بين التسقيط والتغيير، {بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ}
كتبه: رئيس التحرير
حرر في: 2016/03/16
القراءات: 546

في كوامن جميع المتظاهرين في بغداد وسائر المحافظات العراقية، نوايا صادقة وحسنة للتغيير أو الإصلاح، لان المحتشدين في الساحات والشوارع يحملون هموم البطالة والفقر والحرمان، الامر الذي يعطيهم الحق بإدانة المفسدين بل والمطالبة بمحاكمتهم واسترجاع الاموال المنهوبة طيلة السنوات الماضية. كما إن النقطة الايجابية التي ربما لا تخفى على شخص رئيس الوزراء، الدكتور حيدر العبادي، كونه حامل لواء الاصلاحات، أن أجواء التظاهرات الجماهيرية في العراق، لها نفس ايجابي مساند له وسط تجاذبات سياسية غير شريفة، وإصرار فاضح على اعتماد المحاصصة منهجاً لإدارة الدولة.

فكيف يتم التغيير وتتحقق أمنية الجماهير الغاضبة بالاطاحة بالمفسدين واستبدالهم بالكفاءات واصحاب الأمانة والمروءة...؟

إنها لاشك، مهمة رئيس الوزراء، على أن جلّ المشكلة في الدوائر الحكومية وضمن صلاحيات السلطة التنفيذية، علماً أن التغيير الجذري يفترض ان يطال مؤسسات اخرى في الدولة، في مقدمتها القضاء والبرلمان. بيد أن البعض في الشارع او في مراكز معينة، يتصور أن بالامكان مساعدة الدكتور العبادي في إجراء عمليته الجراحية، برفع المِبضَع (المشرط حسب اللهجة العراقية) على الجسد المصاب، والتعرض لمواقع الورم الخبيث، غافلين عن أن التصرّف دون علم ومعرفة في هكذا مهام، ربما يخلق كارثة جديدة ونزيف قاتل.

إن استباق التسقيط للتغيير، إشكالية ثقافية مسكونة في نفوس معظم شعوبنا، لاسباب عديدة لسنا بوارد الخوض فيها، ربما منها؛ استباحة كرامة الانسان وحقوقه طيلة عقود طويلة من الزمن.

لذا نلاحظ أن المواطن الفقير وصاحب الشهادة العاطل عن العمل، يعجّل في تسقيط الوزير الفاسد او المدير المخطئ، قبل أن يتحرك نواب البرلمان لمحاسبته، او ان يسارع للتشهير بالنائب ونشر فساده وفساد جماعته السياسية على مواقع التواصل الاجتماعي قبل ان يتخذ رئيس البرلمان او رئيس الجمهورية - مثلاً - قراراتهم اللازمة لمعالجة المشكلة.

نعم؛ ربما يكون التشهير والتسقيط سبباً في الاطاحة بهذا الوزير او ذاك النائب او أي مسؤول آخر، ولكن؛ ماذا عن الباقين؟ وهل أن هذا الاسلوب يخلق لدى المسؤولين في الدولة ما يشبه «التقوى السياسية» ويردعهم عن ارتكاب المخالفات؟

مرة أخرى نجيب بـ «نعم» لهذه الاسئلة في حالة واحدة فقط، عندما تكون الجماهير الغاضبة على دراية كاملة بتفاصيل جميع الساسة الحاكمين لتتخذ نفس الاجراء بحقهم. فهل حصل هذا في العراق او أي بلد آخر؟

إذا كان التغيير والاصلاح مطلباً عاماً في الشارع، فان التسقيط مطلباً خاصاً في غرف مغلقة لهذا الحزب وتلك الجماعة، قبل ان يصل الى الجماهير ويتحول الى نكتة وطرفة وإشاعة وخبر مفبرك مع صور مزيفة. واذا كانت الجماهير تعد نفسها ضحية لمؤامرة كبرى قادها ساسة وتجار سلطة في العراق، فان التسقيط يوفر غطاءً شرعياً لتقديم كبش فداء وضحية جديدة، يضفي عليهم شيء من النزاهة ويقربهم من قلوب الجماهير، فيما تبقى حيتان الفساد بعيدة عن أيدي وألسن الناس.

ولنعلم، أن التسقيط، على طول الخط، لم يحقق تغييراً حقيقياً، لانه ليس الوسيلة الحضارية التي تحقق الهدف المنشود، ولم يهمش عالماً أو مفكراً. كما أن التغيير الحقيقي ليس شغله التسقيط والتشهير، لان ببساطة امامنا الفارق في الاهتمام؛ بين المفردة الايجابية المحببة للنفوس والمعنية بحياة الناس وطريقة عيشهم ومستقبلهم، وبين المفردة السلبية التي همها استهداف شخص بعينه او جماعة معينة - في أحسن الفروض -. وهذا يدعونا لإعادة التفكير بجدية عما يجري ويحصل كل يوم، لأن البلدان المأزومة وفي مقدمتها العراق، تخسر يومياً الملايين من الدولارات وهدر للقدرات والفرص بسبب البحث عن الحلول في دوامة مفرغة.

ثم إن التفكير بسقوط جميع الفاسدين هو الذي يخشاه أعداء الاصلاحات والتغيير، فهنا سيكونون على المحك؛ إما أن يغيروا جلودهم! أو أن يغلقوا كل أبواب التشهير والتسقيط، والخياران أحلاهما مر، وبين الفشل في هذا او ذاك، تتمكن الجماهير من التحول الى يد واحدة تقتلع جذور الفساد ولو بعد حين.


ارسل لصديق