منطلقات التفكير من القاعدة الحضارية
إضاءات في منهج التدبر في القران الكريم - الحلقة الاولى
كتبه: السيد سجاد المدرسي
حرر في: 2012/05/04
القراءات: 1592

أمام الأمّة الإسلاميّة -و هي تواجه الحضارة الغربية بكل أبعادها وجوانبها المختلفة -، أحد أمرين: إما الإستسلام للكارثة الحضاريّة، أو محاولة بناء حضارة إسلاميّة وإذا كانت الكارثة أخطر ما تخشاها الأمّة،اذ تتفشى في اوساطها الامراض بمختلف انواعها،مما يهدد البناء الاسري بالانهيار بأيسر ما يكون، كما هو الحال في الدول التي تسودها الحضارة الغربية، فإنّ علينا السؤال عن الوسيلة الّتي لابد أن نصوغ بها الحضارة الاسلامية

و الجواب على ذلك بسيط، إلّا أن القيام به مستصعب جدّاً؛ إن الوسيلة الوحيدة لذلك: تطهير الحضارة الغربية من سلبياتها المادية ثم تطعيم الفكر الاسلامي بها، و تتبع هذه العملية الخطوات التالية:

  1- العودة إلى المصادر الاسلامية و استنباط الجوهرة النقية منها.

  2- العودة إلى عناصر الحضارة الحديثة و تقييمها وفق مقاييس تلك الجواهر.

  3- استنباط التفاصيل عن هاتين الجوهرتين.

و ستكون العملية صعبة جدّاً، لا لأنّها ستحتاج إلى دراسات مُضنية فقط، بل وأيضاً لأنّها تفرض على القائمين بها التمتع بصفات نفسية معينة، هي التالية:

  أ‌. الشعور العميق بضرورة الحضارة الاسلامية، فمن دون هذا الشعور في الباحث، فانه سرعان ما يحاول الاستعارة من المناهج الغربية والجلوس على موائدهم مستطعماً فتات حضارتهم المادية.

  ب‌-.  منهجية واضحة ومحددة في التفكير، حيث يتمكن الباحث السير وفق اطار موضوعي واضح.

  ج. القدرة على التعاون مع الآخرين، ومن دون هذه القدرة يبقى عمل الباحث محدوداً مهما بلغ من الجهد، فاليوم نجد ان بحوثاً علمية تجرى ويشترك فيها من العلماء الكبار ما يتجاوز الآلاف، حيث يتعاونون فيما بينهم لاثبات نظرية علمية معينة[1]

إن بناء الحضارة ليس من مسؤولية فرد أو فريق من الناس، بل ولا جيل واحد. إنه عملية تبدأ ولا تنتهي، إلّا بعد توفير الخير للإنسانية جمعاء.

ومن هنا؛ كان على كلّ فرد أن يقوم بدور إيجابي لكي ندفع –جميعاً- عجلة الحضارة الإسلامية إلى الأمام و إلى الأبد حتى تصل الى ذروة سنامها كما كانت في بداية نهضتها[2]، وهذا الدور الايجابي يشترك فيه الجميع من خلال العودة الى المصدر الاساسي للحضارة الاسلامية، المتمثل في القرآن الكريم.

إذ إن القرآن الكريم،بالنسبة لنا نحن المسلمين، ليس كتاباً عادياً يقرأه الانسان كما يقرأ القصص و الروايات والصحف اليومية.. بل انه كتاب دين و رسالة حضارة و دعوة للحياة الكريمة، و لذلك يعد القرآن خلاصة الدين و جوهر رسالة الله سبحانه و تعالى للبشر.. و لعل الآية الكريمة في سورة الاعراف فيها إشارة واضحة إلى ذلك: (هَذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُم وَ هُدًى وَ رَحمَةٌ لِّقَومٍ يُؤمِنُونَ). أي إن القرآن الحكيم هو أداة التبصر و آلية الهداية، و لذلك نجد تعاليم الاسلام توصي بقراءة آياته و سوره دائماً مثل قول النبي صلى الله عليه وآله: ‏(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النُّورُ الْمُبِينُ، وَ الْحَبْلُ الْمَتِينُ، وَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى، وَ الدَّرَجَةُ الْعُلْيَا، وَ الشِّفَاءُ الْأَشْفَى، وَ الْفَضِيلَةُ الْكُبْرَى، وَ السَّعَادَةُ الْعُظْمَى، مَنِ اسْتَضَاءَ بِهِ نَوَّرَهُ اللَّهُ، وَ مَنِ اعْتَقَدَ بِهِ فِي أُمُورِهِ عَصَمَهُ اللَّهُ، وَ مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ أَنْقَذَهُ اللَّهُ، وَ مَنْ لَمْ يُفَارِقْ أَحْكَامَهُ رَفَعَهُ اللَّهُ، وَ مَنِ اسْتَشْفَى بِهِ شَفَاهُ اللَّهُ، وَ مَنْ آثَرَهُ عَلَى مَا سِوَاهُ هَدَاهُ اللَّهُ، وَ مَنْ طَلَبَ الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَ مَنْ جَعَلَهُ شِعَارَهُ وَ دِثَارَهُ أَسْعَدَهُ اللَّهُ، وَ مَنْ جَعَلَهُ إِمَامَهُ الَّذِي يَقْتَدِي بِهِ- وَ مُعَوَّلَهُ‏[3] الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ، أَدَّاهُ اللَّهُ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَ الْعَيْشِ السَّلِيمِ. فَلِذَلِكَ قَالَ: هُدىً‏ يَعْنِي هَذَا الْقُرْآنَ هُدًى‏ وَ بُشْرى‏ لِلْمُؤْمِنِينَ‏ يَعْنِي بِشَارَةً لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ.)[4]، وعشرات الروايات الاخرى المؤكدة على تلاوة القرآن والعودة اليه للاستفادة منه في كل شيء.

