أهل البيت {عليهم السلام} والقرآن الكريم في كربلاء
كتبه: السيد سجاد المدرسي
حرر في: 2014/12/03
القراءات: 632

قبل رحيله من دار الدنيا قام النبي الاعظم، صلى الله عليه وآله، خطيباً، وقال: «إِنِّي‏ تَارِكٌ‏ فِيكُمُ‏ الثَّقَلَيْنِ‏ الثَّقَلَ الْأَكْبَرَ وَ الثَّقَلَ الْأَصْغَرَ إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَا تَضِلُّوا وَ لَا تَبَدَّلُوا وَ إِنِّي سَأَلْتُ اللَّطِيفَ الْخَبِيرَ أَنْ لَا يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ فَأُعْطِيتُ ذَلِكَ قَالُوا وَ مَا الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ وَ مَا الثَّقَلُ الْأَصْغَرُ قَالَ الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللَّهِ سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللَّهِ وَ سَبَبٌ طَرَفُهُ بِأَيْدِيكُمْ وَ الثَّقَلُ الْأَصْغَرُ عِتْرَتِي وَ أَهْلُ بَيْتِي..» وكانت كلمته تلك، اعلاناً من الله سبحانه وتعالى على وجود التلازم بين الكتاب والعترة، وعدم انفكاك احدهما عن الآخر حتى ورود الحوض، وبالتالي صدعٌ بضرورة التمسك بكلا الثقلين لكيلا يضل من اراد سبيل الهدى.

وقد كان ما اخبر به النبي، صلى الله عليه وآله، فعلاً؛ فكانت الملازمة شديدة بين الثقلين، ولم يستطع احدٌ ان يجد انفكاكاً بينهما ولو بمقدار شعيرة دقيقة، فكانت حياة المعصومين، عليهم جميعاً سلام الله، تطبيقاً متكاملاً لآيات القرآن الكريم في مختلف المجالات، وتجسيداً للقيم التي دعا اليها الكتاب العزيز، واظهاراً للسنن التي بينها الله في كتابه وامر الناس بالسير وفقها؛ ووصل الامر الى ان الائمة دعوا من حولهم بأن يسألوهم عن مكان أي كلمة يتفوهوا بها من القرآن الكريم ليكون ذلك دليلاً واضحاً على انهم لا يحيدون عن الثقل الاكبر قيد انملة.

وفي المقابل دعت آيات القرآن الناس الى اتخاذ العترة الطاهرة اولياء وقيادات وقدوات في كل مجالات الحياة، سواء في آيات صريحة كقوله تعالى: {إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذينَ آمَنُوا الَّذينَ يُقيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُون‏}(سورة المائدة/آية 55)، التي اجمع الجمهور في ان سبب نزولها كان تصدق امير المؤمنين بخاتمه اثناء الصلاة، الحادثة التي تكرر حدوثها مع كل امام من الائمة لتنطبق الآية عليه انطباقاً تاماً؛ او في آيات بيّنت ضرورة اتباع القائد الرباني وذكرت صفاته.. الصفات التي كان الائمة «الثقل الاصغر» المجسدين لتلك الصفات في اسنى تجلياتها واظهر معانيها.

وبدراسة دقيقة لحياة كل من المعصومين يزداد المرء وعياً بحقيقة اعلان النبي، صلى الله عليه وآله، ذلك الاعلان الذي لم يكن امراً بضرورة اتباع الثقلين معاً فحسب، بل كان بياناً لحقيقة قائمة بذاتها حيث الملازمة وعدم التقاطع بين النورين اللذين يشعان من مصدر واحد، ففي سيرة كل معصوم من المعصومين يجد الدارس مدى التطابق بين الآيات القرآنية واقوال وافعال الائمة، عليهم السلام.

وعلى سبيل المثال فحياة الامام الحسين، عليه السلام، كانت تجسيداً واقعياً للآيات القرآنية، فكان هو القرآن الناطق الذي ينطق عن القرآن كما كان جده رسول الله، صلى الله عليه وآله: "إِنَّ الْكِتَابَ لَمْ يَنْطِقْ، وَلَنْ‏ يَنْطِقَ‏، وَلكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه و آله هُوَ النَّاطِقُ بِالْكِتَاب‏"، فثمة توافق وتقابل بين الآيات وبين سيرة الامام الحسين، عليه السلام.

