إنهم فتيةٌ آمنوا...
كتبه: السيد سجاد المدرسي
حرر في: 2015/07/22
القراءات: 736

يلهث اكثر الناس صباحاً ومساءً للحصول على زينة الدنيا وزخرفها، متناسين هدف وجودهم في هذه الحياة. يسلكون من أجل ذلك كل الطرق ؛ السليمة منها والملتوية.. فالمهم -عندهم- الحصول على الدنيا، حتى لو كان ذلك عبر تجاوز القيم ومخالفة الضمير ونسيان الشرع.

واذا ما حصل احدٌ على نصيب منها - اعني الدنيا- كالحصول على منصبٍ وكرسي حكم او مقامٍ ووجاهة، فإنه يستميت - حتماً- للحفاظ عليه، حتى لو كان ذلك على حساب التضحية بكل شيء آخر.

هذه هي الحالة الطبيعية السائدة عند البشر، وقد يعجب الانسان من صاحب منصبٍ مرموق في الدولة، يضحي بالمنصب من أجل القيم والضمير، بل قد ينكر البعض وجود نماذج كهذه في الحياة البشرية، لأنه قد اعتاد على العكس، الذي أشرنا اليه.

وبالرغم من قلّة هذه النماذج في تاريخ البشرية، إلا ان وجودهم دليلٌ على سنةٍ الهية ثابتة، هي وجود الحرية التامة للانسان تتيح له اختيار الصحيح في ظل سلطة الباطل، واتباع الحق رغم الضغوط الشديدة في طريقه.

فأصحاب الكهف، الذين سُميّت سورةٌ قرآنية باسمهم، يضرب الله تعالى بهم مثلاً لمن ترك الدنيا وزينتها والضغوط المتوجهة ضدهم في طريق اتباع الحق، وخلّد البارئ - سبحانه- ذكرهم في كتابه ليكونوا نموذجاً يحتذى به من قبل البشر.

وقد أورد الله سبحانه قصة هؤلاء النفر مرتّين، فأجمل ذكرهم أولاً في الآيات (9 الى 12) ومن بعد ذلك فصّل في قصتهم في الآيات (13 الى 22 ).

قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ كاَنُواْ مِنْ ءَايَاتِنَا عجَبًا}. (سورة الكهف، الآية 9)

ومعنى هذه الآية: هل تحسب أيها الانسان إن ما جرى لهؤلاء هو شيءٌ عجيب؟ كلا..(1)   كما يقول المرجع المدرسي - دام ظله- ويضيف سماحته في بيان بصائر هذه الآية: «وربما تشير هذه الآية الى ان الانسان عندما يرى حوادث ووقائع جديدة عليه ان يسمع بها لأول مرة فلا يحق له ان ينكرها، ويكذب بها، لمجرد انه لم يألفها ولم يتعود عليها، فعدم العلم بالشيء لا يعني العلم بعدمه».(2) 

ان هؤلاء النفر، اتبعوا نداء الضمير ونقاء الفطرة، ولم يغترّوا بما يملكون من زخارف الدنيا، ولم يخضعوا لضغط السلطات الجائرة، ولعمري فإن فعلهم هذا يثير العجب.

 

 من هم و ماذا فعلوا؟

{إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلىَ الْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبَّنَا ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَ هَيئّ‏ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا * فَضَرَبْنَا عَلىَ ءَاذَانِهِمْ فىِ الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا* ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَىُّ الحْزْبَينْ‏ أَحْصىَ‏ لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً}. (الآية 10-12)

لا يذكر القرآن الكريم اسمائهم، بل يذكر صفاتهم وافعالهم وانبائهم، لأن الاقتداء والتأسي يكون بهذه دون الاسم والنسب والمنصب.

كانوا شباباً ولكن لا بأعمارهم، بل بإيمانهم بالله سبحانه وتعالى، فلم يكن فيهم إلا الكهول (من حيث العمر) ولكن وصفهم القرآن الكريم بالفتوّة، لأن عزمات قلوبهم المؤمنة كانت شابة لا تتأثر بالأبدان الكَهِلة، وما أجدر هذه الروحية ان تكون نبراساً لكل مؤمن، بأن يحمل فتوة الايمان في روحه مهما كان عمره، وقد ورد في الأثر عن سليمان بن جعفر النهدي قال: قال لي جعفر بن محمد (الصادق، عليه السلام): «يا سليمان مَن الفتى»؟

 قال: قلت له جعلت فداك الفتى عندنا الشاب.

 قال لي: «أما علمت أن أصحاب الكهف كانوا كلهم كهولاً، فسماهم الله فتية بإيمانهم، يا سليمان من آمن بالله و اتقى فهو الفتى».

 

 ماذا فعلوا؟

لقد التجؤوا الى الكهف حيث لم يجدوا في الأرض ملجأً، ولم يكن هناك من يستمع الى نداءهم النابع من الفطرة.

وعندما تضطر المؤمن الظروف للالتجاء الى كهف داخل جبل في منطقة قفر، فإن ذلك يعني انه منقطع من كل اسباب القوة، مفتقد لكل نصير ومعين، وهذا هو ما يحدث للذين يريدون ان يتحرروا من التبعية والحرمان، ويغيروا أوضاعهم السيئة.

