إضاءات في منهج التدبر في القرآن الكريم
معرفة كتاب الله في ضوء السنة الشريفة
كتبه: السيد سجاد المدرسي
حرر في: 2012/08/15
القراءات: 1724

لمعرفة حقيقة أي شيء، سواءٌ كان جهازاً الكترونياً، او مصنعاً او ..– فإننا نلجأ الى احد طريقين:
الاول: أن نرجع الى صانع ذلك الشيء ليعرِّفَنا على تفاصيل الشيء.
الثاني: أن نعود الى الخبراء المختصين بشأن الشيء المطلوب معرفته.
وبالنسبة الى القرآن الكريم، فان التعرف عليه بحاجة الى الخطوتين السابقتين، فالاولى تمثلت في استنطاق كلام الله عزّ وجل للتعرف على القرآن الكريم، ومعرفة حقيقته. والخطوة الثانية تتمثل في الجلوس الى مائدة عدل القرآن، والثقل الاصغر الملازم له، وهم اهل البيت عليهم السلام، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «هم مع القرآن، والقرآن معهم، لا يفارقهم ولا يفارقونه»، وقال ايضاً: «إن علياً مع القرآن، والقرآن مع علي، لا يفترقان حتى يردا علي الحوض» .
فيا ترى؛ كيف يعرِّف اهل البيت عليهم السلام، القرآن الكريم؟
قبل الاجابة على هذا السؤال، لابد من التذكير بأن الروايات التي وردت في مقام بيان حقيقة القرآن الكريم ومكانته وفضله كثيرة جداً، حيث لا يمكن حصرها في مقال او مقالين، بل هي بحاجة الى كتاب كامل، ولكن لا يمنعنا ذلك من اخذ عيّنات من هذه الروايات لنتعرف على المنهجية التي يعتمدها الائمة الطاهرون عليهم السلام، في تعاملهم مع كتاب الله عزوجل :


** تجلّي الرب
يحدثنا الامام الصادق عليه السلام،  عن حقيقة القرآن الكريم حيث يقول: «لقد تجلى الله لخلقه في كلامه ولكنهم لا يبصرون» .
فالقرآن الكريم، مرآة لمعرفة الله عزّ وجل، و طريق للوصول إليه؛ أليست معرفة الخالق أعظم معرفة ؟ و أليست هي المعرفة التي يبحث عنها الانسان طوال حياته؟
و التجلي أعظم درجات التعريف، وهو الذي قد جعله الرب عزّ وجل في الكتاب المبين، ولكن تبقى هنا اشكالية كامنة في عدم إبصار الناس، فهم المحجوبون عن خالقهم لأنهم قد حجبوا أنفسهم عن القرآن الكريم.

 
** الدليل الى الجنة
يحتاج الإنسان الى دليل يدله على الطرق التي لم يسلكها من قبل، وهو بحاجة الى دليل يدله على طريق الهدى، ومن دونه سيتخبط خبط عشواء، ونجد الدليل متمثلاً في القرآن الكريم؛ فقد ورد عن رسول الله، صلى الله عليه وآله: «وهو الدليل، يدل على خير سبيل» ، وكذلك ورد عن أمير المؤمنين،عليه السلام، قوله: «أيها الناس، انه من استنصح الله وفّق، ومن اتخذ كلامه دليلاً هدي للتي هي أقوم»  .
ومن هنا نجد ان تارك القرآن الى غيره لن يصل الى الأهداف المنشودة من خلفه، تقول الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء، عليها السلام: «قائد الى الرضوان اتباعه، ومؤد الى النجاة أشياعه» ؛ فمتابعة القرآن الكريم توصل الى رضوان الرب عزّ وجل.


** كتابٌ محيط
ذكرنا في المقال السابق إحاطة القرآن الكريم بكل الحقائق عبر آياته المباركات. وفي ما ياتي، قول الامام الصادق، عليه السلام،  يفصّل ما جاء في القرآن، فقد روي عنه: «إن العزيز الجبار أنزل عليكم كتابه وهو الصادق البارّ، فيه خبركم وخبر من قبلكم، وخبر من بعدكم، وخبر السماء والأرض، ولو أتاكم من يخبركم عن ذلك لتعجبتم»  . فلا يوجد شيء في السماء او الارض، وكذا لا يوجد خبرٌ سابق او  بيان لواقعة، إلا وهو مذكور في القرآن الكريم، إما نصّاً و تنزيلاً، او اشارة و تأويلاً.


