الإرهاب أعمى
كتبه: رئيس التحرير
حرر في: 2013/05/04
القراءات: 1007

أثبت التاريخ، كما الحقائق على الأرض، أن لغة الإرهاب والعنف لن تكون الوسيلة الفضلى والسليمة لتحقيق المكاسب السياسية؛ نعم ربما يكون ذلك لفترة من الزمن، تطبيقاً لمبدأ «الأمر الواقع»، أو يدخل في المعادلة السياسية ويأخذ مكانه في مرحلة التكتيك، فربما يأخذ شيئاً من الكعكة حتى وإن كانت مغموسة بالدماء، بيد أن الاستراتيجية، حتى في المناهج السياسية اليوم، لا تقبل التعكير بفوضى الارهاب والدموية، إنما يتم رسمها بألوان هادئة مطمئنة للشعوب، لأنها تعمل للمدى البعيد.

وفي العراق؛ حيث هنالك أناس يقولون إنهم يتجمهرون منذ حوالي خمسة أشهر للمطالبة بحقوق ضائعة لدى الحكومة المركزية في بغداد، وهي حقوق ليست في الماء والكهرباء والوظائف والاموال، وإلا فهي متوفرة بنسب متقاربة مع سائر المحافظات، إنما يفترض ان تكون مطالب تتعلق بمشاريع البنية التحتية، من تطوير الجانب الاقتصادي والعلمي وغيرها..

لكن الغريب حقاً، أن نشهد الابتعاد عن الاهداف الاستراتيجية، وتغليب المصالح الخاصة، ليس لأهالي الانبار وصلاح الدين والموصل، إنما لأناس هم وراء الحدود يُصرون على دفع أولئك المتجمهرين فيما يسمى بـ «ساحات الاعتصام»، بل وجميع السكان في تلكم المناطق للعودة الى دوامة العنف الطائفي، وبكل بساطة؛ لو كانت تلكم التجمعات الجماهيرية الحاشدة، ذات طابع مطلبي حقيقي، لما وجد مجموعة من محترفي القتل والجريمة، الثغرة لارتكاب جريمتهم ضد خمسة من الجنود العراقيين العائدين من إجازة قصيرة، وبالقرب من مكان «الاعتصام» شمال مدينة الرمادي، وقتلهم بتلك الطريقة البشعة.

يعتقد البعض ممن يقفون على «المنصّات» ويعبئون الناس بالشعارات المعادية للعملية السياسية برمتها، أن غير لغة القوة والعنف، لن يحقق لهم مصالحهم وذاتهم في الواقع العراقي، مدفوعين بذلك بشعور كاذب بالدونية والاستصغار من قبل الآخرين، وهو الشعور الذي تذكيه أطراف خليجية وعثمانية، قاصدةً تكرار التجربة السورية، لذا فان تلبية المطالب من قبل الحكومة لن تكون ذات شأن بالنسبة لهم، علماً أن التنازلات التي قدمتها حكومة الرئيس نوري المالكي، مثل إطلاق سراح بعض المعتقلين والمعتقلات بكفالة، وهم ممن اشتركوا بشكل أو بآخر في جرائم قتل، تُعد في نظر الكثير، أنها «تنازلات مؤلمة».

لو عدنا قليلاً الى  الوراء، وتحديداً عند الانتفاضة الشعبانية عام 1991، نجد أن شعارات «لاشيعة بعد اليوم» نقشت على الدبابات التي اقتحمت كربلاء المقدسة، بعد مقاومة باسلة استمرت أربعة عشر يوماً، وفي ظل هذا الشعار تمكّن النظام الصدامي آنذاك من إخماد نار الانتفاضة الشعبانية، لكن العبرة هنا، في رد فعل الشيعة بشكل عام إزاء هذا الحدث التاريخي الفاصل.. لقد ألقيت المسؤولية كاملة على النظام السياسي القائم حينها في بغداد، ولم تصدر حينها من أي شريحة اجتماعية او سياسية او علمائية، ما يؤشر الى تجريم طائفة معينة في أحداث القمع الرهيبة، لمعرفة الشيعة بسياسة صدام، وأسلوبه بإثارة أناس واستفزازهم ضد أناس آخرين. ثم إن صداماً استخدم الورقة الطائفية، كآخر سهم مسموم في جعبته، عندما رأى الموت بعينيه، وهو الذي لا يقرّ للدين والعقيدة بأي دور في الحياة السياسية والاجتماعية.

وبعد سقوط صدام – الصنم، نشهد تحركات من وراء الستار، تثير نفس النعرات الطائفية المقيتة، والغاية القصوى إذكاء جذوة الارهاب متقدة في العراق، وإلا ما الذي يثير هذا وذاك ليفجر نفسه وسط الناس، أو يركن سيارة مفخخة في الاسواق والاماكن العامة، غير التكفير والتخوين..

لقد كانت الدهشة على وجوه عدد من الاشخاص الذين التقتهم قوة من الجيش العراقي، في الانبار، وهم لم يشاهدوا بينهم «صفويون»، فيما كان قائد المجموعة يقسم لهم أن الذين أمامهم عراقيون مثلهم. و ربما كانت الصدمة أقوى لأهالي الانبار والمعتصمين ايضاً، عندما علموا أن بين المغدورين من الجنود الخمسة، اثنين من الانبار.

فاذا اراد «المعتصمون» حقاً؛ نيل حقوقهم المشروعة والاندماج في المجتمع العراقي ومواكبة مسيرة و الاعمار والتطور، ما عليهم إلا أن يحكّموا العقلاء والحكماء وأهل البصائر، ممن يتطلعون الى آفاق المرحلة، ويتركوا موجة الإرهاب تخمد دون أن تطوي معها الأبرياء، وإن كلفهم ذلك مقاطعة الحلفاء والداعمين هنا وهناك.


ارسل لصديق