وكان التجائهم الـــى الكــــهف بنزلة الالتجاء الى الله سبحانه وتعالى وحده، فاستبدلوا الاستعانة بالمخلوق بالاستعانة بالله سبحانه وتعالى ودعوا الله ان يعطيهم أمرين:

«الاول: الرحمة، اي الخير والتقدم، وكل ما في الحياة من اسباب السعادة والفلاح.

الثاني: ان يهديهم الى الطريق السوي.

صحيح ان فطرتهم اوضحت لهم ان طريق قومهم خاطئ ولكنهم لم يكونوا يعرفون الطريق البديل. وقوله تعالى: {وَ هَيئّ‏ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا}، يدل على ذلك». (4)

وقد استجاب لهم ربهم سبحانه دعائهم، حيث خلّصهم من طغاة زمانهم واعطاهم مبتغاهم، ذلك لأنهم قاموا لله بنيات خالصة وتوكلوا على الله سبحانه وحده.

وفي هذه الآيات، بصائر عدة نشير الى بعضها:

الاولى: هجران المحيط الفاسد ضروري لحفظ الايمان، ولا يعد ذلك منقصة على المؤمن اذا ما هرب من الطغاة والمجتمع الفاسد ان كان ذلك مضراً بدينه.

الثانية: ليحصل المؤمن على نتائج مرجوة لعمله الرسالي، لابد من مزج العمل بالدعاء.

ويكرر السياق القرآني ذكر نبأهم، حيث يقول سبحانه : {نحَّنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقّ‏  إِنهَّمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَ زِدْنَاهُمْ هُدًى* وَ رَبَطْنَا عَلىَ‏ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَّقَدْ قُلْنَا إِذًاً شَطَطًا}. (الآية 13-14)

يقصّ الباري سبحانه نبأ هؤلاء الفتية لا للتسلية وملأ الفراغ، او للفخر والاعتزاز، بل يقصّ الله قصصهم بالحق، للاعتبار والاقتداء، فما اعطاه الله سبحانه لاصحاب الكهف يعطيه لكل من قام بمثل ما قاموا به.

انهم آمنوا بالله فزادهم الله هدى وربط على قلوبهم وهيئ لهم من امرهم مرفقاً، وبالتالي نصرهم على اعدائهم وجعلهم الغالبين.

انها سنة الله سبحانه، اذا خطى المرء باتجاهه خطوة، فانه يوفقه ويسدده للخطوات الاخرى، فقد لا يكون في حسبان المؤمن المستضعف ان يتغلب على اعتى الطغاة، ولكن الله سبحانه يهيء له اسباب ذلك، بصدق نيته وقوة ايمانه و ثبات مسيرته.

فالله سبحانه ربط على قلوب هؤلاء المؤمنين ووفقهم للقيام  {وَ رَبَطْنَا عَلىَ‏ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ}، فنهضوا ضد الكبت، بعد ان ربط الله على قلوبهم، لأن حركةً كهذه بحاجة الى ارادة قوية، وهذه الارادة والعزيمة تتأتى بعطاء الله سبحانه للرسالي، والربط على قلبه لكيلا يتردد ويستمر في قيامه متحرراً من الخوف.

وينبغي هنا ان نشير الى عدة بصائر نستفيدها من سياق هذه الآيات:

الاولى: ان القيام ضد انحرافات المجتمع امرٌ واجب، ولا يفعله الا من كان له ايمانٌ صادق وعزيمة ثابتة.

الثانية: الإيمان الحقيقي يحمل صاحبه على الابتعاد كلياً عن الشرك بالله سبحانه - مهما كانت انماطه والوانه- وهذا ما اعلنه اصحاب الكهف حين قالوا: ﴿لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلَهاً، ومن دون ذلك فإن الايمان سيزول وسيرجع المرء الى انحرافاته السابقة {لَّقَدْ قُلْنَا إِذًاً شَطَطًا}.

الثالثة: للحصول على النصر الالهي لابد ان يتحلى الانسان بمجموعة من الصفات النفسية، مثل الايمان والتوكل والقلب الثابت، وان يقوم بخطوات عملية، مثل الهجرة والدعاء والصبر، والآية التالية تشير الى بعض تلك الخطوات:

{وَ إِذِ اعْتزَلْتُمُوهُمْ وَ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُاْ إِلىَ الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكمُ‏ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَ يُهَيئّْ لَكمُ مِّنْ أَمْرِكمُ مِّرْفَقًا}. (الآية:16)

يقول سماحة المرجع المدرسي في بيان هذه الآية: «وهكذا نستوحي من هذه الآية الكريمة اسلوباً للنهضة وهو: اعتزال الطغاة وعدم اتباعهم، وانتظار رحمة الله، فلا نكون مستعجلين للحصول على النتيجة، وانما علينا بالصبر وانتظار الفرج. (5).

---------------

1- من هدى القرآن، ج 5- ص 23.

2- المصدر، ص 24.

3- كتاب التفسير «للعياشي»، ج2 - ص 323.

4- من هدى القرآن، ج5 - ص 25.

5- المصدر، ج5 - ص29.


ارسل لصديق