التحرير بطعم الغدير
كتبه: رئيس التحرير
حرر في: 2016/09/14
القراءات: 490

ماذا حلّ بنداء السماء على لسان خاتم الانبياء والمرسلين، وقد طرق أسماع الآلاف المؤلفة من المسلمين يوم غدير خم؟ وهل وعتها الآذان وسكنت القلوب؟

بعد بضعة أشهر من التبليغ السماوي بالولاية من بعد النبي لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، عليه السلام، أعلن النبي النفير العام للجيش الاسلامي لمواجهة التحدي الرومي على تخوم البلاد الاسلامية شمالاً، وسلّم القيادة لأسامة بن زيد، وقالها بصوت عالٍ: «لعن الله من تخلّف عن جيش أسامة»، وهو يعني بالقول، لعلمه بالدفائن والسرائر.

حصل التخلّف من رموز، ثم تحول هذا التخلّف الى فيروس ضرب أطناب الأمة فزعزع ايمانها وهدد كيانها، بل كاد ان يقوّض كل ما ضحى وقدم من أجله النبي الأكرم، طيلة عقدين من الزمن، بيد أن ثقافة الغدير، لقّنت الامة درساً قاسياً خلال ربع قرن من الزمان، بأن الهتاف النبوي: «من كنت مولاه فهذا عليٌ مولاه» إنما كانت لدرء المفاسد والمكاره والانحرافات التي شهدتها الامة طيلة هذه الفترة.

هذا الدرس تلقفه العراقيون في الساعات الاولى من إطلاق نداء المرجعية الدينية بالجهاد لمواجهة قوى التكفير والارهاب الداعشي، فمن الوقوف بوجه ذلك الزحف الخطير، ثم كسر شوكة  التنظيم الارهابي في معظم مناطق نفوذه في العراق، وحتى مرحلة التطهير الكامل لأرض المقدسات، يواصل أبطال الحشد الشعبي مع جميع فصائل القوات المسلحة العاملة على الارض، رسم ملاحم بطولية مذهلة للعالم، ونجاحات لها ابعاد حضارية أكبر بكثير من البعد العسكري الظاهري على الارض.

فعندما يقال بان ما حصل في العراق من إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش، عجزت عنه القوى الكبرى في العالم، وتحديداً اميركا وروسيا والدول الاوربية المعنية بملف داعش في المنطقة.

فهذا يعني - مما يعنيه- بأن هنالك كلمة سر خاصة لا يفهمها سوى العراقيين، هي التي زودتهم بهذه القدرة الفائقة والارادة الفولاذية على مواجهة قوات مسلحة ومنظمة ومدعومة اقليمياً ومخابراتياً - عالمياً، وتجبرها على التقهقر، بل الاعتراف علناً بالعجز عن مواجهة الرجل بالرجل، لأن لا رجل في الجانب الآخر، سوى الجبن والغدر الكامن في اجساد معبئة بالضلال، فلا تجد طريقاً في الحياة سوى الانتحار بالسيارات المفخخة لمواجهة أبطال الحشد الشعبي علّها توقف الزحف المقدس نحو باقي المناطق المحتلة.

نعم؛ لقد جرّب العراقيون طيلة العقود الماضية القتال في ظل الشعارات «الوطنية» و»القومية»، وقدم على هذا المذبح عشرات الآلاف من خيرة شبابه ورجاله، الذين يفترض ان يكونوا اليوم، اساتذة ومدرسين في المدارس والجامعات وخبراء وعلماء في المصانع والمزارع والمستشفيات، واكتشفوا اليوم إن الذين ضللوه بتلكم الشعارات البائسة،  وأحفاد المتخلفين عن جيش أسامة والمنكرين للغدير، ذاتهم يقفون في الجانب الآخر من الحرب الدائرة اليوم، وهذا ما جعلهم يتذوقون طعم التحرير ويقارنون بين اليوم والأمس من تجارب الحروب الطاحنة التي خاضوها في العقود الخوالي.

طعم الغدير في تحرير المدن والمناطق من احتلال داعش، كان واضحاً في تلاشي الروح الطائفية واستبدالها بقيم السلام والمحبة والعطاء، إنهم جند المرجعية الدينية، هجروا زوجاتهم وأطفالهم وبيوتهم وراحتهم، في مدن الوسط والجنوب العراقي، ليخلصوا زوجات وأطفال أناس آخرين في تكريت والفلوجة والرمادي وغيرها، ثم يوزعون عليهم الطعام ويساهمون في إغاثتهم والتخفيف من وطأة النزوح من مناطق القتال.

تم تحرير العديد من المدن ذات الاغلبية السنية على يد اخوانهم من الشيعة.

وها هم يستعدون للمشاركة في معركة تحرير الموصل، وهذه دلالة على إزالة الرقم الطائفي من معادلة الحرب ضد الارهاب في العراق، فحتى الساسة السنّة باتوا في حيرة من عجزهم في تشكيل جبهة موحدة تكون بديلاً عن داعش لإدارة المدن والمناطق المحررة حديثاً، ومنها الموصل، بسبب شدّة التنافس المحموم على النفوذ والسلطة.

وربما يأتي اليوم الذي يسقط الرقم السياسي من المعادلة ايضاً، لتبقى العقيدة والايمان يرسمان طريق الانتصار ومن ثم البديل الأفضل لعراق ما بعد داعش، فالدماء الزكية والدموع الساخنة للأرامل والايتام لن تذهب سدىً. 


ارسل لصديق