إضاءات في منهج التدبر في القران الكريم
حقيقة كتاب اللّه
كتبه: السيد سجاد المدرسي
حرر في: 2012/07/10
القراءات: 1085

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ فِي دَارِ هُدْنَةٍ وَ أَنْتُمْ عَلَى ظَهْرِ سَفَرٍ وَ السَّيْرُ بِكُمْ‏ سَرِيعٌ وَ قَدْ رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ يُبْلِيَانِ كُلَّ جَدِيدٍ وَ يُقَرِّبَانِ كُلَّ بَعِيدٍ وَ يَأْتِيَانِ بِكُلِّ مَوْعُودٍ فَأَعِدُّوا الْجَهَازَ لِبُعْدِ الْمَجَازِ.. قَالَ: فَقَامَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ.. وَمَا دَارُ الْهُدْنَةِ..؟ قَالَ: دَارُ بَلَاغٍ وَ انْقِطَاعٍ، فَإِذَا الْتَبَسَتْ عَلَيْكُمُ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ فَعَلَيْكُمْ بِالقرآن فَإِنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ، وَ مَاحِلٌ مُصَدَّقٌ‏، مَنْ جَعَلَهُ أَمَامَهُ قَادَهُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَ مَنْ جَعَلَهُ خَلْفَهُ سَاقَهُ إِلَى النَّارِ، وَ هُوَ الدَّلِيلُ يَدُلُّ عَلَى خَيْرِ سَبِيلٍ، وَهُوَ كِتَابٌ فِيهِ تَفْصِيلٌ وَ بَيَانٌ وَ تَحْصِيلٌ، وَهُوَ الْفَصْلُ، لَيْسَ بِالْهَزْلِ، وَ لَهُ ظَهْرٌ وَ بَطْنٌ، فَظَاهِرُهُ حُكْمٌ، وَ بَاطِنُهُ عِلْمٌ، ظَاهِرُهُ أَنِيقٌ، وَ بَاطِنُهُ عَمِيقٌ، لَهُ نُجُومٌ وَ عَلَى نُجُومِهِ نُجُومٌ، لَا تُحْصَى عَجَائِبُهُ، وَ لَا تُبْلَى غَرَائِبُهُ، فِيهِ مَصَابِيحُ الْهُدَى وَ مَنَارُ الْحِكْمَةِ وَ دَلِيلٌ عَلَى الْمَعْرِفَةِ...

بهذه الكلمات دعا النبي الاكرم صلى الله عليه وآله الناس للعودة الى القرآن الكريم والاستضاءة بنوره في كل مجالات حياتهم،لاسيما اذا ما واجهتهم الفتن كقطع الليل المظلم، حيث يتيه الانسان في زحام الافكار والمواقف المتضاربة احياناً والمتناقضة اخرى.

ومن هنا تظهر اهمية كتاب الله حيث يكون المنجي والمخلص للبشرية من مشاكلها اذا ما اتبعوا هداه، ولكن قبل ذلك علينا ان نتساءل ما هو القرآن؟

في هذه الحلقة نحاول تسليط الضوء على هذا الجانب المهم في منهجية التدبر في القرآن الكريم، الذي يعد الركن الاساس، والمنطلق الاول لفهم الآيات المباركات، فلابد من التعرف على القرآن لنستطيع الانفتاح عليه والاخذ من معينه الصافي. و سيكون التركيز على تعريف القرآن الكريم وبيان صفاته من خلال الآيات المباركات والروايات الشريفة، فالقرآن يعرّف نفسه أفضل من أي تعريف آخر، وكذلك العترة المفسرة للقرآن المستوعبة روح الكتاب، هي القادرة على فهم حقيقته وبيانها للناس.

القرآن في القرآن:

ان اكثر من مئة آية تبين خصائص القرآن الكريم و شؤونه المختلفة، وهذه الآياتتمثل ذخيرة علمية غنية للحصول على معرفة واسعة بالقرآن الكريم، وسنذكر بعض صفات القرآن من خلال بعض الآيات المباركات:

القرآن نور..

حقيقة الانسان هي الظلمة، فهو الجهول،والجهل ظلام في قبال نور العقل. وهو الغافل عن الحقائق وهو المتبع لحمياته وعصبياته، التي تعد ظلاماً في ظلام و... فكيف يمكن لهذا الانسان ان يصل الى معالي درجات الكمال والرفعة؟ 

لا يخرج الانسان من ظلماته حتى ينزل الله على رسوله الكتاب ليخرج الناس من ظلمة الجهل، بالتعليم ومن ظلمة الحمية بالتزكية، فحينها سيهتدي الى السبيل الى الله عزوجل، وبالتقرب اليه تعالى يصل الى اعلى درجات الكمال، حيث لا كمال بعده، يقول تعالى: «الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ»(سورة ابراهيم /1)، ويقول ايضاً: «يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ* يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ « (المائدة /15-16).

ومن خلال الآيتين الأُخريين نكتشف صفات اخرى للقرآن الكريم:

أ‌- كتاب الهداية:

ان القرآن روح وجسد ظاهر، وروح القرآن وغايته، الهدى والنور والذكرى، اما جسده فهي الالفاظ والكتابات المدونة على اوراق المصحف.

وظاهر القرآن متاح للجميع، فبامكان كل انسان اقتناء نسخة من المصحف الشريف، وان كان المقتني لا يؤمن بالله وبما انزل الله أبداً، اما روح القرآن وضياؤه وهداه، فلا يمكن لكل انسان الوصول اليها، اذ لابد من انفتاح القلب على القرآن، وهذا يحتاج الى التزود بالبصيرة اللازمة لفهم آياته المباركات.