** كتابٌ خالد
اذا كان القرآن الكريم محيطاً بكل شيء وفيه تبيانه؛ فلابد ان يكون متجدداً في كل زمان، حيث المتطلبات الجديدة والمستحدثات والتحديات المتجددة في كل يوم، كلها تفرض نفسها لتطالب باجابات لاسئلتها وحلول لمشاكلها.
دعنا نطرح هذا التساؤل على المعصومين عليهم السلام: كيف يمكن لقرآن نزل قبل اكثر من أربعة عشر قرناً، أن يعطي حلولاً لمشاكل عصر السرعة والتكنولوجيا؟ وبعبارة أوضح: إن القرآن الكريم قد نزل في بيئة ملؤها التخلف والجهل و.. فحوّل أولئك القوم الى أناس متقدمين حضارياً، لكن هؤلاء يختلفون اليوم كليةً عما كانوا عليه، فكيف يمكن للقرآن الكريم أن يجيب على أسئلتنا ويصلح مجتمعاتنا ؟
وقبل ان استعرض إجابات الائمة المعصومين، عليهم السلام، على هذا التساؤل، لابد من التنويه بان هذا التساؤل يُعد من أخطر التساؤلات عن جدوائية القرآن الكريم في العصر الحديث، ومن هنا فان طرح تساؤل بهذه الجرأة، بحاجة الى استماع واعٍ وتأمل تام في الإجابة عليه من قبل المعصومين، عليهم السلام: 
قال الامام محمد بن علي الباقر عليهما السلام: «ولولا إن آية نزلت في قوم ثم مات أولئك القوم ماتت الآية لما بقي من القرآن شيء، ولكن القرآن يجري أوله على آخره ما دامت السماوات والارض» .
وقال الإمام علي بن موسى الرضا، عليهما السلام: «هو حبل الله المتين وعروته الوثقى وطريقته المثلى..لا يخلق على الازمنة ولا يغث على الالسنة، لأنه لم يجعل لزمان دون زمان، بل جعل دليل البرهان، والحجة على كل انسان، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم عليم» .
وقال الامام امير المؤمنين، عليه السلام: «ثم انزل عليه الكتاب نوراً لا تطفأ مصابيحه، وسراجاً لا يخبو توقده .. وفرقاناً لا يخمد برهانه، وتبياناً لا تهدم أركانه...»   .
ونستخلص من الروايات الشريفة عدة نقاط: 
أولاً: بقاء القرآن الكريم ما دامت السماوات والارض.
ثانياً: عدم تعلّق القرآن الكريم بقوم دون قوم.
ثالثاً: تجدده على الأزمنة دون ان يبلى، حيث انه لم يجعل لزمان دون آخر، فهو يجري على جميع الناس في جميع الازمنة، و هذه النقطة نجدها في الروايات الثلاث بعبارات مختلفة.
رابعاً: في القرآن الكريم، احتجاجٌ على ضمير كل انسان.
بقي هناك امرٌ واحد هو: كيف يكون القرآن الكريم كتاباً متجدداً في كل زمان؟
بالرغم من ان الاجابة على هذا التساؤل تحتاج الى بيان طويل وشرح كثير، الا اننا نختصر الاجابة في بيان أمور:
الاول: ان خالق الاكوان هو منزل القرآن الكريم، فالقرآن كتاب تشريع في قبال كتاب تكوين – كما يقول العلماء-، ففيه بيان كل شيء في الخليقة، فما دامت خليقة الله مستمرة فكذلك كتاب الله عزوجل باقٍ دون ان تنقضي علومه ومعارفه.
الثاني: ان الله قد اودع في الخليقة سنناً اجرى الخليقة من خلال هذه السنن، وفي القرآن الكريم بيانٌ لتلك السنن وتعريف بها، فاذا ما تعرف الانسان على هذه السنن وطبقها على نفسه او مجتمعه، فسيكون الفرد او المجتمع يعيش في المسير الصحيح، والا فانه سينحرف وسينجرف نحو الهلاك، وهذه السنن لا تتعلق بزمان دون زمان، او مكان دون آخر، يقول تعالى : [سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْديلا] .
الثالث: ان شخصية الانسان واحدة، مهما تطاولت السنون والازمان، فلا تتغير نفسية الانسان ولا تتغير اهواؤه وشهواته بتغير الازمنة، فشهوات الانسان الجاهلي هي نفسها شهوات رجل الحضارة اليوم، وكذا تطلعات الانسان الذي كان يعيش قبل عشرات القرون هي نفسها التي يتطلع اليها الانسان المتحضر اليوم.
ومن هنا نجد ان القرآن الكريم يعالج مشاكل الانسان كإنسان، من دون الاهتمام بالجوانب المتغيرة منه؛ فلو صلحت سريرة الانسان صلح كل شيء، والسريرة هي التي لا تتغير.
الرابع: كان الانسان  - ولا يزال - هو المخلوق الضعيف المحتاج الى بارئه في كل آن من آنات حياته، فبالرغم من التطور الهائل الذي اجتاح حياته الشخصية والاجتماعية الا انه لا يزال بحاجة الى الخالق الحكيم القدير، وتتمثل هذه الحاجة في العودة الى القرآن الكريم الذي عرفه الامام جعفر بن محمد الصادق، عليهما السلام، بقوله: «القرآن عهد الله الى خلقه، فقد ينبغي للمرء المسلم ان ينظر في عهده وأن يقرأ منه في كل يوم خمسين آية» ، ولذلك فان الانسان يحتاج الى عهد الرب احتياجاً يومياً لا ينتهي.
فكما ان حاجة الانسان الى ربه حاجة مستمرة لا انتهاء لها، فكذلك حاجته الى كتاب ربه.
الخامس: لا يشك احدٌ في تعالي الله عزوجل؛ فهو تبارك وتعالى، حيث لا يمكن لأي احد ان يصل الى كنه معرفته سبحانه، وكذا كتابه الكريم، بالرغم من ان ظاهره سهل يسير إلا انه عميق، فقد قال رسول الله، صلى الله عليه وآله:  «..وله ظهر وبطن، فظاهره حكم، وباطنه علم، ظاهره أنيق، وباطنه عميق، له نجوم، وعلى نجومه نجوم، لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه.

فالقرآن، اذن، كتاب يبقى امام الانسان مهما تطور في حياته ومهما تنامت قدراته المعرفية.


ارسل لصديق