فرحة العراق في تحرره من التطرّف
كتبه: رئيس التحرير
حرر في: 2016/01/03
القراءات: 570

فرحة تحرير الأرض من المحتلين الغاصبين، له وقع خاص في النفوس، لما لها من أهمية في حياة الانسان، كما تعبر عن منتهى خيبة العدو، تضاف اليها، المكاسب السياسية والعسكرية والامنية، كما حصل في مدينة الرمادي مركز محافظة الانبار مؤخراً، وحصل هذا بعد تحرير مدن أخرى خلال العامين الماضيين (2014- 2015).

بيد أن العراق المسكون بالحزن، بحاجة الى فرحة  من نوع آخر للانتصار على مسببات الكوارث والازمات التي يعشها العراق، وهي عديدة، منها؛ التطرّف.

ربما يعتقد البعض أن هذا المصطلح ينعكس حصرياً على الدين والعقيدة، في حين يختفي التطرف في السياسة وفي الفكر وفي الانتماءات الاثنية (القومية والعرقية والعشائرية)، وهذه؛ وإن لم تكن لها اسقاطات مباشرة على الواقع، كما هو حال التطرف الديني في الوقت الحاضر، فربما تكون الارضية والحاضنة لأزمات ثم كوارث تعمّ الجميع.   

إن التطرف الديني الذي يفتك بالأمة حالياً، لم يكن لولا التطرف الفكري الذي سبقه في الانتشار أواسط القرن الماضي، وظهر تحت شعارات تدعو الى حاكمية الاسلام وتطبيق الشريعة، فكانت الوسيلة؛ التكفير والتهميش ونشر ثقافة الكراهية التقوقع. ثم يأتي التطرف السياسي لدى الحكام، وانتهاج اسلوب القمع والاضطهاد والاستئثار بالسلطة والثروة، ليدفع بالشريحة التي تحمل الشعارات الدينية لأن تواجه هذا التطرف بتطرف مضاد، بل وأشدّ قسوة ودموية، لذا فان الجماعات الارهابية والتكفيرية في البلاد العربية، هي بالحقيقة وليدة السجون وغرف التحقيق والتعذيب وإجراءات المنع والغلق وغيرها لدى أنظمة عربية ديكتاتورية.

وقبل هذا وذاك، فان التطرف، ممارسة وسلوك فردي يعبر عن شكل من اشكال الأنانينة والذاتية، فعندما لا يكون ثمة مجالاً للآخر، في رأيه وعقيدته وفكره، تتوفر الارضية الخصبة لنمو التطرف والتمحور التي تستفيد منها جماعات وتيارات ذات اهداف ربما تكون بعيدة كل البعد عن روح ذلك الانسان (المتطرف) وبيئته الاجتماعية وحتى هويته وانتماءه، وهذا تحديداً ما يجب على العراقيين الحذر منه، وهم يجندون كل شيء لمواجهة التحدي العسكري والأمني المتمثل حالياً بجماعة "داعش"، مع علم الجميع بأن التكفير، فكرة مستوردة، ولم يكن لدينا يوماً، صراعاً بدوافع طائفية وعقائدية بحتة. فاذا لم يكن لنا نصيب من التجربة الديمقراطية إلا الحرية، فهي تُعد - بحق- نعمة عظيمة وفرصة ذهبية لاجتثاث التطرف من الفكر والثقافة والسلوك، قبل ان تتحول الى منهج وأداة في أيادي جهات أجنبية تتحين الفرص بالعراق لإبقائه فترة أطول في حالة اللااستقرار والتبعية.  

قبل أيام، مرت علينا ذكرى المولد النبوي الشريف، ونحن نعيش اياماً عصيبة في العراق، كما تعيش بلاد اخرى أزمات ومشاكل مشابهة، يجدر بنا مراجعة سيرة النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، وكذلك أمير المؤمنين، عليه السلام، وكيف تعاملوا مع المجتمع ومع الدولة في حياتهم؟ وكيف نشروا الاسلام، بقيمه وتعاليمه وأحكامه؟ وكانوا يحظون بتلك المنزلة العظيمة والمكانة الاجتماعية، فقد كانوا زعماء، من الناحية السياسية والدينية في آن واحد، مع ذلك لا ولم نجد منهما سوى القلب الكبير والسعة في الفكر والثقافة، يشمل، ليس فقط المسلمين وأهل الذمة في بلاد الاسلام آنذاك، وإنما جميع سكان المعمورة، إن سنحت الفرصة أن تصل أقدامهما الى أقاصي الشرق والغرب. وهكذا كانت سيرة الأئمة المعصومين،  عليهم السلام، وهذا تحديداً ما أثار اعجاب المؤرخين والعلماء والفلاسفة من الشرق والغرب بشخصية النبي والأئمة المعصومين، وايضاً بالاسلام المحمدي الأصيل، الذي بقي مشعّاً ومؤثراً في العالم رغم الحوادث الجمّة والمتغيرات السياسية طيلة القرون الماضية.

إن شخصيات مثل خالد ابن الوليد في عهد النبي، والخوارج في عهد الامام علي، يمثلون نماذج مقززة للتطرف، عندما انفردوا بتفسير الدين وأعرضوا عن المنبع الأصيل، واصبحوا مثالاً للدموية والانحراف، بيد أن المشكلة أن هكذا نماذج ربما تكرر في زماننا، فتتحول - من حيث يريد صاحبها او لا يريد- الى معاول فكرية وثقافية لضرب كيان الشعب وهويته وتاريخه. 


ارسل لصديق