ولا يقصد بهذا التوجيه للقراءة للبركة فحسب، على ما لذلك من ثواب كبير، و إنما يوجد لذلك هدف أكبر و أعمق،وهو أن تلامس الانسان، توجيهات القرآن الكريم،بصورة معنوية يتفاعل معها و يطبقها على نفسه قبل ان يدعو الآخرين للالتزام بها. و بهذه الصورة، كما يقول سماحة المرجع المدرسي: "يكون القرآن كمثل الشمس، تشرق كل يوم لتعطي آفاقاً جديدة و رونقاً آخر لحياة الانسان اليومية، لان اهم ما يقوم به القرآن هو اعطاء الانسان عقلا راشد و وعياً متجددا لما يدور في نفسه و لما يدور حوله".

لكن للاسف لقد تعامل المسلمون مع هذا المصدر الثر بجميع الافادات، سواء على صعيد الروح أو على صعيد الثقافة و غير ذلك، بصورة غريبة لا تليق ومقام هذا المصدر الكبير. فبعضهم هجر القرآن هجراناً كبيراً، وبعضهم تفاعل معه للترنم بآياته و بقراءاته السبع أو بتجويده. و إذا زاد هذا التفاعل، ارتبطوا به في أوقات محدودة للازمات أو الاموات. و هكذا تجاهل الكثير أهميته الحقيقية في حل كافة المشاكل البشرية، و عوضوا عنه بتعامل آخر يعد سطحياً أيضاً، لكنه يختلف عن المظاهر التي ذكرناها قبل قليل. فصاروا يتعاملون مع القرآن على انه حروف بلاغة لا كمعاني، او على انه مصدر الادب العربي لا كتوجيهات وروح مفعمة. واذا تطور بعضهم ايضاً تراه يجعله مفتاحاً لبعض العلوم الحديثة كالتاريخ والاجتماع والوراثة والبلاغة، بل وحتى البيئة ايضاً، لكنهم يفصلونه عن السلوكيات التي ينبغي ان يتطبع بها الانسان ويتحلى بها.

ان عظمة القرآن تكمن في انه يحتوي على كل هذه الامور المتقدمة بل واكثر لانه كتاب رسالة ودعوة لحضارة انسانية رفيعة المستوى ورائدة، لكي تبني مجتمعاً حيوياً.

طريقة التعامل:

الا ان السؤال يبرز هنا: كيف يمكن لنا ان نستفيد كل هذه الاستفادة من القرآن الكريم؟

الجواب يكمن في ضرورة وجود منهجية واضحة المعالم للتعامل مع آياته المباركات. وقبل الغور في غمار هذا الموضوع لابد من توضيح فكرة وهي:

ان كل علم من العلوم الحديثة والقديمة يقدم لباحثه اسلوباً ومنهجاً لدراسته وفهمه. فمثلاً المنطق الرياضي الذي جاء به "ديكارت" ومن ثم جعله علماً يدرس، لا يمكن فهمه الا من خلال المنهج الذي رسمه له مؤسسه، وهكذا سائر انواع العلوم الاجتماعية، والتجريبية، وغيرها..

واذا حاول الانسان ان يفهم هذه العلوم عبر مناهج اخرى، كأن يطبق المنهج المعين لدراسة علم الاجتماع في دراسة المنطق الرياضي، فبالتأكيد سيصطدم - في افضل الحالات-بالطريق المسدود.

ومن هنا، فان المنهج الذي يرسمه القرآن الكريم للتعامل معه هو منهج التدبر في آياته المباركات والانفتاح عليه بكل اخلاص بشرط الابتعاد عن انشدادات الارض، وافكار الهوى.

