شهر رمضان .. ربيع القرآن
كتبه: السيد سجاد المدرسي
حرر في: 2014/07/17
القراءات: 940

اننا كأمة اسلامية، نعيش فاصلة زمنية بعيدة تفصلنا عن آخر إمام معصوم من خلفاء رسول الله، صلى الله عليه وآله، ألا وهو الامام الحجة المنتظر، عجل الله فرجه، هذه الفاصلة التي تجعلنا بعيدين عن الاستنارة بنورهم والاستلهام من رؤاهم وعلومهم بشكل مباشر، لايعني أننا خسرنا الحبل الممتد بين الارض والسماء، إذ إن القرآن الكريم، وهو الوحي الالهي الذي بقي بين أيدينا، تتناقلها الأمة جيلاً بعد جيل.

وان اردنا ان نعيش وكأننا نعايش النبي الاكرم، و أهل بيته الكرام، عليه وعليهم السلام، علينا ان نتلو القرآن، فهو سياحة المؤمن و روضة قلبه، وهو معراج الإنسان الذي يحب الله ويريده.

وبكلمة: هو محراب عبادة الإنسان الحقيقي، وقربان لكل من أراد العروج إلى الله سبحانه وتعالى.

ولهذا الكتاب موسمٌ و ربيع، و شهر رمضان يُعد موسم تنزيل القرآن، وربيع آياته، وموعد بركاته وآثاره، قال الله سبحانه: {شَهْرُ رَمَضانَ الَّذي أُنْزِلَ فيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى‏ وَ الْفُرْقان}، (سورة البقرة/ 185)، فاقتران موعد النزول، ببيان ما في القرآن من هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، يشير الى وثيق العلاقة بين هذا الشهر وبين هدى القرآن الكريم.

وقد ورد عن الامام ابي جعفر الباقر، عليه السلام: «لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ رَبِيعٌ وَ رَبِيعُ‏ الْقُرْآنِ‏ شَهْرُ رَمَضَانَ» (1).

و الربيع في كل شيء - كما هو معروف- يمثل موسم التفتح والتزود، استعـــدادا لجني الثمار والعطاء، وهذا الامر يصدق على القرآن الكريم أيضاً، ففي ربيعه يقبل المؤمن على آياته وسوره، لينهل منها زاداً لحياته.

بمعنى انه يهيئ الارضية النفسية للتحرك والعمل بوحي من دوافع معنوية يضفي عليها القرآن الكريم هالة من البركة والحيوية.

وبدوره فان القرآن الكريم يكون ربيعاً لقلب المؤمن، فيحيا قلبه بتلاوة القرآن الكريم، ويتعمق ايمانه باكتحال النظر الى الآيات الشريفة.

قال امير المؤمنين عليه السلام: «تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ رَبِيعُ الْقُلُوبِ وَ اسْتَشْفُوا بِنُورِهِ فَإِنَّهُ شِفَاءُ الصُّدُور». (2)

وقال ايضاً: «لِقَاحُ الْإِيمَانِ تِلَاوَةُ الْقُرْآن».(3)

 

* القرآن وتطهير القلوب

وحين يصوم المؤمن في هذا الشهر الكريم، فكأنه يشحذ ذهنه لاستقبال كلمات الله تعالى التامات؛ تلك التي انزلها الله على قلب نبيه لتكون مناهج للهدى، وسبلاً للتكامل.

وغالباً مـــــــا تخــــــوض قلوب المؤمنين خلال شهر رمضان في عملية تطهير وتنقية، و بذلك تبتعد عن شوائب الدنيا والعلق الماديــة فيهـــا، فتســمو نفوسهم وتزكو قلوبهم، وتتطهر اذهانهم، فتكون مؤهلة لاستقبال النور والهدى، فيكون مثلُها مثل المصباح الموجود في زجاجة مغبرّة، ينظفها الانسان لتوصل النور بافضل ما يمكن، ولذلك كانت تلاوة القرآن فيه أفضل من سائر الشهور.

واذا اردنا ان نستفيد من شهر رمضان، للنهل من القرآن النور والضياء والبصيرة، فلابد لنا ان نزيد من تلاوة القرآن الكريم، وقد اكدّت الروايات الشريفة على ضرورة ان يكون للانسان ارتباط دائم مع كتاب ربه في كل حال من احواله، من التعلم والتلاوة والتفكر والتدبر فيها، ولكن هناك مزيدٌ من التأكيد في النصوص الشرعية، على تقوية اواصر العلاقة مع القرآن الكريم، توثيقاً او إعادة، فمن كان على ارتباط بكتاب ربه، عليه ان يزيد ويحسن من التلاوة وان يتعمق في التدبر، ومن لم يكن له صلة تذكر، في سائر أيام الشهور، عليه ان يجعل من هذا الشهر موعداً للعودة الى كتاب ربه والتمسك به، فقد قال رسول الله، صلى الله عليه وآله:‏ «شَهْرُ رَمَضَانَ‏ لَيْسَ كَالشُّهُورِ لِمَا تُضَاعَفُ فِيهِ مِنَ الْأُجُورِ هُوَ شَهْرُ الصِّيَامِ وَ شَهْرُ الْقِيَامِ وَ شَهْرُ التَّوْبَةِ وَ الِاسْتِغْفَارِ وَ شَهْرُ تِلَاوَةِ الْقُرْآن. (4)

