المفردة القرآنية
[الكلمة]
كتبه: السيد سجاد المدرسي
حرر في: 2013/03/02
القراءات: 1715

لا تستقيم الجملة الا بمجموعة من المفردات التي رُكبّت بعضها ببعض، إذ إن الكلمة هي أساس الكلام، ومن هنا كان من الضروري معرفة معنى كل لفظة في الجملة ليتسنى معرفة المعنى المراد من الجملة، فلو استعمل المتحدث الفاظاً مشتركة في معنى واحد، فانك تسأله عن أي المعاني يقصد، وإذا استخدم لفظة وحشية ( غريبة) فانك تبادره بالاستفهام عن معنى المفردة الواردة.

واللغة العربية هي أشمل لغة عرفها الإنسان، من جهة كثرة ألفاظها المتشابهة والمترادفة والمشتركة، فالمعنى الواحد له عدة ألفاظ، فالقيام له مرادفات من الوقوف والنهوض وغيرهما، وكذلك المشي والتحرك و السير و غيرهما من المعاني.

وفي الحقيقة فإن ما يتصوره البعض من ترادف في الألفاظ غير دقيق، إذ إن الكلمات المترادفة ظاهراً، مختلفة في التفاصيل الدقيقة، فالقيام يختلف عن الوقوف وهما يختلفان عن النهوض وهكذا..

ولو صدق هذا الامر على كلام البلغاء والفصحاء بنسبة معينة، فانه ينطبق تماماً على آيات القرآن الكريم، فان الفهم الدقيق لمعنى المفردة، كفيل بان يكشف للمتدبر أسراراً عميقة، إذ إن فهم معنى المفردة يشكل الخطوة الأولى في التدبر في القرآن الكريم، ولكن مع الأسف فان كثيراً ممن يقرؤون القرآن الكريم لا يقومون بهذه المهمة، ولذلك فإنهم يقعون في أخطاء في فهم معنى الكلمة فلا يفهمونها، أو يفهمون الكلمة بشكل مغلوط، أو بشكل لا يعكس المدلول الدقيق للكلمة.

فحينما نسأل القارئ للقرآن عن معنى لفظة (مواخر) أو (عوان) أو (أغطشَ) أو غيرها من الكلمات الكثيرة في القرآن الكريم، فانه لا يجيب عنها إجابة صائبة، أو دقيقة على أقل التقادير، والسبب في ذلك يعود الى ثلاثة اسباب:

الاول: ان العرب اليوم ابتعدوا كثيراً عن اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، ولذلك فانهم باتوا غرباء على لغة القرآن الكريم، ولا يشعرون بدقة الألفاظ الواردة فيه، بل بدقة الحركات الإعرابية التي لم ترد الا لمعان بالغة الدقة.

الثاني: ونتيجة للسبب الأول نتج الثاني، إذ إن كثرة استعمال الألفاظ في غير معانيها الأدبية كان سبباً لعدم الفهم الصحيح لمعنى المفردة، فحينماً يستعمل العربي كلمة (قرب) في المجال المحدد لـ (اقترب) ، فان ظلال الكلمتين سيختلط وتضيع الإيحاءات الخاصة، وعلى سبيل المثال فان كلمة (خَلَف) تختلف عن كلمة (خَلْف) ، في حين إن كلايهما يقابلان (السلف) أي اللاحق للإنسان وذريته، فالأول بمعنى الذرية الصالح، بينما الثاني يعني الخليفة الطالح : (الخَلَفُ‏ بالتحريك و السكون: كل من يجي‏ء بعد من مضى، إلا أنه بالتحريك فى الخير، و بالتسكين فى الشّرّ. يقال‏ خَلَفُ‏ صدق، و خَلْفُ‏ سوء) (1).

 قال تعالى : (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا)، (سورة مريم/ آية: 59).

الثالث: إن أذهاننا تعلقت بمعانٍ جامدة ومحددة كـ (ألفاظ عربية)، وفقدنا الشعور بمحور شعاع الكلمة، فنحن حينما نستعمل كلمة  (الخمر) سيتبادر الى أذهاننا المشروب المسكر المحرم، من دون أن نفكر في ارتباط  كلمة  (الخمر) بـ (الخمار) الذي يستر وجه المرأة، ولا نلاحظ أن علاقة اللفظين ببعضهما هي من ناحية الستر، فالأول يستر العقل والثاني الوجه. وكذلك حين نقرأ قوله تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُه‏...)، (سورة الأنبياء/ آية:18)   لا ندقق في معنى (يدمغه) وما هو ارتباطه بلفظة (حجة دامغة) حيث ان الجميع مأخوذ من فعل (الدمغ) بمعنى من كسر الدماغ.

