الإحسان بوصلة قرآنية للتواصل
كتبه: السيد سجاد المدرسي
حرر في: 2014/05/05
القراءات: 1252

سبق الحديث - في العدد السابق - عن الإحسان، الذي عدّه القرآن الكريم ركيزةً اساسية في سبيل بناء مجتمعٍ يتسم بالتعاون والمواخاة بين ابنائه.

معالم الإحسان كما هي القيم السامية التي تتسع حدودها لتشمل كل مناحي الحياة، فإنها تشمل كافة جوانب العلاقات الاجتماعية، إذ انه يشكل حجر الزاوية في بناء المجتمع، وكذلك فهو ركن أداء حق الارحام - وبالاخص الوالدين- وهو فوق كل هذا، وقبل كل ذلك، بناءٌ للذات الانسانية، وقد سبق الحديث عن بعض تلك المعالم وبقي الحديث عن البعض الاخر.

 

* الإحسان .. التوازن

تُعد الاسرة أولى لبنة في بناء المجتمع، وهي تشكل المنظار الذي سينظر المرء من خلاله الى مجتمعه وبيئته، وبهذا اكتسبت مكاناً علياً في خارطة بناء المجتمع، وقد اولى الاسلام اهمية بالغة بمواضيع الاسرة، ومن ضمن تلك المواضيع موضوع العلاقة بين الولد ووالديه.

وعلاقة الولد بوالديه لا تخرج من ثلاثة انماط :

الاول: علاقة التقديس؛ حيث يقدس الولد كل ما قام به أبواه، من خيرٍ او شر، فيتبعهم اتباع الفصيل اثر امه، وان كان ذلك على حساب العقل والفطرة، فيجعل من الوالدين ميزاناً يقيس بهما الامور والافعال والاشخاص.

لا يستطيع ابناء هذا النمط من تقييم سلوكيات الآباء لأنهم انبهروا بتلك السلوكيات حتى يكاد الواحد منهم لا يحتمل وجود سلوكٍ مغاير لما يسلكه أبواه، فإن كان والده عصبي المزاج، راح يتبعه في عصبيته، ظناً منه بأنها خير سبيل لاثبات الرجولة والوصول الى المراد. وقد حارب الانبياء هذا النمط من انماط العلاقة بين الولد ووالديه، حيث يظهر من خلال الآيات القرآنية ان هذه الحالة كانت سبباً أساساً لرد دعوة الانبياء، عليهم السلام : {قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَ يُؤَخِّرَكُمْ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُريدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبين}، (سورة ابراهيم /10)، وقال ايضاً: {وَ إِذا قيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُون}. (سورة البقرة /170).

الثاني: علاقة التسفيه؛ وفي مقابل افراط اولئك كان تفريط البعض ممن خالفوا الآباء في كل شيء، فرفضوا اتباع آبائهم جملة وتفصيلاً، لا على اساس العقل والفطرة، بل على اساس رفض الماضي و نزعة التحرر أو فكرة التجديد والتحديث التي تلقى رواجاً ملحوظاً في الزمن الراهن.

وهذه العلاقة تسود اليوم اكثر الشباب، خصوصاً في فترة المراهقة، حيث ان الولد يسفّه آراء أبيه او أمه حول مختلف القضايا، فيرى آراءهم قديمةً، ووصاياهم غير نافعة، وافكارهم رجعية! وغير ذلك.. وبذلك يرفض الاستماع الى نصائحهم التي ربما تكون نابعة من صميم الحكمة والعقل، قال تعالى: {وَ الَّذي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَ تَعِدانِني‏ أَنْ أُخْرَجَ وَ قَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلي‏ وَ هُما يَسْتَغيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاَّ أَساطيرُ الْأَوَّلين}. (سورة الاحقاف /17‏)

الثالث: علاقة الإحسان؛ وبين هذا وذاك، يسير البعض مسير الاعتدال، حيث تكون علاقتهم بوالديهم علاقة محبة واحسان، تقوم على اتباع آرائهم، فيما وافق الحق والعقل، ومخالفتهم فيما يخالف الحق، دون ان يؤدي ذلك الى اتباعٍ اعمى، او رفضٍ طائش يضر بأصل الرابطة، يقول الرب سبحانه: {وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى‏ وَهْنٍ وَ فِصالُهُ في‏ عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لي‏ وَ لِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصيرُ * وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى‏ أَنْ تُشْرِكَ بي‏ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَ اتَّبِعْ سَبيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}. (سورة لقمان /14- 15)

 

* الطاعة.. وصية وليست حكماً

لم يأمر الإسلام بطاعة الوالدين بل أوصى بالإحسان إليهما. من هذا المنطلق نلاحظ ان الله تعالى حين يتحدث عن الإحسان في بعض الآيات الكريمة فأن صيغة الحث على الإحسان تأتي بصورة «وصية» وليس بصيغة «الامر» كما هو الحال مثلا حين يأمر بالصلاة والصيام، لماذا؟

 لعل الوصية تتصل بالقيم التي هي محتوى الاحكام، فتكون توجيهاً عاماً، بينما يعبر عن النظام الذي هو منهج تطبيق القيم بالحكم والامر، فاذا جاء التعبير بالحكم، فلابد من الالتزام به بحذافيره، ولكن اذا جاء التعبير بالوصية، فان ذلك يعني تطبيق القيمة والوصول اليها عبر أي منهج يراه العرف مناسباً.

