المفردة القرآنية
(الســــــــــياق)
كتبه: السيد سجاد المدرسي
حرر في: 2013/04/07
القراءات: 2744

كما لا تستقيم الجملة إلا اذا اجتمعت فيها المقومات الاساسية، حيث الالفاظ الدالة على معانٍ يراد إيصالها للمتلقي لتكون معبرة عن مراد المتحدث، كذلك المفردة قد تكون مبهمةً إلا اذا وُضعت في سياق جملة واضحة المعالم، فنحن لم نتعلم اللغة إلا من خلال السياق الذي وردت الالفاظ فيه، فاذا أراد شخصٌ ان يتعرف على معنى لفظة (ماء) فان افضل طريقة لتفهيمه المعنى، وضع إناء من الماء امامه و الاشارة اليه باسمه.

ولا ريب ان وجود اللفظ في اطاره المناسب يوحي بمعناه الدقيق اكثر من تفسير اللفظ بدون سياق يحده.

وان كان هذا الامر ينطبق على التعامل اللغوي الدارج بين الناس، فانه أولى بالانطباق على القرآن الكريم، ذلك الكتاب البليغ الذي يناسب بين المفردات في اطار السياق بحيث يصعب، بل يستحيل على الانسان مهما بلغ في البلاغة ان يبدل لفظة بأخرى دون ان تضر بتناسب الكلمات.

فكما ان الخليقة في كل مكان فيها دلائل الحكمة والتدبير للطيف الخبير، حيث لا يمكن ان نبدّل جزءاً مكان جزء، وإلا لاختلت الخليقة، فكذلك في القرآن الكريم، اذ ان خالق الخليقة ومكونّها هو من أنزل القرآن الكريم، بحيث نجد ان الكلمة الواردة في سياقٍ معيّن لا يمكن ان تكون في غيره.

ومن هنا فان السياق ذاته يهدينا الى المعاني الدقيقة للكلمات، فهي موضوعة في أماكنها من دون أدنى خطأ، وهذا الامر يدعونا الى التأمل في الكلمات التي تلي المفردة التي نحاول فهمها او التي تسبقها في الآيات المباركة، فحين تريد فهم معنى كلمة (أبّ) في قوله تعالى:

«وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا» (سورة عبس /31)، فان المعنى يتجلى حين الرجوع الى الآية التالية حيث يقول تعالى:

 «مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُم‏» (سورة عبس /32) ، فيتضح للقارئ، ان الفاكهة هي طعام إلانسان، بينما الـ(أب) طعام الأنعام، وقد تعجب امير المؤمنين عليه السلام من جهل السائل عن هذه الكلمة حين قال: (يَا سُبْحَانَ اللَّهِ أَ مَا عَلِمَ أَنَّ الابَّ هُوَ الْكَلَاءُ وَ الْمَرْعَى وَ إِنَّ قَوْلَهُ عَزَّ اسْمُهُ‏ «وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا» اعْتِدَادٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِإِنْعَامِهِ عَلَى خَلْقِهِ فِيمَا غَذَّاهُمْ بِهِ وَ خَلَقَهُ لَهُمْ وَ لِأَنْعَامِهِمْ مِمَّا تَحْيَا بِهِ أَنْفُسُهُمْ وَ تَقُومُ بِهِ أَجْسَادُهُم‏).

او اذا أردنا ان نعرف معنى كلمة (مواخر) فان سياق الآية التي وردت فيها اللفظة يقربنا عن المعنى، فقد قال تعالى :

«وَ تَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون‏» (سورة النحل /14)، فالكلمة تعني أمراً يتعلق بالسفن في البحر، وهو ان السفن في تحركها تمخر عباب المياه، أي انها تشق الماء.

وهكذا لو اردنا التعرف على معنى (نفش) في قوله تعالى:

