفْتَتَنْ»(7).

------------

1- مجلة (يو أس أي تودي) الاميركية/ العدد 4/ لشهر نيسان 2012

2- تفسير نور الثقلين/ ج1/ ص334

3- البرهان في تفسير القرآن/ ج 1/ ص 617

4- من هدى القرآن/ ج1/ ص 551

5- من هدى القرآن/ ج‏1/ ص561

6- البرهان في تفسير القرآن/ ج1/ ص 620

7- الكافي/ ج8/ ص 228.


ارسل لصديق