ومن هنا يتوجب علينا الخروج من الفهم التقليدي للألفاظ العربية نحو أفق أعلى للفهم الأدق للكلمة، وهذا الخروج ضروري لفهم القرآن الكريم، حيث إن الفاظ القرآن – كما أسلفنا – في قمة البلاغة والدقة، حيث التناسب بين الواقع والتعبير.

 

طريق الخروج

وكيفية الخروج من هذه الحالة، تكمن في النقاط التالية:

أ‌- على المتدبر أن يتجرد من الإيحاءات الجامدة للمفردة، الأمر الذي يفرضه المناخ الفكري الذي يعيشه على تفكيره.

ب‌- الرجوع الى المادة الأساسية للمفردة، والتي تجمع التصريفات للكلمة والاستعمالات المختلفة، والتفكير في المعنى المناسب لربط المجموعات باللفظ، فمثلا: نجمع معاني: الجنة، والجنين، والمجنون (فاقد العقل)، والجن، والجنان (القلب)، و المجنّة (الترس)  فنجد أنها ماخوذة من أصل (جَنَنَ) وهو يعني الستر ، فقد جاء في لسان العرب : (جَنَ‏ الشي‏ءَ يَجُنُّه‏ جَنّاً: سَتَره‏)(2)، وكل الالفاظ المذكورة هي ترجع الى هذا المعنى، فالجنة مستورة عن الانظار، او هي لتكاثف الاشجار بحيث يكون هناك ستر(3)، والجنين مستور في البطن، والمجنون قد ستر عقله، و الجن مستورٌ عن الناس و المجنة الترس الذي يستر الانسان وهكذا..

وهذا الأمر يستدعي أن يتمرن الانسان على مراجعة المصادر اللغوية ويمارس إرجاع اللفظة إلى مصدرها ومن ثم البحث عن المشتقات و.. ، وينبغي أن يكون الرجوع الى المصادر الأقرب إلى زمن صدر الإسلام.

ت‌- قياس موارد استعمال اللفظ ببعضها، لمعرفة المعنى المشترك الذي يمكن ان يتصور جامعاً بين هذه الموارد.

واذا كان قياس موارد الاستعمال من أفضل طرق معرفة المعنى الحقيقي لمفردة ما، فإن أفضل قياس من هذا النوع هو قياس موارد استعمال الكلمة في القرآن الكريم.

من هنا يجدر بالذي يريد أن يتدبر في القرآن، أن يبحث عن المعنى المحدد للكلمة في آيات القرآن ذاته. لتوضيح ما سلف نضرب المثال التالي: يقول الله تعالى : (ما كانَ إِبْراهيمُ يَهُودِيًّا وَ لا نَصْرانِيًّا وَ لكِنْ كانَ حَنيفاً مُسْلِماً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكين‏)، (سورة آل عمران/ آية: 67) لمعرفة معنى لفظة (حنيف) في هذه الآية، نعود الى اللغة لنجد المواضع التي استخدمت فيها هذه الكلمة، ثم نستنبط من المجموع المعنى العام فنجد في اللغة: حنَفَ: مالَ، وحنف رجله، جعلها حنفاء: اعوجت رجله الى الداخل فهي حنفاء، الحنفاء: القوس، ومن كل ذلك نستنتج أن المعنى الحقيقي هو المَيَلان، جاء في لسان العرب: (الحَنِيفُ‏ المائِلُ من خير إلى شرّ أَو من شرّ إلى خير)(4).

وعلى هذا يكون معنى الآية: (إن ابراهيم كان مائلاً عن كل المبادئ الزائفة، مسلماً لله وحده)، حيث إن الايمان لا يكتمل الا برفض الأنداد لله عزوجل أولاً ومن ثم الإيمان به: (لا اله الا الله) فالبداية تكون برفض الآلهة كلهم، ومن ثم إثبات الله عزوجل، وهكذا فقد رفض النبي إبراهيم عليه السلام، كل الطرق والأديان المنحرفة وكفر بها، وأسلم لله وحده.

وبهذا تنهار الحلول الوسطية التي تحاول الجمع بين الله وبين الأصنام، مهما كان اسم الأصنام أو شكلها، وبهذا - أيضاً – نعرف خطأ أولئك الذين يحاولون الجمع بين الله وسائر الآلهة.

----------------

1- النهاية في غريب الحديث و الأثر، ج‏2، ص66

2- لسان العرب: ج 13، ص 92

3- النهاية في غريب الحديث والأثر: ج 2 ، ص307

4- لسان العرب: ج 9 ، ص57.


ارسل لصديق