«وَ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَ كُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدين‏» (سورة الانبياء /87)، فلو اردنا ذلك، لم يكن علينا إلا قياس كلمة (نفشت) بالحرث والغنم والحكم، لنتعرف انه اتلاف الحرث. وقد كان الأئمة الاطهار عليهم السلام، يوضحون معنى الكلمة من خلال بيان الشاهد القرآني عليها، ليكون السائل قادراً على فهم المراد الدقيق للكلمة من خلال السياق، واليك شاهد على ذلك: «سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ عَنِ «الْكَلَالَةِ» فَقَالَ أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي فَإِنْ أَصَبْتُ فَمِنَ اللَّهِ وَ إِنْ أَخْطَأْتُ فَمِنْ نَفْسِي وَ مِنَ الشَّيْطَانِ فَبَلَغَ ذَلِكَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام، فَقَالَ: مَا أَغْنَاهُ عَنِ الرَّأْيِ فِي هَذَا الْمَكَانِ.. أَ مَا عَلِمَ أَنَّ «الْكَلَالَةَ» هُمُ الأخْوَةُ وَ الأخَوَاتُ مِنْ قِبَلِ الأبِ وَ الأمِّ وَ مِنْ قِبَلِ الأبِ عَلَى انْفِرَادِهِ وَ مِنْ قِبَلِ الأمِّ أَيْضاً عَلَى حِدَتِهَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ قَائِلا:

«يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَ هُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ» (سورة النساء /176).

وَ قَالَ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ:‏

«وَ إِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَ لَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ» (سورة ‏النساء /12).

 

التفسير

ان معرفة الاطار التاريخي الذي شاهد نزول الوحي، ومعرفة المورد الخاص الذي نزلت فيه الآية، والموقف الاجتماعي الذي وجهته الآية، ذات اثر كبير في تفهم المعنى الدقيق للآية.

وتنبع ضرورة رصد الاستعمال القرآني للكلمة، الى أنه ربما وسع او ضيق او بدّل دلالة المفردة، فلفظة (الرمي) تدل على الإلقاء من اليد، ولكن في قوله تعالى:

«وَ الَّذينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانينَ جَلْدَةً» (سورة النور /4)، فان دلالة مفردة (الرمي) اختلفت، فصار لها معنىً جديد يعني: اتهام المرأة بالزنا.

 

تخير الكلمة

ويجدر الاشارة الى نقطة هامة جداً فيما يرتبط باستخدام القرآن الكريم للالفاظ، حيث ان اللفظة وان كانت تشترك مع مرادفاتها في ايصال معنىً واحد، إلا انها تبقى تمتاز عن مفرداتها بدلالة مخصوصة، وحين يتم ايراد لفظة ما فلابد ان نبحث عن ذلك الايحاء الدقيق او الظِلال الخاصة لهذه الكلمة الذي يميزه عن مفرداته، لنكتشف المعنى الدقيق للآية، مثال ذلك: ان (القتل – حتف أنفه – الاغتيال – الذبح – و..) كلها الفاظ تشير الى حقيقة الموت، فالقتل موت بسبب خارجي، والاغتيال هو كذلك ولكن مع الغدر، و حتف أنفه، يدل على ان الموت كان طبيعياً، والذبح دلالة على ان القتل تمّ بطريقة خاصة تشير الى الوحشية عند الفاعل و...، وهكذا نجد ان الكلمة إلاساس (الموت) قد تتفرع منها معانٍ عديدة.

وعلى المتدبر في القرآن الكريم ان يحاول فهم الفرق الدقيق بين المفردة ومرادفاتها، ويمكن ذلك من خلال مراجعة الفهارس اللغوية المخصصة في فروق اللغة، او بدراسة الآيات التي تتحدث عن الموضوع الواحد، فما هو الفرق بين (المطر و الغيث) و (اللباس والثياب) و (انفجرت وانبجست) و (البزوغ والطلوع) و... معرفة كل ذلك يشكل حجر الزاوية في الفهم المعمق للآية الكريمة، وتوضيحاً لما سبق نذكر المثال التالي:

يقول تعالى :

«أَلْهاكُمُ التَّكاثُر* حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِر».

ان معنى الآية الكريمة – على ما يعطيه السياق – هو: شغلكم التكاثر في متاع الدنيا وزينتها، والتسابق في تكثير العدة عما يهمكم وهو ذكر الله عزوجل، حتى لقيتم الموت، فعمتكم الغفلة مدى الحياة.

ولكن السؤال هو : لماذا يستعمل القرآن كلمة (زرتم)، ولم يقل: (حتى سكنتم المقابر)، او (ملأتم المقابر) او (نزلتم في قبوركم) او..؟

في الإجابة نقول:

يبدو ان لفظة (زرتم) تدل على المقام في المكان بشكل غير دائم، و وردت هذه اللفظة واستخدمت في هذه الآية للفت الانظار الى ان المقام في القبر مقام مؤقت، وان الدخول الى القبر دخول زيارة لا سكن، خلافاً للافكار المادية الضيقة التي تعتبر الموت نهاية إلانسان، والقبر هو آخر المطاف.

-------------

1- الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد – ج1 / ص200.


ارسل لصديق