وقال صلى الله عليه وآله ايضاً: «شَهْرُ رَمَضَانَ‏ شَهْرُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ هُوَ شَهْرٌ يُضَاعِفُ اللَّهُ فِيهِ الْحَسَنَاتِ وَ يَمْحُو فِيهِ السَّيِّئَاتِ وَ هُوَ شَهْرُ الْبَرَكَةِ وَ هُوَ شَهْرُ الْإِنَابَةِ وَ هُوَ شَهْرُ التَّوْبَةِ وَ هُوَ شَهْرُ الْمَغْفِرَةِ وَ هُوَ شَهْرُ الْعِتْقِ مِنَ النَّارِ وَ الْفَوْزِ بِالْجَنَّةِ أَلَا فَاجْتَنِبُوا فِيهِ كُلَّ حَرَامٍ وَ أَكْثِرُوا فِيهِ مِنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ‏ وَ سَلُوا فِيهِ حَوَائِجَكُمْ وَ اشْتَغِلُوا فِيهِ بِذِكْرِ رَبِّكُمْ وَ لَا يَكُونَنَّ شَهْرُ رَمَضَانَ عِنْدَكُمْ كَغَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ فَإِنَّ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَة». (5)

 

* التلاوة .. ثقافة أسرية

هذا بالاضافة الى الترغيب الى تلاوة القرآن الكريم من خلال ذكر الاجر العظيم الذي يحصل عليه القارئ ازاء كل حرف من الكتاب العظيم، قال ابو عبد الله الصادق عليه السلام: لِقَارِئِ الْقُرْآنِ بِكُلِّ حَرْفٍ يَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ قَائِماً مِائَةُ حَسَنَةٍ وَ قَاعِداً خَمْسُونَ حَسَنَةً وَ مُتَطَهِّراً فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ خَمْسٌ وَ عِشْرُونَ حَسَنَةً وَ غَيْرَ مُتَطَهِّرٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ‏ المر حَرْفٌ بَلْ لَهُ بِالْأَلِفِ عَشْرٌ وَ بِاللَّامِ عَشْرٌ وَ بِالْمِيمِ عَشْرٌ وَ بِالرَّاءِ عَشْرٌ. (6)

ويتضاعف الاجر في شهر رمضان المبارك بما لا يحصى، فالآية الواحدة التي يتلوها المؤمن في شهر رمضان تعادل ختمة كاملة للقرآن في الاجر والثواب في الاشهر الاخرى، حيث قال الامام الرضا عليه السلام : «الْحَسَنَاتُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ‏ مَقْبُولَةٌ وَ السَّيِّئَاتُ فِيهِ مَغْفُورَةٌ مَنْ قَرَأَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ كَانَ كَمَنْ خَتَمَ الْقُرْآنَ‏ فِي غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُور».

واذا جمعنا بين الروايتين يتبين لنا الاجر الذي تتحدث عنه الرواية الثانية، فان كانت آية البسملة لوحدها من تسعة عشر حرفاً، فان ثواب قارئها وهو قائم، (1900) حسنة، او يقرأها متطهراً فتكون الحسنات (475)، ولكن نفس هذه الآية ان قرئت في شهر رمضان المبارك فان ثواب قراءتها يعادل قراءة القرآن كله، وهو الثواب الذي لا يحصيه الا الله سبحانه وتعالى.

وانطلاقاً من هذا وذاك - اي الثواب العظيم والاجر الكريم، وفرصة الاهتداء بالآيات الكريمة - يستغل المؤمن فرصة شهر رمضان لمزيد من قراءة الآيات الكريمة، ولقد رأينا وسمعنا، من سلفنا الصالح من المؤمنين والعلماء، مَن يختم القرآن في شهر رمضان ثلاثين أو أربعين مرة، حيث كانوا يتلون آياته في الليل والنهار، فكانوا - بذلك- يعيشون مهرجان الحب والإيمان في رحاب الرب الرؤوف الرحيم وكتابه المجيد.

نعم؛ أنه ليس المطلوب المؤكد ان نكون مثل أولئك العلماء، ولكن المطلوب ان نحرص على تلاوة كتاب الله ما استطعنا في هذا الشهر الفضيل، ولنختر أفضل الساعات للتلاوة، ولاسيما في ساعات السحر والفجر، حيث تعد تلك الساعات موعداً لالقاء الرب الهدى في قلب من أحب، وقد أمر الله سبحانه نبيه بتلاوة القرآن في تلك الساعات والتبتل الى الله فيها لأنها ساعات القاء ثقيل القول عليه، فقال عزّ من قائل: {يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَليلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَليلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتيلاً * إِنَّا سَنُلْقي‏ عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقيلاً *}. (سورة المزمل/ 1-5)

واخيراً على المؤمن ان يسعى لاشراك عائلته في أمر تلاوة القرآن والاستفادة منه، فلا يقرأه لوحده، بل يقرأه مع اهله واولاده، ويجعل بيته في هذا الشهر الفضيل، محفلاً قرآنياً مصغراً، يحضر فيه حتى الاطفال الصغار، ويحرص في المحفل على بيان معاني الآيات وبصائرها دون الاقتصار على القراءة المجرّدة، من اجل تقريب آيات القرآن الى اذهان ذويه. وبذلك يؤدي حقاً من حقوق الاولاد عليه، بتعليمهم القرآن الكريم، فقد جاء ذلك ضمن الحقوق التي أكدها رسول الله، صلى الله عليه و آله، للولد على والده: «حَقُ‏ الْوَلَدِ عَلى‏ وَالِدِهِ... وَيُعَلِّمَهُ كِتَابَ اللَّه‏». (7)

--------------

1- الكافي : ج2، ص 630

2- تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: ص 113

3- نفس المصدر.

4- فضائل الاشهر الثلاثة: 100

5- بحار الانوار: ج93،ص 340

6-عدة الداعي ونجاح الساعي : 28

7- الكافي: ج11،ص 447.


ارسل لصديق