العلاقة بين علوم القرآن وتدبره
كتبه: السيد سجاد المدرسي
حرر في: 2013/10/26
القراءات: 2011

 

* على سبيل التمهيد

قبل البدء في دراسة أي علم، يقوم العلماء بدراسة نوع العلم، وموضوعاته، والغاية منه، و بالتالي علاقة هذا العلم بالعلوم الاخرى، وما يميز هذا العلم عن الآخر. وثمّ اختلاف بين العلماء في منهجية التحديد تلك، هل ان المائز (وكذا الجامع) في العلم هو موضوعاته، أم الغايات التي يراد الوصول اليها من خلال دراسة موضوعات العلم.

ويبدو ان الرأي الأصح هو الثاني، اذ ان الموضوعات المختلفة قد تجتمع معاً للوصول الى غاية محددة، فعلى سبيل المثال، حينما نتساءل عن العلاقة بين موضوعات (المبتدأ والخبر) و (النواسخ) و (التوابع) و غيرها، سنجد انها جميعاً تبحث أواخر الكلمات من حيث البناء والاعراب، وتشكّل نهاية علم النحو، و النحو يشترك مع علوم الصرف، والبلاغة، والمعاني، والبديع، في انها جميعاً تهدف صون اللسان عن اللحن، و إضفاء جمالية لمنطق الانسان.

وهكذا الامر يصدق على علم الاصول، فبدءاً من مباحث الالفاظ، ومروراً بالمباحث العقلية من مستقلات وغير مستقلات، و انتهاءً بالأصول العملية، بالإضافة الى عشرات المواضيع المختلفة، كلها تجتمع لتحقق غاية استنباط الحكم الشرعي في اطار اصول الفقه.

ومن هنا، فإن الباحث في اي علم، عليه اولاً، ان يدرك العلاقة بين المواضيع المختلفة في العلم، كما عليه ان يدرس العلوم الاخرى التي تشترك مع ما يدرسه، في سبيل الوصول الى تلك الغاية.

ومن يريد دراسة منهج التدبر في القرآن الكريم، من اللازم عليه ان يدرس العلاقة بين المواضيع المختلفة التي تتمحور حول محور واحد، وعليه ايضاً ان يدرس العلاقة القائمة بين منهج التدبر وسائر العلوم المرتبطة بفهم القرآن الكريم مثل مناهج التفسير، وعلوم القرآن وغيرها.

 

* علوم القرآن

بعد ان أشرنا – في الحلقات السابقة – الى اهم مباحث التدبر في القرآن الكريم بشكل مجمل ومختصر، رأينا من الضروري ان نشير باختصار الى العلاقة القائمة بين مباحث علوم القرآن و مباحث منهج التدبر في القرآن.

ولكن قبل بيان ذلك، لابد ان نبين ما نعنيه من منهج «علوم القرآن» (1)، اذ ان للعبارة اطلاقين واستعمالين:

الأول: يُطلق ويراد منه كل العلوم الخادمة للقرآن الكريم، وعلى هذا الإطلاق، يدخل علم الاصول واللغة والفقه والحديث و.. وتوسع بعضهم و أدخلوا علم الطب والبيئة والعلوم الاخرى.

الثاني: يطلق ويراد منه مجموعة من العلوم والبحوث ذات الصلة المباشرة بالقرآن، كتفسيره وتأويله، وناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وعامه وخاصه، واسباب نزوله و..

و هذا ما نعنيه فيما يلي باطلاقنا لعلوم القرآن.

وقد وردت جملة من الروايات عن طريق اهل البيت عليهم السلام، تؤكد على ضرورة التعرف على علوم القرآن، منها ما روي «عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عليه السلام، ‏ فِي حَدِيثِ احْتِجَاجِهِ عَلَى الصُّوفِيَّةِ لَمَّا احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِآيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ فِي الْإِيثَارِ وَ الزُّهْدِ، قَالَ :أَ لَكُمْ‏ عِلْمٌ بِنَاسِخِ الْقُرْآنِ وَ مَنْسُوخِهِ وَ مُحْكَمِهِ وَ مُتَشَابِهِهِ الَّذِي فِي مِثْلِهِ ضَلَّ مَنْ ضَلَّ وَ هَلَكَ مَنْ هَلَكَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟

 قَالُوا أَوْ بَعْضِهِ فَأَمَّا كُلُّهُ فَلَا .

فَقَالَ لَهُمْ : فَمِنْ هَاهُنَا أُتِيتُمْ وَ كَذَلِكَ أَحَادِيثُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه واله ..

