الاعتدال قوة وسط نار المعركة!
كتبه: رئيس التحرير
حرر في: 2014/02/02
القراءات: 846

بين المخلصين والصادقين والأوفياء لشعبهم وأمتهم، لا مجال للمراء و الادّعاء بـ «الوطنية» والوقوف صفاً واحداً أمام التحديات الأمنية والسياسية التي تعصف بالعراق، كما تعصف بسائر البلاد الاسلامية.

ولا يوجد بين هؤلاء من لا يحبذ التعبئة والتحشيد وشحذ الهمم لمساندة قواتنا المسلحة في حربها ضد الارهاب، متمثلاً بالجماعات التكفيرية القادمة من خارج الحدود، بل هنالك من هو أكثر ذكاءً وحنكةً، باختراق الارهابيين وانتزاع المبرر الذي على اساسه يقاتلون ويذبحون ويفجرون.

أما نقيض حالة الذكاء (...) مما يتناقض ايضاً مع الاعتدال، فانه يجعل قواتنا المسلحة وحيدة أمام قوة عسكرية همّها الأول فتح اكثر عدد من جبهات القتال في العراق، في حين من المفترض أن يكون الارهابيون أمام العراق بأكمله، بما فيه من عقول وحكماء وثقافة وتاريخ مشرق.

لو نسأل المنزعجين من توجيه الانتقاد البنّاء بما يعزز المواقع والصفوف امام الارهاب؛ من كان هدف هذا الارهاب طيلة السنوات الماضية، وحتى اليوم والى إشعار آخر؟ هل كانوا غير أولئك المغدورين الذين سقطوا ضحية التاريخ والهوية؟ ومثالنا الأبرز والحيّ، الشهداء الأربعة من المفرزة الطبية التابعة لوحدة القوات الخاصة «سوات»، الذين استدرجوا الى كمين في مدينة الفلوجة وقُتلوا بدم بارد.

كذلك فعل ذلك الارهابي الذي أوقف الشاحنات السورية على الطريق السريع في الاراضي العراقية، وقتل السائقين على الهوية، ثم بدأ يتبجح أمام الكاميرا ويوجه رسالة الى رئيس الحكومة، ويخاطبه بالإسم، بانه قادر على احتلال طريق عام بسهولة..!

فهل لهذا الارهابي او غيره، او حتى المسلحين الملثمين المنتشرين في مدن الانبار وغيرها، مشكلة شخصية مع رئيس الحكومة العراقية؟ نعم؛ هم يحاولون إيهام الرأي العام في العراق وخارجه، بأن رئيس الحكومة نوري المالكي عدوهم الأول، وذلك لهدفين: الاول: كسب الشرعية لأعمالهم الارهابية والاجرامية، وأنها جزء من تحرك مطلبي، والامر الثاني: الابتعاد ما أمكن عن ساحة مكشوفة مع الاغلبية الساحقة من الشعب العراقي الرافض للغة العنف في استعادة الحقوق وتلبية المطالب.   

فاذا كنا نجمع على أن المعركة مع الارهاب والطائفية والتمزق، هي معركة العراق بأسره، ثم صدر تصويب او تسديد، لاسيما من مرجعية دينية لها ثقلها الاجتماعي ورصيدها الفكري والثقافي في الساحة العراقية والاسلامية، فانه ليس فقط يستوجب على المعنيين بالتصويب أن يشدّوا على الأيدي ويستحسنوا الفكرة، إنما يبحثوا عن المزيد، كما يبحث الارهابيون في الجانب الآخر عمن يدعمهم ويساندهم بالكلمة في صحيفة ومجلة، أو بظهور على الشاشة الصغيرة، هذا فضلاً عن الشيكات السخيّة والمعونات المادية، فاذا كانت الكلمة الكاذبة وأموال الحرام والدجل الاعلامي والسياسي وحتى الديني ممن أسماهم المرجع المدرسي بـ «رهبان السلطة» تؤدي الى سفك الدماء وانتهاك الاعراض ودمار شامل، فان الكلمة الطيبة والفكرة البناءة من شأنها ان تنقذ البلد والشعب بأكمله من فتن ظلماء و دفع نحو شفير الهاوية.

إن لغة الاعتدال والحكمة والعقل، هي التي تخيف الارهاب التكفيري سواءً، كمفردة ومفهوم، أو على شكل مجاميع من الملثمين الموتورين أو المغرر بهم، لاسباب عديدة اهمها: عدم قدرتهم على الرد، لأن «فاقد الشيء لا يعطيه». فهل لديهم الحكمة والمنطق، وهم ينتهجون القتل والقسوة بلا حدود؟ والامر الآخر والأكثر خطورة عليهم، انسجام القيم والمفاهيم الاخلاقية مع الانسان المطالب بحقوقه، فاذا تيقن تحقيق مطالبه المشروعة من خلالها، لن يجد  الحاجة الى اللجوء الى اساليب غير اخلاقية وغير انسانية تفقده شرعية المطالبة، وهذا ما يخشاه الارهابيون القادمون من خارج الحدود، وتحديداً تنظيم «القاعدة» لأنهم يعدون أنفسهم حاملين لواء المطالبة بالحقوق التي يدعون انها «مضيعة» في الانبار ومناطق اخرى.

وما جاء في كلمة سماحة المرجع المدرسي مؤخراً، و دعوته السياسيين في العراق، الى التحلّي بالمزيد من الحكمة وتقديم المصلحة العليا للبلاد واعتماد الرؤى والحلول التي تجمع العراقيين ولا تمزقهم. يمثل بالحقيقة رسالة الى من يهمه الأمر وسط نيران المعارك الدائرة في الانبار، بأن خيار الحرب ولغة العنف والفتن الطائفية، ليست قدر العراق والعراقيين، لاسيما وأنهم دخلوا مرحلة جديدة من التاريخ، وأمامهم فرصة عظيمة للتحول الى ما هو أفضل وأحسن، عندما يطوون صفحة الثقافة الديكتاتورية الى الأبد، حينئذ تنطوي صفحة الارهاب التكفيري والعنف الى الأبد ايضاً.  


ارسل لصديق