اما لماذا لم يأمر الاسلام بطاعة الوالدين..؟ فهناك فرق كبير بين الطاعة والإحسان، فالإحسان ينبعث من اليد العليا بدافع الاحساس بالاستقلال والقدرة، وصاحب الإحسان يقدر متى وكيف وبأي قدر يمارس هذا الامر، بينما الطاعة فهي حالة التسليم والخضوع، ولذلك نجد القرآن لا يأمر بالطاعة، بل ينهى عنها اذا كان فيما يرتبط بالشرك بالله عزوجل: {وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى‏ أَنْ تُشْرِكَ بي‏ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما}، فالطاعة، لله عزوجل وللرسول و أولي الامر، أما الوالدان، فلهما الإحسان الذي يتجلّى في قبول أمرهما فيما لا يخالف أوامر الشرع والعقل (1)، يقول الله سبحانه:

{وَ إِذْ أَخَذْنا ميثاقَ بَني‏ إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً..} (سورة البقرة /83)، وقال ايضاً: {..وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً}. (سورة النساء /36)

من هنا؛ كان على المؤمن ان يجعل علاقته بأبويه علاقة المحبة والعطاء، دون ان يتداخلها شوائب من الرفض او التقديس، وليست علاقة الإحسان بالوالدين محصورة على المؤمنين منهم، بل يشمل غير المؤمنين ايضاً، حيث ان الامر بالإحسان اليهم يعمّ المؤمن وغيره، فقد ورد في الحديث عَنْ مُعَمَّرِ بْنِ خَلَّادٍ قَالَ‏:

«قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام: أَدْعُو لِوَالِدَيَّ إِذَا كَانَا لَا يَعْرِفَانِ الْحَقَّ؟

قَالَ عليه السلام:

ادْعُ لَهُمَا وَتَصَدَّقْ عَنْهُمَا، وَإِنْ كَانَا حَيَّيْنِ لَا يَعْرِفَانِ الحَقَّ فَدَارِهِمَا؛ فَإِنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله قَالَ: إِنَّ اللهَ بَعَثَنِي بِالرَّحْمَةِ لَا بِالْعُقُوقِ».(2)

كما ان من معاني الإحسان اليهما، هو تحمل اذاهما وعدم الرد بمثله، ففي حالات كبر السن حيث تكثر متطلباتهما وحاجياتهما، على المرء ان يقوم بتلبيتها جميعاً دونما كلل او ملل، قال تعالى: {وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَ لا تَنْهَرْهُما وَ قُلْ لَهُما قَوْلاً كَريما}، (سورة الإسراء /23)، يقول المرجع المدرسي في هذا الصدد:

 «..فالأب أو الأم عندما يكبران تتغير حالتهما النفسية فتكون طلباتهما بحيث قد لا يستطيع الابن أن يوفرها لهما، فعندئذ يجب ألا تُرد طلباتهما ولا يؤذيان ولو بكلمة (أُفٍّ) وهي تعبير عن الضجر، بل على الابن أن يجيبهما بكلمات تبعث الأمل في نفسيهما وتحفظ لهما كرامتهما». (3)

 

* الإحسان الى الارحام

وبعد الابوين، يأتي الدور لتقديم الإحسان الى الاقربين، أي المجتمع الصغير من حول الانسان من قرابة، فعلى المؤمن ان يبني علاقته مع هؤلاء ايضاً على نفس الاسس التي بنى علاقته بأبويه، علاقة التفضيل والعطاء، دون اتباعٍ اعمى، او رفضٍ وقطيعة.

والإحسان الى الاقارب يكون بوصلهم في مختلف المجالات، ولو بشربة ماء او القاء تحية، يقول الله سبحانه: {وَ إِذْ أَخَذْنا ميثاقَ بَني‏ إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَ ذِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكينِ وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} (سورة البقرة /83)، وقال عزوجل أيضاً: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الإحسان وَ إيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏}. (سورة النحل /90)

-------------

1- انظر «من هدى القرآن» / ج 9 - ص 174

2- «الأصول من الكافي»/ ص 2 - ص 159.

3- المصدر السابق/ ج4 - ص 430


ارسل لصديق