شيعة العراق ورسالة الى بشّار الأسد
كتبه: رئيس التحرير
حرر في: 2017/08/29
القراءات: 116

مهما يكن الواحد منّا متواضعاً وكريماً ومحباً للخير الى الآخرين، فانه يشعر بالارتياح والاطمئنان من كلمات العرفان لما قام به، حتى لا يُصار الى «قطع سبيل المعروف» كما في أدبياتنا الدينية، بيد أن هذه الحقيقة الإنسانية، رغم واقعيتها، نراها تهون في أعين الشيعة العراقيين وهم جرحى ينزفون، وجياع يصرخون، ثم أبطال مقاومون وشهداء في سوح المعارك، ليس اليوم وفي ظل المعركة المفتعلة والمفروضة علينا (الإرهاب) والعدو المفتعل (التكفيريون)، وإنما على طول التاريخ، منذ أول ثورة على الظلم والطغيان قادها الصحابي الجليل؛ أبو ذر الغفاري، وقدم نفسه ضحية لينتصر للجياع والمضطهدين ويموت جوعاً قبلهم في صحراء الربذة.

وقد تبادر في ذهني سؤالٌ وجهته الى الخطيب الكبير آية الله السيد مرتضى القزويني في حوار صحفي معه، عن الدوافع التي جعلت الشباب العراقي يتسابق الى الموت بمجرد إصدار فتوى الجهاد لمواجهة خطر التوسع الداعشي قبل ثلاث سنوات، فأجاب - ما مضمونه - كيف لا يتسابق الى الشهادة، وهو يقرأ في التاريخ المنازل الرفيعة التي حصل عليها شهداء كربلاء وسائر شهداء الحق والفضيلة بين يدي أهل البيت، عليهم السلام.

فالذي دفع الشباب العراقي (الشيعي) لمحاربة داعش في العراق، هي نفسها التي دفعت بهؤلاء، وهم في ريعان الشباب، لأن يندفعوا لمحاربة سائر الجماعات التكفيرية والدموية في سوريا، ومن يفكر بنصرة الحق والعدل والقيم السماوية، لن يفكر بالأجر المادي مطلقاً، او أن يذكر اسمه في وسائل الاعلام او على لسان هذا الرئيس او تلك الشخصية السياسية، هذه الطريقة في التفكير هي التي جعلته يتجاوز جراحه الغائرة من الانتحاريين والذباحين القادمين من سوريا منذ الايام الاولى لسقوط نظام حزب البعث في العراق، ليكون جاهزاً للقتال في نفس هذا البلد دفاعاً عن نفس القيم والمبادئ التي قتل من أجلها على يد أولئك الذباحين، وهذا من شأنه ان يكون خير رد على خطاب الرئيس السوري بشار الأسد، وهو يشعر بزهو الانتصار على أعدائه، فقد ذكر الأطراف الإقليمية والدولية التي ساندته وحالت دون سقوطه وسقوط نظامه بيد الجماعات الارهابية، ولم يذكر العراقيين بشيء، واعتقد انه فعل حسناً في ذلك، لأن الشباب العراقي اليافع الذي استرخص دماءه في سوريا ترك رسالة الى الشعب السوري يخلدها التاريخ والاجيال، بانه دافع عنه وعن عرضه وأرضه، وهو مصاب بأخيه وأبيه وأصدقائه الذين سقطوا ضحايا الارهاب القادم من بلدهم فيما مضى من الزمن.

ولمن يتذكر الايام الاخيرة من الحرب العراقية - الإيرانية، وعندما انسحبت القوات الايرانية فور سماعها نبأ إعلان الموافقة على قرار وقف إطلاق النار في شهر تموز عام 1988، يعرف كيف إن الاراضي الايرانية تعرضت بشكل مفاجئ لاجتياح من الجيش العراقي على طول الحدود الدولية، ومنها كان قاطع مهران، ولكن؛ كانت المفاجأة اكبر، ليس أمام الجيش العراقي، وإنما أمام جماعة  إرهابية معارضة للجمهورية الاسلامية، ومحترفة للقتال، وقد قطعت وعداً على افرادها بأن تصل الى طهران! بيد ان المقاتلين العراقيين المنضوين في اطار «فيلق بدر»، أبدوا بسالة منقطعة النظير، وأثاروا فيها استغراب الخبراء والمراقبين الدوليين، وايضاً أركان النظام البائد، فأوقفوا الزحف الإرهابي لعناصر «مجاهدي خلق» وقدموا في هذه المعركة الحاسمة، العديد من الشهداء، ورغم كل هذه التضحيات، لم يسمعوا كلمة شكر في وسائل الاعلام الايرانية.

ان الحديث عن تضحيات الشيعة في العراق ومواقفهم البطولية المشرفة إزاء القضايا الاسلامية العادلة، يجب تقييمها من خلال رؤية شفافة وعميقة للتاريخ والجذور العقائدية لهذا الشعب، فهو يتميّز عن غيره من الشعوب بسرعة تفاعله وعمق إيمانه وشدّة بأسه، وهذا ما فهمه البعثيون في العراق منذ ستينات القرن الماضي، فجعلوا العراق والعراقيين (الشيعة) وسيلة لخدمة ما أطلق عليه بـ «القضايا العربية» وأن يكون العراق في خدمة العرب، يشفطون من خيراته وقدراته، بل حتى يحارب ويقتل من اجل ان لا يتأثروا بأفكار لا يوافق عليها حزب البعث، وربما تكون هذه رسالة اخرى الى مثقفينا لأن يكرسوا في نفوس ابناء شعبنا، مشاعر الثقة بالنفس وأنهم في طليعة الشعوب المنتصرة للقضايا العادلة.


ارسل لصديق