مسيرة التغيير تبدأ بـ «تغيير»
كتبه: رئيس التحرير
حرر في: 2014/05/01
القراءات: 867

عندما تسوء الأمور وتتأزم الاوضاع تكون الحاجة سريعة الى التحسّن والانفراج، او استدعاء الحالة الايجابية لطرد الحالة السلبية. ففي نظام الدولة، نحتاج الى الديمقراطية لطرد الحاكم الديكتاتور، وفي النظام الاجتماعي نحتاج الى ثقافة التسامح والتعايش واحترام الآخر، لإزالة ثقافة العنف وإلغاء الاخر. كما نحتاج الى ثقافة النظافة لإزالة المظاهر البشعة في الطرقات والاحياء السكنية، وهكذا.. مما يجعلنا على طريق التحوّل من حال الى آخر، كما يعقب الربيع الشتاء، وتعقب - احياناً- الافراح الاحزان.

نعم؛ انها حركة طبيعية يندفع اليها الانسان، بيد انها لاتندرج ضمن مسيرة الشعوب والأمم الطامحة نحو اهداف سامية وكبيرة، لانها - والحال هكذا- بحاجة الى عوامل تبعث فيها الحيوية والنشاط المستمر، بما يضمن ديمومة الوضع الجديد، وإلا فان الربيع الجميل سيعقبه صيف قائض ثم خريف كئيب، والديمقراطية التي تطيح بديكتاتور، ربما تنتج ديكتاتوريات بوجوه جديدة، مثل الحزب او الايديولوجيا وغيرهما، وحتى في أمر النظافة، فان النفايات التي ترفع من مكان، ربما تذهب الى مكان آخر. فاذا كان الانسان هو الذي يقف في قمة الهدف، وهو المستفيد الاول والاخير، فهو المدعو أولاً وأخيراً، ليس الى التحوّل من حال الى آخر، إنما الى «تغيير» حقيقي في كل شيء، لاسيما وان ما نسمعه ونراه في الساحة من شعارات كبيرة، ليس الى التحوّل السريع - الذي هو واقع حالنا- إنما هي مطالبات بالتغيير السياسي والأمني والاقتصادي، وكل ما يبعث على السعادة والاستقرار والرفاهية للمواطن، وهذا يصدق على العراق، كما انه يصدق على جميع بلادنا الاسلامية.

لكن المثير حقاً في معادلة التغيير غير المكتملة، أننا نسمع بشعارات التغيير بما يزيل غمامة الحزن والحرمان، وهي متعلقة بأمور ذات جذور وخلفيات انسانية وتاريخية، فيما آلية التنفيذ لتحقيق هذا التغيير الجذري، لاتكاد تلامس السطح، وتسعى للتعديل، وربما لتسكين الآلام في معظم الاوقات، وذلك حسب القدرات والامكانات المتوفرة، ففي بلد يحظى بثروة نفطية يصدر منها يومياً (3) مليون برميل الى العالم، ويكسب منها عشرات الملايين من الدولارات يومياً، يكون بامكان الزعيم الإنفاق براحة بال، على التسليح لتحقيق ما يرجوه من الأمن ومحاربة الارهاب، ثم يوفر القدر الممكن من الخدمات، والمتبقي يوزع بشكل أو بآخر، بين المتنفذين والمقربين، وبين افراد الشعب تحت مسمّيات وعناوين عديدة. وفي بلد آخر نلاحظ منهج «الامر الواقع» وتطبيق المقولة الفلسفية: «ليس بالامكان أفضل مما كان»، وأن خسارة الحاضر ربما تجر خسائر أكبر في المستقبل، وغير ذلك من محاولات الاستسهال والاستمراء، بما من شأنه اختزال الوقت وتطمين بال المعنيين بتسييس العباد وإدارة البلاد. 

ثم ما يحزّ في النفس - حقاً- أن يستمر النزيف الحادّ في العراق وسوريا، ويخيم اللااستقرار الامني والسياسي في البحرين ومصر وفلسطين ولبنان واليمن وبلاد اخرى، ثم ندعو ونسعى الى تغيير هذا الواقع المأساوي بحلول سياسية بعيداً عن الحروب والاقتتال، بيد اننا نرى ملامح العنف والقسوة في نفوس الزعماء والسياسيين قبل ان تكون في المدن وعلى جبهات القتال والمواجهة العسكرية. فما هو رد فعل شخصية سياسية، سواء أ كان في صف المعارضة او في الحكم، عندما يرى الاطفال يُسحبون من تحت الانقاض بين ناجٍ وقاضٍ نحبه في مشاهد مريعة؟ وهل قضّ المضجع مشاهد الاشلاء الموزعة لأناس أبرياء في الشوارع بفعل السيارات المفخخة، او مشاهد الجماعات الارهابية وهي تصول وتجول بين الاحياء السكنية والمدن وهي تفرض سيطرتها وافكارها التكفيرية على الناس.

إذن؛ نحن بحاجة الى نوع جديد من الشجاعة لمواجهة الارهاب الذي يعصف ببلادنا، لاسيما العراق، وهي شجاعة لا تستند إلى الاسلحة المتطورة او الدعم الاستخباري والسياسي الاقليمي والدولي، إنما قبل هذا وذاك، ينطلق من تغيير ذاتي - حقيقي ينسجم من طموحات التغيير على الواقع الخارجي، فنشر السلام والتعايش والتحابب، يجب ان تكون انعكاس لحالة نفسية مماثلة. كما ان القول بأن المواطن يجب ان يكون حراً، كريماً في نظام ديمقراطي تعددي يضمن حرية العقيدة والتعبير، يجب ان يعكس الانفتاح والتواضع واحترام الآخرين لدى الزعيم او الرئيس او الجماعة الحاكمة او من يكون بيده الحل والعقد. ثم لنتذكر دائماً الآية الكريمة: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}.


ارسل لصديق