يقول المرجع المدرسي: (وكما النور لا ينفع الا من له بصر، كذلك الكتاب لا يدركه الا من له لب، فاذا لم يكن للانسان عقل سليم، فانه يعجز عن درك معاني القرآن) .والكتاب يعني الشيء الثابت والمؤكد، جاء في مفردات القرآن: (ثم يعبر عن المراد الذي هو المبدأ اذا اريد توكيده بالكتابة)، وللقرآن الكريم ثوابت واضحة ومبينة، تبين الحقائق وتكشف اصول الحياة.

ومن هنا نعرف ان الهداية، هي الغاية الثابتة للكتاب المجيد: « يَهْدِي بِهِ اللَّهُ» والهداية الى: « سُبُل السَّلَامِ» في الدنيا والاخرة، لكن هذه الهداية لا تشمل الجميع بل هي مختصة بـ : (اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ).

ب - تفصيل لكل شيء:

ان الله تبارك وتعالى خلق الخلق و أودع فيه السنن والقوانين التي لا تتبدل ولا تتغير، وجعلها هي الحاكمة والمهيمنة على الخليقة، فالمخلوقات تسير في اطار السنن وهذه السنن بدورها مرتبطة ارتباطاً مباشراً باسماء الله جل وعلا لا تحيد عنها قيد انملة, والقرآن الكريم هو الكتاب الذي اودع الله فيه طريق معرفة الله ومعرفة اسمائه ومعرفة سننه ومعرفة البصائر التي ينبغي ان يسير وفقها الانسان في حياته، ومن هنا،كان في القرآن الكريم تبيانٌ لكل شيء، يقول تعالى: (وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى‏ لِلْمُسْلِمين‏) .

ومن هنا ترتفع الشبهة عند من يحاول الاستهزاء بهذه الفكرة الجوهرية من خلال ذكر بعض الامور الجزئية التي لم يرد ذكرها في القرآن الكريم، حيث ان القرآن الكريم هو تبيانٌ لكل شيء لأنه يبين الخطوط العامة في الحياة والتي تندرج تحتها الامور الجزئية، فهي من ثم مذكورة في القرآن الكريم، فقد ورد عن امير المؤمنين عليه السلام انه قال: «أم انزل الله سبحانه ديناً تاماً فقصر رسول الله صلى الله عليه وآله عن تبليغه وادائه؟ والله سبحانه يقول: «مَافَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ «.

ففي القرآن من كل مثل عبرة، ومن كل سبيل منار، ومن كل علم درس، ولكل خير قدوة، ولكل معروف وسيلة. يعطي لكل حادثة مثلاً سابقاً، ولكل ظاهرة قانوناً عاماً، ولكل مشكلة طارئة حلاً واقعياً، يقول تعالى : (وَ لَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ في‏ هذَا القرآن مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون‏)، ويقول تعالى ايضاً: (وَ لَقَدْ صَرَّفْنا في‏ هذَا القرآن لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَ كانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْ‏ءٍ جَدَلا) .

وهذا سر خلود القرآنالكريم، فهو يبقى مع الزمن ويتحرك امامه، فانك لا تجد آية في القرآن الكريم الا وهي ثابتة ودائمة ومستمرة، وحتى ان الحديث عن الامم السالفة تجده حديثاً عن التاريخ البشري الثابت وما فيه من قصص وعبر وسنن الهية جرت في الماضين وتجري في الحاضرين وستجري في اللاحقين الى يوم القيامة.

ج - كتاب مبين:

ان الله تبارك وتعالى انزل كتابه لهداية الناس ونجاتهم، لذا من الضروري ان يكون الكتاب مفهوماً عندهم، وهذا يستدعي ان يكون القرآن بلغة من انزل اليهم ولذا كان القرآن كتاباً عربياً، فقال تعالى : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون‏)، وقال ايضاً: (وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى‏ وَ مَنْ حَوْلَها وَ تُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فيهِ فَريقٌ فِي الْجَنَّةِ وَ فَريقٌ فِي السَّعير) .

وهداية الناس بالقرآن تستدعي يسره للافهام ليستفيدوا من هداه، يقول تعالى : (فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون‏)، ولا تتم الفائدة ان لم يكن يعرف بوضوح عن الحق، يقول تعالى : (وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ)، ويقول ايضاً: (الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبين‏) .

اما سبب كون القرآن الكريم باللغة العربية، فاما لأنه انزل على العرب،لان لغتهم اوسع لغات العالم في بيان الحقائق، وهي قادرة على تبيان دقائق المطالب، واما بمعنى فصاحته، لأن احد معاني كلمة (عربي) هو الفصيح.

د‌- القرآن شفاء: 

يرين قلب الانسان اذا انغمس في وحل الشهوات والحميات، فيحتاج الى دواء يشافي به داءه، ولن يجد هذا الدواء الا في القرآن الكريم فهو دواء لداء الصدور، وكما يقول القرآن الكريم : (يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنين‏)، فهو شفاء وفيه الهدى والرحمة، لكن لمن يؤمن به، ويقول تعالى ايضاً: (وَ نُنَزِّلُ مِنَ القرآن ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنينَ وَ لا يَزيدُ الظَّالِمينَ إِلاَّ خَسارا) .

هذه كانت ابرز صفات القرآن الكريم التي بينتها آيات الذكر الحكيم، وسنحاول في الحلقة القادمة ان نركز الحديث عن تعريف القرآن الكريم عند العترة الطاهرة لأنها عدل القرآن الكريم.


ارسل لصديق