إِلَى أَنْ قَالَ فَبِئْسَ‏ مَا ذَهَبْتُمْ‏ إِلَيْهِ وَ حَمَلْتُمُ النَّاسَ عَلَيْهِ مِنَ الْجَهْلِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وآله، وَ أَحَادِيثِهِ الَّتِي يُصَدِّقُهَا الْكِتَابُ الْمُنْزَلُ وَ رَدِّكُمْ إِيَّاهَا لِجَهَالَتِكُمْ وَ تَرْكِكُمُ النَّظَرَ فِي غَرِيبِ الْقُرْآنِ مِنَ التَّفْسِيرِ، وَ النَّاسِخِ وَ الْمَنْسُوخِ، وَ الْمُحْكَمِ وَ الْمُتَشَابِهِ وَ الْأَمْرِ وَ النَّهْيِ .. إِلَى أَنْ قَالَ: دَعُوا عَنْكُمْ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْكُمْ مِمَّا لَا عِلْمَ لَكُمْ بِهِ، وَ رُدُّوا الْعِلْمَ إِلَى أَهْلِهِ تُؤْجَرُوا وَ تُعْذَرُوا عِنْدَ اللَّهِ وَ كُونُوا فِي طَلَبِ‏ نَاسِخِ الْقُرْآنِ مِنْ مَنْسُوخِهِ وَ مُحْكَمِهِ مِنْ مُتَشَابِهِهِ، وَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِيهِ مِمَّا حَرَّمَ فَإِنَّهُ أَقْرَبُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ وَ أَبْعَدُ لَكُمْ مِنَ الْجَهْلِ، دَعُوا الْجَهَالَةَ لِأَهْلِهَا فَإِنَّ أَهْلَ الْجَهْلِ كَثِيرٌ وَ أَهْلَ الْعِلْمِ قَلِيلٌ وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ‏: ﴿وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ‏ (سورة يوسف /76). (2)

و روي عَنْ الامام أَبِي جَعْفَرٍ الباقر عليه السلام:‏ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا مَعْرُوفٌ ؟

قَالَ عليه السلام: لَيْسَ هَكَذَا قُلْتُ إِنَّمَا قُلْتُ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا عَلَيْهِ دَلِيلٌ نَاطِقٌ عَنِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ، مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ.. إِلَى أَنْ قَالَ لِلْقُرْآنِ ظَاهِر وَ بَاطِن، وَ مَعَانِيَ وَ نَاسِخ وَ مَنْسُوخ وَ مُحْكَم وَ مُتَشَابِه وَ سُنَن وَ أَمْثَالٌ، وَ فَصْلٌ وَ وَصْلٌ وَ أَحْرُفٌ وَ تَصْرِيفٌ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْكِتَابَ مُبْهَمٌ فَقَدْ هَلَكَ وَ أَهْلَكَ الْحَدِيثَ».

 

* العلاقة بين

علوم القرآن والتدبر

كما سبق وان بينّا ان الموضوعات قد تشترك لتحقق الغاية الواحدة، ومن هنا كانت بعض المباحث مشتركة بين مباحث علوم القرآن ومنهج التدبر، مثل معرفة المحكم والمتشابه، اذ ان معرفة المحكم والمتشابه يدخل في صميم التدبر في القرآن وكشف المراد من الآية، على انه من المباحث المتعلقة بعلوم القرآن الكريم.

و هكذا، فلا تعني دراسة علوم القرآن الكريم، دراسة مجموعة من البحوث القرآنية المتناثرة، التي لا تمت بصلة بفهم القرآن الحكيم.

ذلك ان علوم القرآن تتضح صلتها بفهم القرآن في بعدين اساسيين:

 

1- المنطلق

ان مجموعة من مباحث علوم القرآن تشكل القاعدة والارضية الاساسية لفهم الآيات الكريمة، مثل مبحث الوحي والاعجاز، ترى من لا يؤمن بكون القرآن وحياً معجزاً من قبل الله، أنّى له الارتقاء الى مستوى فهمه، كمن يزعم ان القرآن الكريم هو نتاج عبقرية النبي صلى الله عليه وآله، او الآخر الذي يتصور أن القرآن الكريم، إنما هي مجموعة رؤى لرسول الله صلى الله عليه وآله. ان هؤلاء وامثالهم، لا يقدرون على الاستفادة من كتاب الله، لأنهم لا يؤمنون به بالأساس، فكيف لهم أن يعرفوا مقاصده، لذا فانهم يتعاملون مع القرآن الكريم، كأي كتاب بشري آخر، قال تعالى: { وَ لَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ ءَ أَعْجَمِيٌّ وَ عَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذينَ آمَنُوا هُدىً وَ شِفاءٌ وَ الَّذينَ لا يُؤْمِنُونَ في‏ آذانِهِمْ وَقْرٌ وَ هُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعيد}. (سورة فصلت /44)

 

2- الأداة

وقسمٌ آخر من بحوث علوم القرآن يشكل أداةً لفهم القرآن الكريم، فمن لا يعرف الناسخ من المنسوخ، والمحكم من المتشابه، والظاهر من الباطن، و لم يدرك أسباب النزول، و..، لن يتسنّى له الاغتراف من معين القرآن الكريم، والاهتداء بهديه.

بل قد يكون عدم التعرف على هذه المباحث سبباً في الفهم المغلوط للآية الكريمة، كما ظهر لك من خلال النص المذكور سابقاً، حيث بيّن الامام الصادق عليه السلام، سبب انحراف الصوفية عن الجادة، في عدم احاطتهم بعلوم القرآن الكريم، الامر الذي ادّى بهم الى قراءة وفهم سقيم لنصوص القرآن الحكيم، حيث قال عليه السلام لهم: «فَمِنْ هَاهُنَا أُتِيتُم».

----------------

1- تتركب العبارة من لفظتي (علوم) و (القرآن)، والمراد من الاول (العلم)، لحظة كشف العقل عن الواقع، وبالثاني (القرآن)، كلام الله المنزل على نبيه صلى الله عليه وآله، والمتعبد بتلاوته. ولا يخفى ان هناك خلافاً في هذه التعاريف، ومن اراد المزيد فله ان يراجع كتب علوم القرآن المفصلة.

2- وسائل الشيعة: ج 27، ص 183-184.


ارسل لصديق