فمن جهة كانت حركة الامام الحسين قد اخذت شرعيتها من القرآن الكريم وآياته المباركة التي تدعوا الى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل قوله تعالى: {وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون‏}(سورة ال عمران/آية 104)، والآيات التي تأمر بالجهاد وترغّب المؤمنين فيه مثل قوله تعالى: {وَ الَّذينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا في‏ سَبيلِ اللَّهِ وَ الَّذينَ آوَوْا وَ نَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَريم} (سورة الانفال /آية 70)، والايات التي تبين ضرورة الاصلاح في المجتمع اذا مال الى الانحراف والفساد، حيث يقول تعالى عن لسان نبيه شعيب، عليه السلام: {قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ رَزَقَني‏ مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَ ما أُريدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى‏ ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُريدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَ ما تَوْفيقي‏ إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنيب‏}(سورة هود/آية88)، والكثير من الآيات القرآنية الاخرى التي تدعو الى اقامة الصلاة واحياء الدين وتحمل المسؤولية الشرعية تجاه الدين، ومقارعة الظلم والظلمة و... انها جميعاً كانت المرجعية الشرعية لحركة الامام الحسين، عليه السلام، الذي اعلن سبب خروجه وحركته بمقولته المعروفة: «وَ أَنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَ لَا بَطِراً وَ لَا مُفْسِداً وَ لَا ظَالِماً وَ إِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الْإِصْلَاحِ‏ فِي أُمَّةِ جَدِّي ص أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أَسِيرَ بِسِيرَةِ جَدِّي وَ أَبِي‏ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب‏، عليه السلام».

وحين اجتمع الناس حول الامام في منى وكانوا سبعمائة رجل فيهم مائتا رجل من اصحاب النبي، صلى الله عليه وآله، قام الامام فيهم خطيباً وما ترك شيئاً مما انزل الله فيهم من القرآن الا تلاه وفسّره..

ومن جهة اخرى، كانت نهضة الامام الحسين، عليه السلام وحركته، لاعادة مرجعية القرآن الكريم وشرعيته بين المسلمين، حيث زحزح الطغاة الشرعية من الوحي والنصوص الالهية، الى هوى الحاكم وما يشتهيه، فقام الامام الحسين، عليه السلام، بالأمر لاعادة الناس الى الثقلين، فقد خطب الامام ذات مرة وقال له احدهم: من هذا الذي يخطب؟

فقال الامام، عليه السلام: "نحن حزب الله الغالبون وعترة رسول الله الاقربون، واهل بيته الطيبون، واحد الثقلين الذين جعلنا رسول الله، صلى الله عليه وآله، ثاني كتاب الله تبارك وتعالى الذي فيه تفصيل كل شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه..".

وعموماً لم تكن للامام، عليه السلام، حركة او سكنة او كلمة، الا وكانت في اتجاه القرآن الكريم وتطبيق اوامره ونواهيه، وبيان حكمه واحكامه.. فكتابه الى العلماء وخطبته قبل الخروج وخطبه في طريقه الى كربلاء و كلماته في كربلاء.. كلها كانت ناطقةً عن القرآن الكريم وموضحةً له.. بل كانت شخصية الامام الحسين، عليه السلام، تستأنس بالقرآن الكريم ايما استيناس، فقد كان يدعو الى تلاوة القرآن ويشجع المؤمنين على قراءته ببيان ثواب تالي القرآن، فقد روي عنه انه قال: "من قرأ آيةً من كتاب الله عزوجل في صلاته قائماً كتب الله له بكل حرف عشر حسنات، فاذا قرأها في غير صلاة كتب الله له بكل حرف عشر حسنات.."، كما كان هو عليه السلام يكثر من تلاوته للقرآن، حتى طلب من القوم ان يمهلوه ليلة العاشر من محرم ليتزود بالعبادة وتلاوة كتاب الله، حيث قال عليه السلام لأخيه ابي الفضل العباس: «ارجع اليهم فإن استطعت ان تؤخرهم الى غدوة وتدفعهم عند العشية؛ لعلنا نصلي لربنا وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أني قد كنت احب الصلاة له، وتلاوة كتابه، وكثرة الدعاء والاستغفار».

ويبدو ان هذا الانس وهذا التلازم بين الامام الحسين، عليه السلام،وبين القرآن الكريم، كان من اسباب تلاوة الرأس الشريف لآيات القرآن بعد شهادة الامام، حتى عدّ بعضهم ان رأس الامام تلا القرآن في اكثر من ثلاثين موضعاً..

وبكلمة كانت حياة الامام الحسين، عليه السلام، القرآن الكريم، فكان عليه السلام كما يقول الامام المنتظر عجل الله فرجه سنداً للقرآن الكريم، ففي زيارة الناحية: "كُنْتَ لِلرَّسُولِ‏ وَلَداً وَ لِلْقُرْآنِ سَنَداً"، وذلك يعني ان اتباع القرآن الكريم يستدعي مشايعة سيد الشهداء،عليه السلام، كما ان مشايعة الامام الحسين يقتضي اتباع القرآن الكريم.

----------------

(1) بصائر الدرجات: ج1، ص 414

(2) البضاعة المزجاة: ج1،ص 489

(3) بحار الانوار: ج44، ص 330

(4) موسوعة كلمات الامام الحسين: ص 331

(5) موسوعة كلمات الامام الحسين: ص 295

(6) موسوعة كلمات الامام الحسين: ص 663

(7) منتخب موسوعة الامام الحسين: ص422

(8) بحار الانوار: ج98، ص 239.


ارسل لصديق