«التعاون» والبحث عن فرص التقدم
كتبه: السيد سجاد المدرسي
حرر في: 2014/09/13
القراءات: 849

لقد صاغت بصائر السماء شخصية الانســــــان، أروع صياغـــــة وبنتها افضل بناء، فلم تدع جانباً من جوانبها الا واشبعته بتوصيات واحكام واداب، وذلك للوصول بالانسان الى حيث اراد الله سبحانه وتعالى؛ من الكرامة والعزة والسعادة في الدارين.

ولما كان الانسان يختلف عن سائر الأحياء في طبيعته الاجتماعية والمدنيــــــــــة، لم تتغافل الشـــــريعة الاسلامية هذا الجانب - كما حصل عند سائر النظريات والاديان التي حرّفت- بل أولته كل الاهتمام حتى يكاد الحديث عن الانسان - الفرد، يساوي الحديث عن الانسان - المجتمع، وذلك لأن الاسلام جاء ببصائر تصوغ الانسان في المجتمع، وبالتالي تصحح مسار المجتمع وتقوّم مسيرته من اجل النهوض به، والارتقاء بواقعه.

ومن اجل ذلك نجد خطابات القرآن الكـــــريم تخاطب النـــــاس او المؤمنين بأجمعهم.

وقـــــد جعل القـــــرآن الكريم قواعد أساساً لبناء المجتمع الايماني الناهض والفاعل، هي «التعاون»  و «التشاور»  و»التواصي» و «الاحسان» وهي في الواقع صلات المسلم بأخيه المسلم، وقد تحدثنا في اعداد سابقة عن «الإحسان» ومكانته في المجتمع، وسنتحدث عن التعاون  في قادم السطور، وندع الحديث عن سائر الركائز لقادم الاعداد ان شاء الله.

 

* وجوب التعاون

قال الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}. (سورة المائدة /2)   

في سياق الحديث عن الحدود الصارمة للشريعة الاسلامية التي تبينها هذه الآية للمؤمنين، من عدم التهاون بشعائر الله والاشهر الحرم وعدم الصيد في حال الاحرام، وعدم الانجرار وراء الاهواء في الاعتداء على المعتدين، يأتي الأمر بالتعاون بين المؤمنين من اجل بناء مجتمع ناهض، وذلك عبر تشكيل التكتل الايماني.

 

* التكتل الإيماني‏

{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}.

هــــــــــنالك تكــــــــــتلات عدوانية الهدف منها ظلم الناس واستغلالهم مثل، تكتل التجار المحتكرين ضد المستهلكين، وتعاون الأنظمة الجائرة ضد الشعوب المستضعفة، وهذه لعنة سوداء.

في المقابل هناك تكتلات تهدف إشاعة الخير، وتطبيق النظام.

أما إشاعة الخير، فهي البر، وليس البر أن تسعد على حساب غيرك، بل أن تسعد ويسعد الجميع معك.

وأمـــــا النظام وتطبيقه فهـــــو التقوى إذ هو الحذر من الله، واتقاء بلائه، وهو لا يكون إلا بتطبيق نظامه الذي أوحى به إلى رسله، ومراعاة سننه التي أركزها في الطبيعة، وبتعبير آخر يجب أن يكون الهدف من التعاون إشاعة الخير ومقاومة الشر أنى كان مصدرهما.

ويضع القرآن في مقابل البر الإثم، وفي مقابل التقوى، العدوان. فالإثم هو الحصول على أموال الناس بالخديعة، متمثلة بالغش والسرقة والاحتكار والتعاون مع السلطات الجائرة والحلف‏ الكاذب، بينما العدوان، هو الاستيلاء على حقوق الناس بالقوة، وبلا أي غطاء.

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ‏.

ومن أنواع عقابه الشديد أن يضرب بعضكم بعضاً، ويشعل بعضكم نار حرب بعض على بعض فيحترق الجميع. أو إنكم بتحالفاتكم العدوانية يخشى بعضكم بعضاً، فيتوجه الجميع إلى صناعة السلاح ويخصص الاموال الطائلة للتصنيع العسكري وانتاج وسائل الدمار، فتمتص ميزانيات التسلح ثرواتكم وتحرق جذور السعادة والرفاه، فتصبحون على ما فعلتم نادمين.

أوليس هذا بعض ما يعيش فيه العالم؟! أفلا يرجعون إلى هدى الله؟! وإلى متى؟! (1)

ليس من السهل ان يتقدم المجتمع الى حيث يصبو اليه، لما في طريق التقدم من عقبات طبيعية واخرى بشرية، وخير وسيلة لتجاوز العقبات، التعاون بين ابنائه، ليكون همّ الجميع واحداً ويتكاتفوا مع بعضهم البعض للوصول الى الهدف المنشود، وكلما زاد تعاون ابناء مجتمعٍ من المجتمعات في مجال الخير والبر الى الآخرين واعانة المستضعفين والطبقات المحرومة والعاجزة من الناس، كان ذلك المجتمع يسير نحو السعادة والخير، بل وكان سيره اسرع، فتعاون مئة شخص على بناء مدرسة او تعبيد شارع يعجل في انجاز المشروع عما لو كان البناة عشرة او اقل، وهكذا..