بهذا المنهج، يمكن ان يتهيأ الانسان للاستفادة من النور الذي يتجلى بين دفتي الأيات القرآنية. ان التدبر يعطي للانسان فرصة كبيرة لفهم روح القرآن الكريم.

وهاهي آيات القران الكريم تؤكد على هذا المنهج مثل قوله تعالى: (أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فيهِ اخْتِلافاً كَثيراً)[5]، وكذا قوله تعالى: (أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى‏ قُلُوبٍ أَقْفالُها)[6].

وهنا ملاحظة اخيرة ايضاً: ان التدبر يختلف اختلافاً جذرياً عن التفسير بالرأي، ولهذا دعا اليه القران نفسه كما في الآيتين السابقتين الى التدبّر، والتفسير بالرأي منهي في روايات اهل البيت عليهم السلام، كالحديث المروي عن الامام الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه واله: (قَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ مَا آمَنَ بِي مَنْ فَسَّرَ بِرَأْيِهِ كَلَامِي‏)[7]، وكذا قول الامام الرِّضَا عليه السلام لِعَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَهْمِ: (لَا تَتَأَوَّلْ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِرَأْيِكَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ‏ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ‏[8])، اذ ليس من المعقول ان يأمر القرآن الكريم بشيء، ثم تأتي الروايات لتنسفه وتحرمه، بل الصحيح هو ان ما نهت عنه الروايات يختلف كلياً عما امرت به الآيات الكريمة، والى هذا الامر يشير سماحة المرجع المدرسي في كتاب "بحوث في القران الكريم"، حيث يبين الاختلاف بين التفسير بالرأي والتدبر في القرآن الكريم، حيث يقول: [9" href="#sيقول اللـه سبحانه عن كتابه: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ}[9">[يقول اللـه سبحانه عن كتابه: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ}[9]

 وهل يمكن أن يبعث اللـه بياناً للناس جميعاً، ثم ينهاهم عن التفهم له، او التدبر فيه؟ إذاً فما فائدة البيان؟].

ثم يشرع سماحته في بيان معنى التفسير بالرأي، حيث يشير الى ان من معاني التفسير بالرأي هو تحميل النص ما لا يحتمل وتحريف معناه، و محاولة فهم القران من خلال المسبقات الفكرية لدى الفرد، او محاولة فهم القران وتأويله بعيداً عن روايات اهل البيت عليهم السلام، ومن بعد ذلك يقول سماحته:  ولكن لا يرتبط ذلك بالتدبر في القرآن، إذ التدبر هو: التفكير المركز في الآية لمعرفة الحقيقة التي ذكر بها معرفة تعيينية.

 فالتدبر إنما هو لتحصيل العلم بالقرآن، حتى لا يقول الانسان برأيه في تفسير القرآن وإنما بالعلم.[10" href="#sاذن؛ فهناك حقيقة لا ريب فيها، هي أن القول بالرأي - خصوصاً في تفسير القرآن الحكيم- حرام أشد ما تكون الحرمة.

 ولكن لا يرتبط ذلك بالتدبر في القرآن، إذ التدبر هو: التفكير المركز في الآية لمعرفة الحقيقة التي ذكر بها معرفة تعيينية.

 فالتدبر إنما هو لتحصيل العلم بالقرآن، حتى لا يقول الانسان برأيه في تفسير القرآن وإنما بالعلم.[10">[اذن؛ فهناك حقيقة لا ريب فيها، هي أن القول بالرأي - خصوصاً في تفسير القرآن الحكيم- حرام أشد ما تكون الحرمة.

 ولكن لا يرتبط ذلك بالتدبر في القرآن، إذ التدبر هو: التفكير المركز في الآية لمعرفة الحقيقة التي ذكر بها معرفة تعيينية.

 فالتدبر إنما هو لتحصيل العلم بالقرآن، حتى لا يقول الانسان برأيه في تفسير القرآن وإنما بالعلم.[10]].


[1] اشترك الآلاف من الخبراء والعلماء في تصنيع وارسال المركبات الفضائية الى سطح القمر.

[2] راجع: بحوث في القرآن الحكيم، لسماحة المرجع المدرسي.

[3] اي معاده، يقال: عوّلنا إلى فلان في حاجتنا أي لجأنا و فزعنا إليه فوجدناه نعم المعوّل.

[4] التفسير المنسوب الى الامام الحسن العسكري: ص 450.

[5] النساء: 82.

[6] محمد: 24.

[7] بحار الانوار: ج 89، ص 107.

[8] (1) أمالي الصدوق ص 56.

[9] آل عمران:138.

[10] بحوث في القرآن الحكيم: القرآن والتفسير بالرأي.


ارسل لصديق