وفي المقابل، لو تكاسل ابناء مجتمع ما عن إعانة بعضهم البعض، او راح ابناؤه يعينون بعضهم البعض على الفحشاء والمنكر - كما بينا معناهما- سار ذلك المجتمع نحو الهاوية والهلاك، ويكون مثلهم مثل مجموعة من ركاب سفينة، يعين بعضهم البعض على خرقها واحداث الثغرات فيها، فقد قال رسول الله، صلى الله عليه واله: {لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ تَعَاوَنُوا عَلَى‏ الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ فَإِذَا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ نُزِعَتْ مِنْهُمُ الْبَرَكَاتُ وَ سُلِّطَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَاصِرٌ فِي الْأَرْضِ وَ لَا فِي السَّمَاءِ} (2).

وقد فصّل اهل البيت، عليهم السلام، الحديث عن ضرورة التعاون ومكانته من الدين، وعن حدوده، فعن امير المؤمنين علي بن ابي طالب، عليه السلام، قال: «التَّعَاوُنُ عَلَى إِقَامَةِ الْحَقِّ أَمَانَةٌ وَ دِيَانَة» (3)، وقال ايضاً: «مِنْ كَفَّارَاتِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ»(4).

فبالتعاون على الخير يؤدي الانسان امانته ويضمن التزامه بدينه، كما انه يكفّر بذلك عن ذنوبه العظيمة.

قال ابوعبد الله الصادق، عليه السلام، لإسحاق بن عمار:‏ «أَحْسِنْ يَا إِسْحَاقُ إِلَى أَوْلِيَائِي مَا اسْتَطَعْتَ فَمَا أَحْسَنَ مُؤْمِنٌ إِلَى مُؤْمِنٍ وَ لَا أَعَانَهُ إِلَّا خَمَشَ وَجْهَ إِبْلِيسَ وَ قَرَّحَ قَلْبَهُ». من هنا نعرف أن ابليس يحاول جاهداً احداث شروخ في المجتمع الايماني عبر إشاعة الظنون السيئة والقاء الفرقة بين المؤمنين، عبر تحريك اوليائه، ولكن احسان المؤمن لأخيه و اعانته على شؤونه الخاصة او العامة، يحبط مخططات ابليس الرامية الى تفرقة الامة، بل يقوي اواصر الاخوّة والمحبة بين المؤمنين.

 

* آثار التعاون تمتد الى الآخرة

قال الله سبحانه: {وَ يَسْتَجيبُ الَّذينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ يَزيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَ الْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَديد}. (سورة الشورى /26)

 

* ترى ماذا يستجيب لهم؟

يظهر من السياق بأن المؤمنين بولاية الله، والمسلمين لإمامة الحق، يتعرضون لضغوط هائلة في الحياة، و سينهار بعضهم امام تلك الضغوط، فإذا انهاروا ثم تابوا قبل الله التوبة منهم، وعفا عن سيئاتهم، وإذا طلبوا من ربهم النصر انتصر لهم، وزادهم من فضله.

ومن المصاديق الاوسع لهذه الآية، مـــــا يبينه سماحـــــة المرجع المدرسي في تفسيره، يقول: «إلا أن الآية تَسَع كل دعوات المؤمنين، وبالذات حين تكون لبعضهم البعض، وقد وردت رواية بذلك حيث فسرت الآية بالشفاعة في ما بين المؤمنين، ولا ريب أن دعاء المؤمنين لبعضهم نوع من الشفاعة، بل هو الشفاعة. فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله في قوله: {وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ..}‏، الشَّفَاعَةَ لِمَنْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ مِمَّنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا»(5). ويحفِّزنا هذا التفسير على المزيد من التعاون بين بعضنا البعض، لأن آثار التعاون تمتد من الدنيا حتى الآخرة، ولعل الواحد منا قد استحق النار بعمله إلا أن ربنا يغفر له بدعاء إخوانه. أما أولئك الذين لم يستجيبوا لنداء الله ودعوة الحق فليس لا يستجيب الله دعاءهم فحسب، وإنما هم يعرضون أنفسهم أيضا لعقاب الله وعذابه الأليم‏ {وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}. (6)

وهكذا؛ لا تقتصر آثار التعاون ونتائجه على التقدم الدنيوي، بل تشمل الفوائد الأخروية أيضاً.

----------------

(1) من هدى القرآن، ج‏2، ص: 182

(2) تهذيب الاحكام :ج 6، ص 181

(3) تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم : ص 450

(4) المصدر                 

(5) بحار الأنوار: ج 64 ص 49

(6) من هدى القرآن : ج8، ص 389.


ارسل لصديق